يقوم العديد من مصنعي منتجات اللحوم والأغذية بصورة عامة بغش منتجاتهم من خلال استخدام أنواع رخيصة من اللحوم لغرض الربح غير المشروع، خاصةً عند عدم إدراج أنواع اللحوم المستخدمة على البطاقة التعريفية للمنتج.

لقد برز موضوع الغش التجاري باللحوم وازدادت أهميته بزيادة وعي المستهلك ورغبته في الحصول على غذاء صحي آمن وبسبب زيادة قلقه على صحته بعد ظهور العديد من الأمراض المنتقلة عن طريق الأغذية المختلفة وعلى سبيل المثال النمط البشري لمرض جنون البقر والذي تسبب بوفاة 200 شخص لحد الآن ولا يوجد إحصائيات دقيقة لعدد الأشخاص المصابين بالمرض والتي لم تظهر عليهم أعراضه خاصةً إذا علمنا أن فترة حضانة المرض قد تزيد على 20 سنة، بالإضافة للأمراض الأخرى مثل انفلونزا الطيور والحمى القلاعية .

إن موضوع الغش التجاري باللحوم لا يقتصر على دول أو مناطق معينة من العالم بل يمكن ملاحظته أيضا في الدول المتقدمة، فعلى سبيل المثال لوحظ عدد من حالات الغش التجاري في الولايات المتحد الأميركية، المملكة المتحدة، استراليا واسبانيا علماً أن منتجات الأغذية يمكن أن تدخل جميع دول العالم بعد موافقة العديد من الدول على قوانين التجارة العالمية، وبسبب رغبة عدد من مصنعي الأغذية بالربح غير المشروع فقد تسبب ذلك في انخفاض نوعية منتجات الأغذية وازدادت معها المخاوف حول مدى صلاحيتها للاستهلاك البشري .

لقد أشارت إحدى الدراسات التي أجريت في ولاية فلوريدا الأميركية إن حوالي 15.9 % من مجموع العينات التي شملتها الدراسة (806 عينات) كانت حاوية على مكونات تعود لأنواع لحوم غير مصرح بها على البطاقة التعريفية للمنتج.

وفي دراسة أخرى أجريت في ولاية كاليفورنيا الأميركية على سلسلتين من المتاجر الكبيرة للأغذية لوحظ وجود إضافات لحم خنزير مع منتجات اللحوم البقرية كما لوحظ أيضاً وجود إضافات للحوم دجاج مع منتجات اللحوم البقرية .

القوانين والتشريعات:

لقد حدد القانون الأوروبي 2001/101/EC مصطلح اللحم بأنه يطلق فقط على العضلات الهيكلية الحاوية بصورة طبيعية على الدهون والأنسجة الضامة، حيث أن هناك نسباً محددة من الدهون والأنسجة الضامة لا يمكن زيادتها إلا في حالة تعليم المنتج بتلك النسب المضافة .

كذلك أوجب القانون تحديد أسماء أجزاء الذبيحة ونوع اللحم المأخوذ من تلك الأجزاء وعدم ضمها تحت تعريف (أو مصطلح) اللحم، ومن هذه الأجزاء: الكبد، القلب، الرئة، اللسان، الكلى، ولحم الرأس وغيرها.

كذلك فإن القانون شدد على أن لا تزيد نسبة الدهون في لحوم الطيور عن 15% ولا تزيد عن 25% في اللحوم الحمراء، أما الأنسجة الرابطة فيجب أن لا تزيد عن 10% في لحوم الطيور و 25% في اللحوم الحمراء، وفي حالة الزيادة عن النسب المحددة فيجب التصريح عنها من خلال البطاقة التعريفية للمنتج،علماً إن هذا القرار أوُجب تطبيقه منذ شهر يوليو 2003 .

كذلك ألزم القانون مصنعي اللحوم بعدم دمج منتجات اللحوم الحيوانية ومشتقاتها ضمن تعريف اللحم مثل الجيلاتين الحيواني بل يجب التصريح عنها بصورة واضحة في حالة إضافتها للمنتج مع توضيح المصدر المأخوذ منها تلك المشتقات كأن يكون جيلاتين من مصدر خنزيري أو بقري أو سمكي وعدم الاكتفاء بكتابة جيلاتين حيواني على البطاقة التعريفية للمنتج .

ومن الجدير بالذكر إن هناك قوانين تمنع استخدام أجزاء من الذبيحة في تصنيع منتجات اللحوم غير المطبوخة منها الأدمغة Brains، الأقدام Feet، الأمعاء، الرئة، الحبل الشوكي، الطحال، المعدة، المستقيم، الخصي والاضرع.

طرق التعرف على الغش التجاري في اللحوم ومنتجاتها:

هناك تقنيات عديدة يتم استخدامها للكشف عن الغش في اللحوم ومنتجاتها ولكنها بصورة عامة تعتمد على طريقتين أولاهما: الاعتماد على البروتين ونوعيته بالغذاء.والطريقة الثانية :هي الاعتماد على المحتوى الوراثي الـ DNA .

بالرغم من شيوع استخدام هاتين الطريقتين فان هناك العديد من طرق الكشف والتعرف على اللحوم التي استخدمت سابقاً لإجراء مثل هذه الفحوصات والتي اعتمدت على أنماط الأحماض الدهنية والكشف عن الهستدين والتي استخدمت لتمييز لحم الخنزير عن لحم الأغنام ولكن تبقى الطرق السابقة ذات محدودية في الاستخدام بسبب حساسيتها القليلة مقارنة بالطرق المعتمدة على الحامض النووي الـ DNA في الكشف عن نوعية اللحوم المستخدمة بمنتجات اللحوم المختلفة ومقارنتها بالبطاقة التعريفية للمنتج .

- الطريقة المعتمدة على البروتين للكشف عن الغش التجاري في اللحوم:

يمكن اعتبار طريقة الـIso Electric Focusing (IEF ) والطرق المناعية هي الطرق الأكثر شيوعاً في الوقت الحاضر للكشف عن الغش في اللحوم والمعتمدة على البروتين حيث تعتمد طريقة ال IEF على فصل البروتينات باستخدام هلام البولي اكريلامايد وباستخدام تدرج من الأس الهيدروجيني (pH ) يعقبه تصبيغ للبروتينات باستخدام صبغة الكوماسي الزرقاء حيث استخدمت هذه التقنية للكشف والتفريق بين اللحوم والأسماك غير المطبوخة وقد ذكر عدد من الباحثين إن هذه الطريقة غير ملائمة للتمييز بين اللحوم المصنعة (المطبوخة) بسبب سرعة دنترة البروتينات الذائبة تحت ظروف التصنيع (الطبخ).

كذلك يمكن استخدام الطرق المناعية للتمييز بين أنواع اللحوم المختلفة من خلال البروتينات المتواجدة بالعينة الغذائية الخاضعة للفحص بالرغم من معاملة هذه الأغذية بالحرارة أثناء التصنيع، حيث نلاحظ العديد من عدد التشخيص المعتمدة على الامتصاص المناعي الإنزيمي (Enzyme Linked Immunosorbent Assay - ELISA) تستخدم بصورة واسعة للكشف عن أنواع اللحوم ولكن تبقى العيوب في هذه الطريقة بعدم وجود الأجسام المضادة للعديد من الأنواع المراد فحصها، كذلك حصول تفاعلات عكسية للأجسام المضادة للعديد من أنواع الكائنات المتقاربة مع بعضها وراثياً.

إن تواجد البروتينات عادةً ما يكون له علاقة بالعمر، الجنس، السلالة ونوع النسيج الخاضع للفحص لذا فان هذه العيوب قادت العديد من العاملين في مجال تحليل الأغذية ومراقبة الغش التجاري إلى التوجه لاستخدام التقنيات المعتمدة على المحتوى الوراثي ال DNA للكشف وتشخيص أنواع اللحوم المتواجدة بالمنتج الغذائي ومقارنة ما يحويه المنتج مع البطاقة التعريفية الموضوعة على العبوة .

- الطريقة المعتمدة على المحتوى الوراثي ( DNA ) للكشف عن الغش التجاري في اللحوم :

إن الـ DNA المتواجد في الكائن يحمل جميع المعلومات الوراثية وهو عادةً ما يبقى داخل كل خلية ومن الصعب أن يتم عليه تغيير أو تبديل مقارنةً بالطرق التي تعتمد على البروتينات والتي يمكن أن تندثر باستخدام درجات حرارية معينة أو معاملات حامضية أو قاعدية.

وان المعلومات الوراثية نفسها موجودة في كل خلية من خلايا الكائن لذا فليس من المهم أن تكون العينة الخاضعة للفحص أو ال DNA مأخوذة من نسيج محدد لأننا بالنهاية سوف نحصل على الـ DNA وهذا ما نحتاجه لإجراء الفحص وتحديد نوع اللحم المستخدم بالمنتج الغذائي الخاضع للفحص ولهذا السبب نلاحظ استبدال طرق الكشف المعتمدة على البروتين بطرق أكثر دقة وحساسية وهي الطرق المعتمدة على الـ DNA.

هناك العديد من التقنيات التي تعتمد على ال DNA للكشف والتمييز بين أنواع اللحوم على اختلاف أنواعها منها ما يسمى بالتهجين باستخدام الDNA ( (DNA Hybridization، كذلك تقنية التفاعل المتسلسل لإنزيم البلمرة ( PCR ).

لقد وجد عدد من الباحثين وكان أولهم Kocher في عام 1989 إن هناك مناطق محافظ عليها تطورياً ضمن الـ DNA الذي يعود للمايتوكوندريا (Mitochondrial DNA ) وهو جين ( المُورثة) Cytochrome b والذي يعتبر مناسبا للتعرف على أنواع الفقريات، حيث من خلال تتابعات هذه المُورثة يمكن تمييز أنواع الفقريات كذلك يمكن استخدام هذه التقنية للكشف عن أنواع الأسماك .

كذلك هناك العديد من التقنيات والتي تستخدم جميعها للكشف والتعرف على أنواع اللحوم في المنتجات الغذائية المختلفة مثل تقنية الـ PCR-RFLP، RAPD-PCR و SSCP . ومن الجدير بالذكر إن جميع هذه التقنيات المتعلقة بطرق الكشف عن الغش بالأغذية والمعتمدة على الـ DNA تحتاج إلى عينات سيطرة مرجعية مصادق عليها من قبل هيئات عالمية متخصصة بهذا المجال لإنجاز هذه التقنيات بصورة صحيحة ودقيقة .

كيفية التعرف على النسب المتواجدة من أنواع اللحوم المختلفة ضمن المنتج الغذائي:

يعتبر هذا النوع من الفحوصات ذات أهمية كبيرة للتأكد من أن الغش التجاري ناتج عن الرغبة في الكسب غير المشروع أم انه بسبب إهمال في عملية التصنيع والناتج من عدم تنظيف خطوط الإنتاج بصورة جيدة خاصةً بين وجبات التصنيع المختلفة والتي يستخدم فيها أنواع مختلفة من اللحوم الأمر الذي يتسبب بظهور نتائج موجبة لوجود أنواع مختلفة من اللحوم غير مدرجة ضمن البطاقة التعريفية للمنتج .

وللتأكد من النسبة المئوية المتواجدة في أنواع اللحوم المختلفة فبالامكان استخدام تقنية الـ Real time – PCR، كذلك من الواجب أيضاً استخدام عينات سيطرة قياسية مرجعية تستخدم عند إجراء عملية الفحص ومقارنة النتائج المحصل عليها مع العينة المرجعية لبيان النسب المئوية لكل نوع من أنواع اللحوم ضمن المنتج الغذائي.

د.مازن حميد مطلوب -استشاري في علوم الهندسةالوراثية اختصاصي مختبرات