من عادة الذكريات المؤلمة أن تروح وتجيء دون سابق إنذار لتسكن حياة الناس بكل ما فيها من أوجاع ومشكلات في وقت اعتقدت أن كل شيء قد انتهى إلى غير رجعة،أخيرا تحدثت تيري عن ألمها النفسي الذي عانت منه منذ الطفولة عندما تم الاعتداء عليها، واحتفظت بكل ذلك سرا لنفسها طوال تلك السنوات الماضية.

وتعترف أنه تبعا لذلك كانت تجد صعوبة بالغة في الاقتراب من الآخرين إلى درجة أن زواجها السابق تحول إلى علاقة أفلاطونية تسببت في انكسار حياتها الزوجية وتحولها إلى ركام.

ولكن تيري لم تكن ولن تكون الوحيدة التي يمكن أن تمر بمثل هذه الظروف الظالمة والعصيبة، فهناك الكثيرات اللواتي مررن بتجربة من نوع ما مشابهة أكثر حدة أو أقل. وتتعدى الذكريات المؤلمة بطبيعة الأحوال التعرض لاعتداء نفسي كما الجسدي إلى المرور بوقت عصيب نتيجة لفقدان حبيب أو قريب كما التعرض لمرض شديد أو التعرض لتجربة يمكن أن تهدد الحياة.

وتكاد لا تختفي تلك التجارب المؤلمة ولكننا ندفنها بمرور الوقت في أعماق عقلنا الباطن. والحقيقة فإن أي تجربة مؤلمة في حياتنا تكاد تترسخ في أعماق الذاكرة، وإن نسيناها فإنها لن تموت قط. وهي تتجسد ببساطة وتعبر عن نفسها في سلوكياتنا الظاهرة وفي الأعراض المختلفة لتلك المشكلات.

وفي حال وجدت نفسك دائما مرهقة جسميا وذهنيا لا لسبب ظاهر وتشعرين باليأس والقنوط أو الألم النفسي أو تعانيين من عدم ثقة بالذات أو تميلين إلى العدوانية أو تعرضت يوما للتنمر فالعلاج الأفضل أن تكوني متنمرة بدلا من أن تكوني ضحية لذلك التنمر.

وقد تعانيين أيضا من الأرق والشقيقة ومن اضطرابات في البشرة وقد تميلين إلى إيذاء نفسك أو تلتهمين كميات كبيرة من الطعام أو على العكس من ذلك تقاطعين الطعام حتى تجويع الذات. وقد تحلمين بالكوابيس وتنتابك مشاعر الفزع وتعود إليك ذكريات الماضي على شكل لقطات سريعة تمر أمامك وفي خيالك.

ولا شك أن الكثير منا مر أو يمر بتلك التجارب المرهقة أو ببعضها ويشار دوما لها على أنها اضطرابات ما بعد الحادث المؤلم. وقد يخوض الكثيرون تجرب بعض تلك الأعراض في حياتنا في كل الأحوال نتيجة لأسباب أخرى متنوعة.

لكن في حال كانت لشخص صلة بطريقة ما بحادث مؤلم مثل حادث سيارة خطير أو إصابة بدنية أو عقلية أو تعرض لاعتداء جنسي عند ذلك تكون أية إثارة لها مسألة خطيرة وتستدعي الدراسة والاهتمام.

كما يمكن أن تصحو الذكريات المزعجة عندما يشاهد الإنسان مناظر أو حادثة مشابهة على التلفاز أو عندما يقرأ عنها في الصحف. أو قد يكون الإنسان أسوأ حظا عندما تفرض عليه ظروف مشابهة.

عندما قامت الموسيقية ومقدمة البرامج التلفزيونية ميلين كلاس بحملة تحت عنوان «أوقفوا التنمر» نيابة عن جمعية أطفال خيرية، تحدثت عن الأوقات العصيبة التي كانت تمر بها في المدرسة وتأخذ تلك الذكريات بالعودة لكي تطغى على كل تفكير آخر لديها وتعيش تلك اللحظات عندما هاجمها عدد من الزعران في أحد شوارع لندن.

ولكن ليس من الضروري أن تعصف الذكريات المؤلمة بحياتنا على طول الخط حيث إن هناك مقاييس متوفرة ممكن اللجوء إليها للعلاج والتخلص من تلك الذكريات وهي إجراءات تقود إلى الشفاء من الذكريات المؤلمة ويمكن القيام بذلك بكل بساطة عن طريق تفكيكها وتبديدها.

ويعد التنويم المغناطيسي من وسائل العلاج الناجعة للتخلص من ذكريات الماضي الموجعة. ولكن يمكن التخلص منها وتبديدها ونسيانها بالكامل.وتعتقد طبيبة نفسانية أن العودة إلى الماضي لن يخدم المريض بحال من الأحوال، بل سيحرك المواجع، كما يقولون.

وعلى الأغلب، و باتفاق مع المريض، يمكن عزل الجزء الموجود في العقل الباطن وهو الذي يتشبث بالذكريات المريرة أو الإصابات البدنية ذات الصلة بالماضي، ولذلك لا تعود لتزور المريض وترهقه مجددا. إذن العملية تتركز في ضرورة تثقيف العقل الذي لا يجعلك تغيرين الماضي والحقيقة فإن الوقت هو الكفيل بتغيير كل ذلك.

على أريكة الطبيب

تعتقد كاترين سترانج الطبيبة الممارسة أن تقنية الحرية العاطفية هي الوسيلة المثلى والفعالة التي تمكن المريض من التخلص بصورة كاملة من تلك الطاقة التي تقف وراء انحباس تلك المشاعر السلبية التي تعاود الإنسان من حين لآخر. وفي رأيها أن هذه التقنية « تعتمد على الإيمان بأن كل المشاعر السلبية تنبع من إثارة الاضطراب في حقل طاقة الجسم.

وعن طريق تعديل الفكر المجهد أو الذاكرة والضغط على نقاط محددة على خطوط الطاقة الممتدة على الجسم، وهو النظام المستخدم في العلاج بالإبر الصينية، يتم تبديد إطلاق الطاقة الكامنة والعواطف وإزالتهما بالكامل. ويجري الحديث هنا عن شيء ما يمكن أن يساعد على الفهم أو التوصل إلى نوع من المصالحة للتخلص من كل تلك المشاكل ولكن تقنية الحرية العاطفية تتجاوز هذا المفهوم بالتخلص من كل الطاقة العاطفية الملموسة المحبوسة في الجسم وتعويض ذلك بزرع شعور بالسلام في مكانها.

وفي غضون ذلك تقترح الطبيبة مارلين ديفونيش مزيجا من البرمجة اللغوية العصبية، وهو العلاج الذي يمكن الناس من تغيير أفكارهم ومشاعرهم ومعتقداتهم من خلال الاستخدام اللغوي و ما يسمى بـ « تايم لاين ثيرابي» 0.

وهو عملية تهدف إلى المساعدة على التخلص من العواطف السلبية ذات الصلة بالماضي أو العواطف التي تكبل وتمنع الإنسان عن اتخاذ القرارات، وبناء مستقبل بالطريقة التي نرغب فيها. وتعد تلك التقنيات المكون الرئيس لهذا النمط من العلاج وهي وسائل سهلة وتحقق تغيرات مهمة في حياة الإنسان.

وتقول مارلين ديفونيش «عندما أعالج مريضا أتعامل مع جذور المشكلة والفوائد التي قد تنتج عن التشبث بتلك الذكريات المؤلمة. وعلى سبيل المثال فإن عدم التخلص من الذكريات الموجعة يعني أنك ستتذكرها دائما ويعني التذكر أن تلك الذكريات لن تحدث لك ثانية. ومن ثم أقوم بزرع أحداث إيجابية وأهداف في «خط الزمن» الخاص بمستقبل الزبون حتى يتمكن من أن يحصل على شيء ما يرفع المعنويات ويدفع الإنسان كي يتطلع لتحقيقه.

وتستخدم الطبيبة تجربتها الخاصة كمثال فتقول: اعتدت على الشعور بالفزع من الحديث إلى الناس العاديين، وأقول إن تلك التجربة كانت تسبب لي ألما ومعاناة.

وعلى الرغم أن كل شيء في الحياة نسبي فقد لجأت إلى الاستعانة بالبرنامج اللغوي العصبي ووسائل أخرى مفيدة لحل مشكلتي. ولكنني أعمل الآن مدربة في مؤسسة وأجد متعة في القيام بذلك، ولا أتذكر تجارب الماضي أيضا حيث كنت أجد صعوبة في تقديم محاضراتي.