ليس هناك أدنى شك في أن الناس يميلون نحو عقد صداقات وروابط محبة بينهم وبين الآخرين وفي نفس الوقت يتقن بعض الناس فن إيذاء الآخرين من بني جنسهم والاعتداء عليهم بدنيا ولفظيا مما أدى بالمشتغلين بعلم النفس الاجتماعي إلى كشف النقاب عن الجانب المظلم لدى الإنسان من ناحية والجانب النوراني لديه من ناحية أخرى.

ومن المعلوم أن العنف والعدوان يزدادان طبقًا لأثر مشاهدة أفلام العنف في التلفزيون كما تزيد المستويات الهرمونية الذكرية في الدورة الدموية لدى المجرم وقت ارتكاب الجريمة وبالمثل يؤثر المناخ بما يتضمنه من برودة وحرارة ورطوبة على الشخص أثناء ارتكاب جريمته.

مما يؤكد اثر هذه العوامل البيئية على العدوان أن بعض الباحثين في علم النفس الاجتماعي (بيل BELL ) عام 1990 قد لاحظوا أن الحرارة والرطوبة والتهوية والضوضاء تؤدي كلها إلى العدوان الزائد لدى الإنسان أو تصيبه على الأقل بالشعور العدائي نحو الآخرين بالإضافة إلى ارتفاع معدلات استمرار العنف أو الثورات السياسية »اندرسون ANDERSON« عام 1989 خلاصة القول إن الطقس الحار يؤدي إلى إحداث زيادة في الجرائم البشعة مقارنة بالجرائم العادية.

وهناك على الجانب الآخر من يرى أن مشاهدة العنف تعتبر بمثابة تصريف لاتجاهات العدوان وذلك طبقا لنظرية فرويد في التنفيسCATHARSIS THEORY التي تفترض أن الدافع نحو العنف أو العدوان يبدأ في التصاعد نحو الهدوء بمرور الوقت مثل الشعور بالجوع وبداية البحث عن الطعام والواقع أن كلمة CATHARSIS تنفيس كلمة انجليزية مشتقة من المصطلح الإغريقي الخاص بموضوع التطهير PURGING.

ويرى فرويد في هذا المجال انه يمكننا أن نشبع رغبتنا العدوانية بمجموعة بدائل منها إهمال الشخص الذي يثير الإحباط لدينا أو مشاهدة لعبة الكاراتيه كبديل للأفعال العدوانية.. وهنا نتساءل: وما أسباب السلوك العدواني؟ حول الأسباب التي تسهم في نشأة وظهور السلوك العدواني لدى الفرد تقول د. عزت عبد العظيم الطويل أستاذة علم النفس بكلية آداب بنها في جامعة الزقازيق.

الأسرة

أظهرت دراسة أجراها (كوكس COX) من عام 1979 ـ 1980 أن هناك ارتباطا بين طلاق الزوجين وظهور السلوك العدواني لدى الأطفال بسبب الضغوط والصراعات داخل المنزل كرد فعل لهذه الضغوط. ومن الجدير بالذكر أن الأسرة التي تستخدم العدوان اللفظي أو البدني في كل نزاع بين الوالدين؛ تميل إلى استخدام نفس الأسلوب العدواني مع الآخرين، ومن ثم فإن الطفل العدواني هو نتاج عدوان الوالدين.

المستوى الاقتصادي والاجتماعي

في دراسة آمال عثمان عام 1982، أثبتت أن الأسر ذوات المستوى الاجتماع المنخفض، يستخدمون العقاب البدني بصورة اكبر من الطبقات الوسطى والعليا مما يشكل دافعا للسلوك العدواني بعكس الطبقات الوسطى التي تميل إلى استخدام العقاب النفسي مثل: النبذ، واللامبالاة، والتجاهل، وهذا يفسر زيادة نسبة السلوك الإجرامي بين الطبقات الدنيا.

جماعة الأصدقاء

من المعلوم انه تحت تأثير الجماعة يقل التفكير المنطقي، وتبتعد المعاير الاجتماعية التي تتحكم في العدوان ومن ثم تظهر جميع الاندفاعات العدوانية المكبوتة في مختلف الاتجاهات. وبالإضافة إلى ذلك، فإننا لا نستطيع أن نغفل دور المجتمع بأسره الذي يعيش فيه الفرد كأحد الظروف المهمة المساعدة على العدوان.

فالمجتمع الذي تغيب فيه العدالة الاجتماعية في توزيع المكاسب وإشباع الحاجات لدى الإفراد، تنتشر فيه مشاعر الحرمان والإحباط، وضعف الانتماء للوطن والشعور بالاغتراب. إن مثل هذا المجتمع يثير العدوان بأنواعه المختلفة كالسلبية واللامبالاة والخروج عن القانون وارتكاب الجريمة.

التفسير النفسي للعدوان

يفسر علماء النفس الاجتماعي العدوان من منظور المقاصد الكامنة وراء السلوك البشرى، فإذا كانت المقاصد الكامنة وراء السلوك منطوية على إلحاق الأذى المتعمد بالآخرين، والضرر المهلك للحرث والنسل، فان ذلك يعتبر عدوانا، ويرى (بيركاوتز BERKOWITZ)1990 أن حالات الإحباط الشديد تؤدي إلى ظهور قدر معين من العدوانية الذي يعتمد على كمية المشاعر السلبية الناجمة عن حالة الإحباط أو الفشل.

ولما كان الإحباط مفتاحا للغضب والغضب بدورة يؤدي الى العدوان، والعدوان يعتبر بمثابة (الدينامو) الذي يقوم بتوليد العنف، فان العنف يتحول في هذه المنظومة السيكودينامية الى سلوكيات مضطربة ومسالك دامية تتبلور في نهاية المطاف لتصل إلى الانتقام.

وعن الغضب نقول ليس في إمكاننا فك الاشتباك بيننا وبين غريزة الغضب بالتربية والتدريب حيث انه ما تم كسبه للنوع البشرى لا يسهل اقتلاعه بجهد فرد أو مجموعة أفراد ولا حتى بجهد أجيال متعاقبة من بني الإنسان لا يتعدى قوام وجودهم بضعة آلاف من السنين.

فالجهود التربوية تدريبية لا تستطيع اقتلاع ما أرست قوامه ملايين السنين منذ طفولة النوع الإنساني ومن قبلة الجنس الحيواني. إن الغضب غريزة في جبلتنا البشرية وهو يمثل قواما من قوامنا الأساسي والجوهري يستحيل الفرار منه ولكن يمكن ترويضه وتوجيهه فالغريزة ديكتاتور قابل للإقناع والتفاوض.

وعلى الرغم من أن غريزة الغضب تعتمل بكامل قواتها لدينا فإننا نستطيع أن نبقى عليها في حالة كمون معظم الوقت بحيث لا نغضب من أي شيء يمكن أن يستثير غضبنا لو انفنا لم نحاول إقناع ذلك الديكتاتور بالبقاء في حالة من السكون والهدوء.

والواقع أن الغريزة بمثابة المادة الخام التي تصنع لكي ترتدي ثوب الغضب. فغريزة الغضب ليست هي الغضب نفسه بل هي الاستعداد للتجسد في الأشكال السلوكية للغضب. فنحن لا نغضب بواسطة غريزة الغضب بل نغضب بملامح الوجه وبما نصدره من أصوات عالية وبما نستخدمه من عنف بالأيدي والأرجل إذا وصل الغضب لدينا إلى حد الاعتداء بالضرب على من نغضب منهم ونوجه غضبنا إليهم.

الهرمونات والنوع والعدوان:ثبت أن هناك علاقة ايجابية بين العنف والعدوانية من ناحية وبين الحقن بالهرمونات الذكورية من ناحية أخرى. هذا ويرى عالم النفس الاجتماعي »جيمس دابس وزملاؤه 1987-1988« أن مستويات هرمون الذكورة مرتفعة بشكل ملحوظ لدى المعتقلين المتهمين في جرائم عنيفة بصورة مختلفة عن نظرائهم مرتكبي الجرائم العادية.

ولما كانت المرأة لديها هرمون الذكورة منخفض عادة فان اثر هذا الهرمون يرتبط بارتفاع معدل السلوك العنيف بين الرجال. وقد دلت بعض البحوث في مجال علم النفس الاجتماعي أن الرجل ـ على سبيل المثال ـ يرتكب ست جرائم سنويا في مقابل جريمة واحدة تقوم بها المرأة في معظم المجتمعات الإنسانية.

ومن المعلوم أن أفراد المناطق العشوائية ذات الكثافة السكانية المتزايدة أكثر ميلاً للعدوان سواء كان العدوان لفظياً أو جسدياً »باص، بيرى« 1992، كما أن الرجال في هذا الصدد يتميزون بتخيلات خصيبة وتصورات غريبة عن كيفية ارتكاب الجريمة واستخدام الأسلحة فيها حيث بلغت نسبتهم %76 بينما كانت نسبة النساء لا تزيد على %62 فقط »كينريك، شيتس)1994.

وكما ذكرنا من قبل فان ذكور الحيوانات أكثر عدوانية ووحشية من إناثها وليس هناك استثناء بين الثدييات الأخرى اللهم إلا في دنيا الضباع حيث وجد أن الذكور والإناث يتساوون في العدوانية وذلك عند قتال بعضهم بعضا ذكورا وإناثا أو التهامهم جثة فريسة اشتركوا في صيدها وقتلها.

وهنا تصاب هذه الضباع جميعها بالجنون والسعار أثناء صراعها على الضحية » سماك، هولكامب« 1993.... وهنا نتساءل: هل تمثل العدوانية الموجودة لدى أنثى الضبع خروج عن القاعدة الخاصة بالربط بين هرمون الذكورة والعدوانية؟

نجيب عن هذا التساؤل بقولنا بان إناث الضباع تتعرض لكميات زائدة عن الحد المألوف من التستسترون (هرمون الذكورة) قبل ولادتها، كما أن الأنثى تستمر في إفراز كميات مرتفعة من هذا الهرمون بصورة غير عادية بعد الولادة مباشرة »فرانك، جليكمان«1993.

العوامل المؤثرة على العدوان

هناك عوامل تلعب دورها في زيادة العدوان والتأثير فيه وهي على الترتيب: أولاً: الحرارةHEAT: يستخدم قائدو السيارات آلة التنبيه كثيراً عند ارتفاع درجة الحرارة في الجو صيفا كما لا يحسنون استخدام حزام الأمان في السيارة بسبب الضيق من الحرارة.

ثانيا: التهوين والإهمالDEINDIVIDUATION: عندما يأتي المساء ويغطي الظلام الكون بوشاحه فان حشدا كبيرا من الناس يسلك أفراده مسلكا ينم عن أخلاقيات الزحام التي تكمن في العربدة والانفلات والتحريض على العدوان.

ثالثا: الإحباط و الانتقامFRUSTRATION / RETALIATION: من المعلوم أن الإخفاق في تحقيق الأمل يحدو بالمرء نحو العدوان حيث انه قد ثبت علميا أن بعض جرائم القتل قد تحدث نتيجة إهانة الشخص أو الحط من كرامته وللتقليل من قيمته على ملأ من الناس الأمر الذي يهدد مستقبلة فيشرع الشخص في هذه الحالة للثأر لكرامته المنهارة.

رابعا: عنف وسائل الإعلام MEDIA VIOLENCE: هناك ارتباط إيجابي قوي بين مشاهدة البرامج التلفزيونية العنيفة والسلوك العدواني مع الأخذ في الاعتبار الوضع الطبقي للمشاهد. إن معدل ارتكاب جرائم القتل يزداد ـ عادة ـ بعد مشاهدة مباراة عنيفة في الملاكمة كما أن مشاهدة الأفلام الجنسية العنيفة قد تؤدي إلى زيادة السلوك العدواني نحو المرأة.

خامساً: هرمون الذكورة TESTOSTERONE: إن مستويات هرمون الذكورة مرتفع بطبيعة الحال لدى المجرمين من الرجال المتورطين في الجرائم العنيفة وذلك بعكس النساء حيث إن الرجال يرتكبون ستة الضعاف ما ترتكبه النساء من جرائم القتل ولاسيما في المرحلة العمرية التي تتسم بارتفاع معدل هرمون الذكورة وكذلك الحال في عالم الحيوان ولله في مخلوقاته شؤون وفوق كل ذي علم عليم.

العدوانية والعمر

يتسم سلوك الناس جميعاً بضرب من العدوانية في وقت ما ويبدو أن العدوانية قدر أو شرط للنمو السوي في السلوك البشري وقد حاولت النظريات المختلفة إيضاح أصل العدوان بعده سمة موروثة تنمو استجابة لتجارب الإحباط في الطفولة أو بعده سلوكاً يكتسب عبر التعزيز الوالدي أو الاجتماعي وعلى الرغم من ضخامة حجم ما كتب بصدد العدوانية.

فإننا ما زلنا نجهل كيف ينقلب الأطفال عدوانيين أو لماذا يتحولون إلى العدوانية وكل ما نعرفه الآن هو أن العدوانية تتباين مع العمر وأنها تنشأ من ملاحظة النماذج العدوانية أي بالتقليد والتقمص ولا بد قبل وصف الفروق السنية في العدوانية من التمييز بين العدوان الكرهي الذي يصوب للآخر وتصحبه مشاعر الغضب وبين العدوان الوسيلي الذي يتفجر عند صنع شيء أو بلوغه وهو غير شخصي على الرغم من احتمال تعرض الآخرين لآثاره.

أما بالنسبة للفروق السنية فقد دلت دراستان تفصلهما أربعون سنة على قيام فروق واضحة في عدوانية الأطفال من ذوي الأعمار المختلفة فقد فحص (داوز) (Dawes) في عام 1934 شجار أطفال الحضانة الذين تتراوح أعمارهم بين 18 شهراً و65 شهراً وفي سنة 1974 درس هارتوب (Hartup) التفاعل داخل عدد من فئات أطفال ما قبل المدرسة الذين تتراوح أعمارهم بين أربع سنوات وسبع سنوات وفئات أطفال المدرسة الابتدائية من أعمار تتراوح بين ست سنوات وسبع سنوات وذلك خلال فترة عشرة أسابيع وقد أظهرت كل من دراستي داوز وهارتوب التالي:

1ـ على الرغم من أن عدوانية طفل ما قبل المدرسة وسيلية فإن العدوان الوسيلي يخف بصورة تدريجية بدءاً من السنة الثانية وحتى الخامسة.

2ـ يترافق اضمحلال العدوان الوسيلي بتصاعد العدوان الكرهي.

3ـ يستمر كلا الاتجاهين حتى الطفولة المتوسطة وذلك إضافة إلى انخفاض العدوان لدى أبناء السادسة عما هو عليه لدى أبناء ما قبل المدرسة الذين يبدون مقداراً كبيراً من العدوان الكرهي.

ترجع تغيرات السلوك العدواني إلى ظاهرة التأهيل الاجتماعي إذ يؤدي اكتساب الأطفال للتحريمات الاجتماعية ضد العدوانية إلى تعلمهم لجم نزواتهم العدوانية من جهة ثانية تشتد العدوانية بفعل التعلم خاصة عندما يتقمص الصغير الكبير أو يقلده وقد قسم باندورا الأولاد إلى فئتين:

فئة الراشد الوديع وفئة الراشد العدواني الذي طلب منه أن يضرب دميته ويركلها أمام الصغار خلافاً للوديع الذي طلب منه ألا يبالي بدميته أمام فئة من الصغار تبين بعد فترة من الزمن أن فئة الراشد العدواني من الصغار أبدت من العدوانية إضعاف ما أبدته فئة الراشد الوديع تجاه الدمية وأي شيء آخر.

ولقد تأكدت نتائج باندورا بعرضه فيلماً عدواني النزعة وآخر مسالما على فئتين من أبناء الحضانة إن للنتائج الأخيرة تطبيقاً واضحاً بصدد المادة الروائية ومضمونها ومسؤولية تلك المادة في التخفيف من عدوانية الناس عموماً والناشئة خصوصاً.