تعد مرحلة الطفولة من المراحل الحساسة خلال حياة الإنسان، فهي بداية تكوين شخصيته والأساس الذي سيبني عليه كل تعاملاته الحياتية في المستقبل، وما يميز الإنسان خلال فترة الطفولة، حب اللعب والحركة المستمرة وذلك يعد ضروريا لتفريغ الطاقة المختزنة وبناء العظام لديه، ولكن في بعض الحالات قد تزيد حركة بعض الأطفال حتى تكاد تصل لعدم الاستقرار والجلوس، إلا عند الخلود للنوم، وهذا ما أطلق عليه الأطباء النفسيون اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه عند الأطفال.
تواجه العائلة التي يكون أحد أطفالها مصاباً بهذا الاضطراب، مشكلات عدة في كيفية التعامل معه وكيفية تعامله مع الناس، حيث إن السيطرة على تصرفاته تكون غير ممكنة في كثير من الأحيان.
البداية
سمية القادري أم لطفل مصاب باضطراب فرط الحركة ويبلغ طفلها الآن من العمر 6 سنوات وقد واجهت معه الكثير من المشكلات حدثتنا عنها بالتالي:
«لقد لاحظت اختلافه عندما أتم عامه الأول». بهذا بدأت سمية كلامها وتابعت: أصبح بكاؤه عنيفاً وجنونياً في بعض الأحيان، فبمجرد أخذ شيء يخصه أو عدم تلبية ما يريده يبدأ بالبكاء الشديد وضرب وجهه بصورة غريبة، كما أنه بات يرمي بأشيائه دون الاكتراث لشيء حتى أنه أصبح يضرب نفسه في حالة الغضب الشديد بأي شيء تصل إليه يداه مما دفعني لإبعاد كل ما هو حاد أو صلب عن متناول يديه خشية أن يؤذي نفسه.
حركة
وكانت المشكلة الكبيرة التي واجهتها معه بعد أن أصبح قادراً على الحركة، حيث أصبح من المستحيل أن يثبت في مكان واحد أكثر من دقائق معدودات، وإذا حاولت أنا ووالده إجباره على الجلوس يبدأ بالصراخ والبكاء لدرجة أن لون وجهه يتغير وأشعر أنه قد اختنق، مما يدفعنا لتركه، ولكن هذه الحالة زادت عن حدها بشكل كبير.
حيث أصبحت حركته المتواصلة وعدم تركيزه أثناء المشي والركض تسبب له مشكلات كثيرة، فقد بات يقع كثيراً ويرتطم بأثاث البيت، كما أنه راح يعبث في الزجاج ويكسره، والذي أخافني كثيراً، هو عدم رهبته من شيء، فهو قد يقدم على فعل أي شيء. فقد يقفز من مكان عال دون وعي، لذا أصبحت ملازمته كل دقيقة أمراً مفروضاً لكي أطمئن عليه.
حرج
إن ما يعاني منه ابني قد أثر علي وعلى أبيه بشكل كبير، فقد أصبح يسبب لنا حرجاً كبيراً أمام أقربائنا وأصدقائنا سواء من يأتون لزيارتنا أو نذهب لزيارتهم، فهو لا يلبث يضرب أطفالهم أو يبدأ بالركض والقفز أمامهم وعلى الأثاث، وطبعاً، لم يكن بمقدوري عمل شيء حيث أن ضربي له وعقابه لا يجدي نفعاً، بل أحس أنه يزيد الأمر سوءاً.
فكرت كثيراً في أخذ ابني إلى اختصاصي نفسي لكني في كل مرة أتراجع فلا أستطيع أن أتخيل أن أتقبل فكرة أنه مضطرب نفسياً، فهو ذكي وسليم جسدياً ولا يعاني من شيء سوى كثرة الحركة ونوبات الغضب الشديد، وما يقلقني الآن هو دخوله للمدرسة، فأنا لن أكون معه ولا أدري كيف سيتم التعامل معه من قبل المدرسين هل سيتقبلونه، وهو كيف سيتأقلم مع بيئة المدرسة، ولكني آمل أن يعتدل وضعه مع اختلاطه بأطفال في مثل سنه وفي اعتقادي أن المدرسين أخبر في كيفية التعامل معه.
الأسباب والعلاج
وعن أسباب هذا الاضطراب وطرق علاجه حدثنا د. محفوظ الجومرد اختصاصي الأمراض النفسية قائلا:
تعد العوامل الوراثية الجينية من أهم أسباب فرط الحركة عند الأطفال،فوالدا الطفل المصاب يعانيان بدرجة عالية من اضطرابات الشخصية تجاه المجتمع،وأيضاً يعانيان من الإدمان على الكحول أو المخدرات.
ويظهر على الطفل المولود من أبوين يتمتعان بالصفات السابقة تلف دماغي طفيف وهو يكون سبب فرط الحركة دون وجود تغير عضوي واضح، وتعد إصابة الطفل بالصرع سبباً لإصابته باضطراب فرط الحركة، وعادة ما تكون نسبة الذكاء عند هؤلاء الأطفال متدنية جداً وفي بعض الأحيان النادرة تكون عندهم نسبة الذكاء عالية جداً حتى أنهم يوصفون بالموهوبين.
وينقسم علاج هذا الاضطراب لنوعين الأول عن طريق محفزات الجهاز العصبي المركزي بالأدوية التي تعطى للطفل تحت رقابة شديدة من قبل الطبيب المعالج، والنوع الآخر من العلاج هو باستخدام مضادات الكآبة.
وفي حال إصابة الطفل بأمراض نفسية أخرى كالصرع أو الرهاب فيتم إعطاؤه الأدوية الخاصة بها بالإضافة لأدوية فرط الحركة.وقد يستمر هذا المرض للكبر. فقد تم تشخيص حالات لكبار بالسن وجد أنها امتداد لإصابتهم باضطراب فرط الحركة في الصغر. ففي حال عدم علاج هذا الاضطراب قد ينتقل مع الطفل لمرحلة متقدمة جدا من العمر تسبب له اضطرابات نفسية مختلفة.
ويجب أن ننصح معلمي المدارس بملاحظة الطفل خصوصاً في سنته الدراسية الأولى وإعطائه الرعاية الكافية، لكي يطمئن بأنه مصان كما في بيته. فانتقاله لجو المدرسة الغريب بالنسبة له قد يسبب له القلق والارتباك، فإذا تم القضاء على ذلك يمكن تلافي الكثير من أسباب إصابة الطفل باضطراب فرط الحركة،أما الأهل فهم أول من يكتشف الطفل، فإذا كان يبكي كثيراً ونومه قليل وأشياء أخرى غير اعتيادية، فعليهم مراجعة الطبيب المختص مباشرة مما يسهل علاجه وتكون النتائج أسرع وأفضل.
