تبذل الدولة جهوداً متواصلة لمكافحة الآثار المدمرة للتدخين بعد أن أكدت الدراسات الطبية أن التدخين يؤدي إلى زيادة الوفيات بين المدخنين بأمراض سرطان الرئة والشرايين والقلب، ولتعزيز مكافحة التدخين يتوقع أن يوقع صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة على مرسوم قانون يحظر فيه التدخين في نهاية العام الحالي.

يرافق هذا النشاط حملات نشيطة من قبل اللجنة الوطنية للإقلاع عن التدخين وتوسيع دائرة عيادات مكافحة التدخين لتصل إلى كل مدن الإمارات لتعزيز القانون الذي سيصدر قريباً. وتعمل اللجنة على جعل الإمارات بيئة خالية من التدخين الذي يكلف الدولة والناس مبالغ طائلة تهدر دون طائل. وفي إطار تواصل الفعاليات لمكافحة التدخين ناقش عدد من الخبراء المحليين والإقليميين والعالميين المتخصصين في الآثار الصحية والاجتماعية المترتبة على آفة التدخين صياغة خطة استراتيجية متكاملة للحد من الآثار المهلكة لهذه الآفة على الصحة العامة في المنطقة.

من بين أهم القضايا التي ناقشها المشاركون في اللقاء نتائج بحث مهم أجري مؤخراً حول المدخنين في الدولة والذي أظهر أن 54 في المئة من المدخنين في الدولة هم من الفئة العمرية دون الثلاثين عاماً.

شارك في اللقاء الدكتورة وداد الميدور، استشارية طب الأسرة ورئيسة اللجنة الوطنية لمكافحة التدخين والدكتور بسام محبوب استشاري أمراض الرئة وعضو اللجنة الوطنية للإقلاع عن التدخين.

وشارك في أعمال اللقاء أيضاً الدكتور ميتشيل نايدز وهو خبير دولي معروف في مجال الإقلاع عن التدخين، ويشغل منصب رئيس »مؤسسة لوس أنجلوس للاختبارات السريرية« ومدير برنامج Quitting Picture الشهير الذي صمم لتمكين المدخنين من نجوم صناعة السينما والتلفزيون في أميركا من الإقلاع عن التدخين.

»الصحة أولاً« التقت الدكتور ميتشيل نايدز الذي تحدث عن عقار تشامبكس الذي طرح في الإمارات في رمضان الماضي، ويساعد المدخنين على الإقلاع عن التدخين عن طريق خفض حدة حاجة المدخن للتدخين وتقليل الكثير من الأعراض الانسحابية من النيكوتين وسألته:

ركزت بعض الدراسات على سبب الإدمان، فرأت أنه بالإمكان مستقبلاً إجراء عملية بسيطة تخلص المريض من حالة الإدمان نهائياً، ما رأيكم بهذه التطورات؟

- الحقيقة أن بعض المدخنين أصيبوا بأورام دماغية وعزا الأطباء تلك الحالات للتدخين.

إن ما توصلت إليه الأبحاث حول منطقة الإدمان في الدماغ وإمكان إجراء جراحة معينة مسألة لا تزال محكومة بدراسات وأبحاث وتجارب مستقبلية.

واللافت هو أن منطقة الإدمان منطقة معقدة ولم يتمكن الطب حتى الآن من فهمها بالكامل، فهي معقدة جداً. فهناك مستقبلات عصبية للنيكوتين وأخرى للكحول وأخرى للمخدرات.

وأقول إن الأبحاث المستقبلية كفيلة بحل لغز هذه المنطقة، وهي ستعود بالفائدة على المدخنين والمدمنين.

هل تعتقدون أن العالم سيصبح يوماً ما نظيفاً تماماً من التبغ؟

- آمل ذلك من كل قلبي، وعندها سيكون العالم أكثر رونقاً وجمالاً.

هل تعتقدون أن شركات التبغ ستقف مكتوفة الأيدي وأنتم تبذلون جهدكم لاختطاف زبائن أساسيين لديها ؟

- لاشك أن تلك الشركات لن تتنازل بسهولة خاصة وأن أرباحها كبيرة للغاية وستفعل كل ما بوسعها كيلا يحدث ذلك.

من جهة ثانية قال الدكتور بسام محبوب استشاري أمراض الرئة وعضو اللجنة الوطنية للإقلاع عن التدخين، هناك جهود مبذولة من قبل اللجنة لجعل الإمارات خالية من التبغ أو على الأقل بلداً عدد المدخنين فيه قليل جداً، خاصة بين الشباب.

وأكد أن أول شيء أنجزناه، كان التوصل إلى استصدار مرسوم قانون يمنع التدخين ويتوقع أن يوقع عليه صاحب السمو رئيس الدولة في نهاية العام الحالي. والواقع فإن عيادات التدخين في دبي والشارقة ورأس الخيمة هي عيادات تنشط بصورة ملفتة بين جمهور المدخنين.

وتشير الأرقام المتوفرة لعيادة الشارقة خلال السنوات الثلاث الماضية أن نسبة النجاح في الإقلاع عن التدخين تراوحت ما بين 25-30 في المئة. وهي نسبة تعد ممتازة، ولكن سبب النجاح الحقيقي يعود إلى الدعم الذي تلقته العيادة من قبل حكومة الشارقة، خاصة من الشيخ محمد بن صقر القاسمي مدير منطقة الشارقة الطبية وقد وفر للعيادة أجهزة لفحص الرئة ولقياس نسبة النيكوتين ولفحص الكربون في الجسم، وتقوم العيادة أيضاً بحملات توعية في الأسواق وفي المدارس.

وكانت العيادة توجهت إلى الطلبة في شهر رمضان، وكانت الاستجابة كبيرة. وتراوحت نسبة الإقلاع عن التدخين ما بين 25- 30 في المئة. وجرى خلال العلاج حوارات ما بين الطبيب والمدمن، فضلاً عن استخدام لاصقات الإقلاع. وأعتقد أن العلاج أثبت نجاحه.

إن مشكلاتنا في هذه الأيام هي مع الصغار الذين أقلعوا عن التدخين ولكنهم في الوقت ذاته توجهوا بكثافة إلى محال الشيشة، وأدى ذلك إلى مشكلة صحية كبيرة حيث سيبدأ أولئك الشبان الشعور بالمعانة الصحية في غضون بضعة أعوام.

ما هي نسبة المصابين بالسرطان بين المدخنين في الدولة؟ - من خلال الأرقام التي وضعها الأطباء في مستشفى توام بالعين، فإن نسبة المصابين بالسرطان جراء التدخين مرتفعة، ولعل أكثر حالات السرطان بروزاً بالنسبة للرجال، هو سرطان الرئة وهو أكثر سرطان قاتل يؤدي إلى الوفاة بين الرجال والنساء.

كما تحدث الدكتور عزان بن بريك استشاري أمراض القلب في دائرة الصحة والخدمات الطبية في دبي عن تأثير التدخين السلبي على صحة القلب فقال: لقد التقطنا صوراً لشرايين القلب أثناء التدخين، فتمكنا فعلاً من رؤية الشرايين وهي تتقلص مما جعل تدفق الدم فيها خاملاً، ونلفت إلى أنه عندما تصبح دورة الدم بطيئة تصبح إمكانية الإصابة بالتجلط واردة. كما تتعرض بطانة الشرايين إلى الإيذاء، وهي في النهاية تتسبب في تلف في الشرايين وقد رأينا كل ذلك بأم أعيننا ولن نتكلم نظرياً.

تلك هي الصورة الحقيقية لما يحدث في الشرايين وحتى عضلة القلب أثناء التدخين. ويعرف أن عضلة القلب تحتاج إلى ما يمكن وصفه بالوقود. وتلك الأنابيب تجلب الوقود إلى القلب وعندما يلحق بتلك الأنابيب الضرر ولا يتوفر الوقود الكافي للقلب فإن الدم لن يصل إلى القلب والدماغ فتتوقف عضلة القلب عن القيام بدورها الطبيعي.

وبذلك لن يحصل الجسم على حاجته من الغذاء والأكسجين وتتقطع أنفاس المدخن ولا يقدر على المشي لمسافة كبيرة. يتزايد عدد الطلبة المدخنين في الامتحانات، فما هو السر وراء ذلك ؟ - يحصل ذلك بسبب الإجهاد، ولاشك فإن هذه الدائرة تتوسع وأرى أنه لابد من قيام حملات ضد التدخين تستهدف الصغار والكبار على حد سواء.

والحقيقة فإن من السهل إقناع البالغين، ولكن من السهل فعل ذلك مع الصغار على الرغم من عرض صور تثبت الضرر الفادح الذي يسببه التدخين. فالأطفال لا يفكرون بكل ذلك، فهم يشعرون أنهم سيعيشون إلى ما لا نهاية. ولذلك لابد من اتباع وسائل نفسية معهم لإقناعهم بضرورة الإقلاع، وفي ضوء ذلك هناك بون شاسع بين طريقة إقناع البالغين والصغار.

من جانبها قالت الدكتورة وداد الميدور رئيسة اللجنة الوطنية لمكافحة التدخين: لقد وقع صاحب السمو رئيس الدولة على الاتفاقية الإطارية لمكافحة التبغ وكان ذلك في العام 2004.

وفي العام 2006 شكلت لجنة وطنية قوية شاركت فيها أكثر من 12 هيئة، وأشخاص قانونيون، وقاموا بوضع مسودة القانون الوطني لمكافحة التبغ ووضع قيود عليه.

وطرح القانون أمام مجلس الوزراء وأعاد مجلس المسودة وطلب إرفاق كل بند بدراسة معمقة حتى تكون تلك الدراسات مقنعة من الناحية القانونية عندما يتم تطبيق القانون.

ما هي فحوى تلك الدراسات؟

- القانون الوطني معني بالاتفاقية الإطارية الصادرة عن دول مجلس التعاون الخاص بتقييد استخدام التبغ. وتتبع جميع تلك الدول الاتفاقية.

لقد طلبت رئاسة مجلس الوزراء تفنيد كل بند من بنود مسودة القانون عبر دراسة تفصيلية تعمل على إيضاح الأسباب التي تجعلنا نفرض القانون على الناس. ونقوم حاليا بحملات واسعة تثقيفية بين الناس.

وقد بدأنا تحت إشراف وتوجيهات معالي محمد القطامي وزير الصحة والدكتورة مريم مطر بتعزيز عيادات الإقلاع عن التدخين على أساس قيامنا بتوفير الحلول العلاجية للناس. وفي الوقت ذاته نقوم بتنظيم دورات تدريبية للكادر الطبي لتوفير الرعاية الطبية والنفسية للمدخنين.

كما ينبغي أن يتوفر لدى كل طبيب وازع لمساعدة المرض الذين يتوافدون على العيادات من أجل الخلاص منه. هل لديكم إجراءات خاصة في المدارس للحيلولة دون تدخين الطلبة؟

د‌. وداد :لا شك فإن الأمور الاجتماعية والنفسية وتفكك بعض الأسر وغفلة الأهل عن الأبناء، كلها تساعد الأبناء على التدخين.

وفي المدارس هناك أنشطة واسعة فضلاً عن الدور الذي تقوم به الصحة المدرسية حيث تقوم بالتشجيع على مكافحة التدخين بين الطلبة، ولكن رغم كل ذلك أرى أن فرض قانون مكافحة التدخين ستكون له فعالية أكبر.

هل تعتقدين أننا سنتوصل يوماً إلى إجراءات تكافح التدخين بنفس قوة مكافحة المخدرات؟

- أعتقد أن مكافحة التدخين ستكون أقوى، وأعتقد أن هذا الأمر ستتبناه الجماهير نفسها لأن المطالبات قوية لمنع التدخين في الأماكن العامة، ويطالبون أيضاً بإجراءات للحفاظ على صحة أبنائهم.

لابد للناس أن يعوا أن شركات تصنيع التبغ ستلجأ إلى ألاعيب كثيرة وستحاول الوصول إلى جيل الشباب حتى يستمر في التدخين لسنوات طويلة على الأقل لثلاثة عقود قادمة لمواصلة تحقيق الأرباح.

نتائج الدراسة المسحية حول التدخين في الإمارات

من أهم القضايا التي درسها المجتمعون في اللقاء الدراسة المسحية التي أجريت مؤخراً، وشملت 500 مدخن من الدولة وكان الهدف من الدراسة خلال الصيف الماضي تحليل عينة عشوائية من المدخنين للتعرف عن كثب على استعدادهم للإقلاع عن التدخين والخطوات التي يتخذها الراغبون عند اتخاذ قرار بالإقلاع فعلياً. وشكل الذكور بين العينات العشوائية من المدخنين ما نسبته 92 في المئة.

فيما كان 54 في المئة من العينات ضمن الفئة العمرية دون 30 عاما، و27 في المئة ضمن الفئة العمرية ما بين 30-39 سنة، و14 في المئة ضمن الفئة العمرية ما بين 40-49 عاما و5 في المئة ضمن الفئة العمرية فوق الخمسين عاماً.

ومن بين النتائج اللافتة في الدراسة السابقة أن نسبة ضئيلة لا تتجاوز 11 في المئة من المدخنين الذين عزموا وصمموا على الإقلاع، ناقشوا مشكلتهم مع أطبائهم.

فيما عبر 66 في المئة من المشاركين عن قناعتهم أن في وسعهم الإقلاع عن التدخين بمفردهم دون استشارة أطبائهم، حتى من بين أولئك الذين حاولوا مرارا التوقف عن التدخين وأخفقوا في مساعيهم السابقة.

ومن النتائج اللافتة أيضاً، أن 66 في المئة من العينة المشاركة قالوا إنهم يعانون ارتفاعا في ضغط الدم، فيما قال 39 في المئة منهم إنهم يعانون ارتفاعاً في مستويات الكولسترول.

ومن جهته قال الدكتور بسام محبوب إن نتائج الدراسة »أظهرت جلياً الآثار الضارة، بل والمدمرة، المحتملة للتدخين على الصحة العامة في الدولة، كما أبرزت مسؤولية الأطباء في معالجة تلك المشكلة وما تنطوي عليه من تحديات، وقد اتفق المشاركون في اللقاء على المسؤولية المحورية للأطباء في محاربة هذه الآفة المهلكة«.

محمد نبيل سبرطلي