لوحات مسطحة، وأخرى تبدو واضحة بأبعادها الثلاثة.

مشاهد متحركة، وأخرى ساكنة.

الشعور بعدم الأمان، والحاجة للدعم من قبل الآخرين، والبحث عن حلول لمشكلات بسيطة، لكنها تبدو عصية على الحلول. مشكلات تبدل النظرة إلى الحياة، حيث يبدو السواد هو الغالب على تلك اللوحة التي شكلتها مجريات الحياة اليومية.

بين هذا المشهد والذي يليه أيام قليلة.

المشهد الأول؛ فتاة في عمر الزهور، يفصلها عن والديها ظرف زماني وآخر مكاني.

تعيش مع خالتها التي حولت حياتها إلى جحيم حقيقي، بدافع الحرص، لا إخوة، ولا أبوان، ولا حتى أصدقاء. البيت بات سجناً محكم الإغلاق، رغبات مكبوتة، وأحلام مرعبة، والحزن هو العنصر الأساسي في هذا المشهد الذي صنعه الكبار، والذي تدفع ضريبته تلك الفتاة التي تبحث عن الخلاص مهما كان، لأن الواقع أشد مأساوية من إعلان الحداد الذي قد لا يستمر طويلاً.

المشهد الثاني:

أرادت إطلاق صرخة مدوية، لكن صوتها المتهدج لم يساعدها.

تحملت الكثير من أعباء الحياة، وقفت إلى جانبه، حتى استطاع تحقيق المكاسب في حياته العملية والمالية. وحينما وصل إلى أعلى السلم، تناسى ونسي شريكة حياته، ولم يعد ينظر إلى الحياة بمنظاره القديم، فتشوهت اللوحة الجميلة التي رسماها سوية، وسهرا على أدق تفاصيلها. لقد باتت عبئاً على حياته، وعنصراً يرغب باستئصاله دون تفكير.

الأولاد يدرسون في جامعات غربية، والأم حبيسة الجدران. لم يعد البيت الفسيح يعنيها، ولا الأثاث الفاخر، والمجوهرات ترضيها، فهي بحاجة إلى مساحة من الدفء لتشعر بالطمأنينة التي تفتقدها منذ سنوات. إحساس بالغربة والاغتراب عمّن أحبته وضحت من أجل نجاحه وسعادته.

بكاء متواصل، وشعور بوحدة قاتلة.

تعاني نوعاً حاداً من الاكتئاب من دون أن يكترث لها. الأدوية ـ رغم توفرها ـ لن تعيد لها توازنها، فهي بحاجة إلى لمسة حانية، وكلمات مطمئنة من محب طالما أدمنت حبه.

المشهد الثالث:

الأم تنظر باتجاه وتخطط ضمنياً لمستقبل ابنها الذي تعدى سن المراهقة، وبات شاباً واعياً ومدركاً، ويعمل على شق طريق حياته ـ حتى وإن كان مليئاً بالمصاعب ـ.

نقاشات مكررة، محسومة نتائجها سلفاً. فالأم ترى أن الخريطة التي رسمتها لابنها ـ الذي مازالت تنظر إليه وكأنه طفل صغير ـ هي التي ستوصله إلى بر الأمان في حياته العملية والاجتماعية.

أما الابن فهو يرى غير ذلك، حاول مراراً أن يوضح وجهة نظره، وأهدافه المبنية أساساً على إمكانياته ورغباته، ولكن من دون جدوى.

حال هذا الابن كحال العديد من الأبناء الذين يعانون عدم التواصل مع آبائهم.

مشاهد ساكنة وأخريئمتحركة. والقطار يقطع المسافات بصوت عجلاته الرتيب. والمشكلة في هذه المشاهد، اضطراب في التواصل، وغياب لغة الحوار، وعدم الاعتراف بالآخر ككيان إنساني له الحق في التعبير عن رغباته، وآرائه، ومشاعره، فتتعاظم المشكلات مهما كانت بسيطة، وتبدو اللوحة قاتمة بمشاهدها المختلفة.

المشاعر سلبية، والقرارات خاطئة، وعدم رؤية المشهد بأبعاده الثلاثية، كل ذلك يؤدي إلى تحطيم الآخر مهما كان، بقصد أو غير قصد.

لغة الحوار المثمر والهادئ تساعدنا على تخطي المصاعب. وتفهم الآخر.

إن أي مشهد لا يمكن فهمه وتحليله بشكل واضح. إلا إذا لعبنا دور المراقب عن بعد، أو الفاعل فيه، أو تقمصنا دور الشخص الآخر، حينها يمكننا رؤية المشهد بأبعاده الثلاثة بشكل واضح، وحينها يمكننا إضفاء المزيد من السعادة على من نحب، حينها تصبح الطمأنينة والأمان، والمودة والمشاعر الإيجابية بألوان طيف قوس قزح هي العنصر الأساسي في هذه المشاهد التي تلون حياتنا بألوان زاهية تفرح القلوب التي هدها التعب.

bassam@albayan.ae