يتحدثون عن بعضهم، والبعض الآخر يتحدثون مع بعضهم. وما بين هؤلاء وأولئك مسافة شاسعة من الرقي والحضارة في مجال العلاقات الإنسانية داخل المؤسسات بمختلف أنواعها الاجتماعية منها والعملية. يمكن لهذه المؤسسة أو تلك منذ البداية أن تختار طريقها نحو الصعود أو طريق التراجع والتدمير الذاتي كخلايا السرطان التي لا ترحم شقيقاتها من الخلايا التي عاشت معها وكانت كنسيج واحد في الجسم.

إما أن تعتمد على العمل بروح الفريق الواحد الذي يقود مؤسسته نحو قمة الجبل دون تعب أو كلل، أو الطريق التي تفكك البنيان من أساسه. مثل هذه النماذج من الفئات نشاهدها في حياتنا اليومية في البيت والعمل والمقاهي وغير ذلك من الأماكن العامة، فتؤثر في علاقاتنا مع أشخاص أعزاء نتعايش معهم.

ومن المفترض أن نفرح لنجاحهم، ونحزن لإخفاقاتهم أو لمصاب ألم بهم.اوقات طويلة تستغرقها النميمة على الهاتف وفي المكاتب وخلف الجدران المغلقة، وفي الأماكن المفتوحة، مثل هذه الأحاديث تستهدف أشخاصاً نسعى لتدميرهم جزئياً أو كلياً. وقت الفراغ والحسد والشعور بالنقص وعوامل أخرى كامنة تثير الأقاويل حول هذا الشخص أو ذاك، والهدف إعلاء الشأن الذاتي، والتقليل من شأن الآخر، وتكبير هفواته ووضع أخطائه تحت عدسة مكبرة لا ترحم.

جلسات صباحية وأخرى مسائية، وما بين هذه وتلك جلسات مصغرة للنميمة التي باتت أسلوب حياة لدى البعض - ولن نقول الكثيرين، ونتمنى ألا يزداد عددهم أيضا - قد تستغرق الجلسات المصغرة عن طريق الهاتف دقائق معدودة وقد تمتد لوقت لا يستهان به، والتي تعمل على تفريغ الشحنات المكبوتة على شكل أقوال وأحاديث تستهدف أشخاصاً من المفترض أن تربطنا بهم علاقات صادقة قائمة أساسا على المحبة والاحترام.

البعض من هؤلاء يتقن فن النميمة بطريقة ملفتة للنظر، ويحاول الانتقال من النقد الى التقليل من احترام الآخرين للنيل منهم، ويحاول أن يثبت وجهة نظره من خلال تدعيم بقصص قد لا تمت إلى الواقع بصلة، ويضطر إلى الحلفان ليصدق الآخرون ما يقوله. إنها ثقافة نأمل أن يتم استئصالها، لأنها كالخلايا السرطانية تسعى لغزو أعضاء الجسم التي كانت تمدها بالحياة من قبل.

النميمة مشكلة اجتماعية ذات تأثيرات اقتصادية أيضاً، فهي تهدر الوقت، وتقطع الأرزاق عن البعض، وقد تشعل نار الفتنة. إنها تكرس المشاعر السلبية التي ترتبط بالعدوانية والعنف. النميمة لا تقتصر على الأفراد العاديين في المؤسسات، بل على الإداريين من المستويات العليا التي يسعى البعض منها إلى تكريسها ضمن مفاصل المؤسسة. النميمة تعد من آفات هذا العصر الذي طغت فيه المادة على مجريات الحياة اليومية التي لا ترحم عجلاتها أي شيء.

النميمة شكل من أشكال النفاق الاجتماعي، إذ بسبب الاندفاع نحو تحقيق المصالح الشخصية، فإن من يتقن فن النميمة يستغيب زميله وصديقه وربما شخصاً آخر قريباً منه لتحقيق مآربه غير المعلنة. النميمة محرمة شرعاً ومنبوذة اجتماعياً، لكونها تفرق بين النفوس، وتعمل على قطع الأرزاق وصلة الأرحام. فهل نعمل جميعاً على استئصالها من حياتنا اليومية، والاستعاضة عنها بالشفافية وطرح الآراء وجها لوجه دون مواربة.

همسة

«يستغرق بناء العلاقات الجميلة زمناً طويلاً، والنميمة تدمرها في وقت قصير»

bassam@albayan.ae