يعّرف النمط المعيشي بأنه مجموعة العادات، والممارسات، والأنشطة التي يعتاد الفرد ممارستها خلال حياته اليومية، سواء كانت ممارسات جسدية أو علاقات اجتماعية، وعادة ما يبنى النمط المعيشي على ما يحمله الإنسان من مفاهيم وقناعات ومعلومات.
إن بناء الإنسان بناء متكاملا بجوانبه الجسمية والنفسية، والعقلية، والروحية، والاجتماعية. هذا البناء هو الذي يجعل الإنسان قادرا على التأقلم والتمييز بين الاختيارات، وتحديد السلوك الذي يحافظ به على صحته وحياته. وهذا البناء المتكامل هو الذي يجعل الإنسان يكتسب نمطا معيشيا ما، آخذا في اعتباره صحته على المدى القريب والبعيد.
أدى التغير السريع في المجتمعات من حياة تقليدية إلى حياة مدنية متقدمة ومعقدة، وبعد ما شهده العالم من تقدم تكنولوجي في السنوات الأخيرة في مجالات النقل والاتصالات فقد تغير نمط معيشة الإنسان والذي كان على وتيرة واحدة منذ آلاف السنين، تغير بقدر كبير إلى مجموعة كبيرة من التعقيدات والتداخلات السلوكية.
وقد زاد من أثر التغير أن هذا الانتقال والتطور حدث بصورة مفاجئة نسبيا وخصوصا ما تم اكتشافه وإدخاله إلى الحياة من تطبيقات علمية في مجال المواصلات والاتصالات.
لقد كان للتقدم التقني نتائج إيجابية وأخرى سلبية. فقد تناقصت الأمراض المعدية، وتطورت الخدمات الصحية، واستخدمت التقنيات الحديثة في التعامل مع الكثير من الأمراض. إلا أنه وفي المقابل كان لهذا التقدم مظاهر سلبية برزت بوضوح في المجتمعات الأكثر تأثرا بهذا التطور المادي.
ومن تلك السلبيات التغير في النمط السلوكي للإنسان. فقد أصبح الإنسان أقل حركة من أي عصر مضى في تاريخ البشرية، وازداد ما يتناوله الفرد من غذاء نوعا وكما، بالإضافة للعادات الغذائية السلبية الأخرى. كما انتشرت عادات جديدة بين البشرية مثل: التدخين ومشاهدة التلفزيون لساعات طوال، إضافة إلى انتشار الوجبات السريعة والمشروبات المصنعة، وتناقص الإقبال على شرب الحليب، والخضراوات والفواكه.
كما ضعفت الروابط الأسرية، وقل الدعم الاجتماعي في حياة الإنسان، وازدادت الحوادث والإصابات، واضطراب نمط النوم، واختلفت أوقات الوجبات الغذائية وأهملت وجبة الإفطار بالذات، كما انتشر إدمان الكحول والمخدرات والسلوكيات الجنسية غير الشرعية.
إن أهم ما يذكر من نتائج من هذا النمط المعيشي هو ما نتج عنه من أمراض بدأت في الظهور والانتشار مثل: الداء السكري، وأمراض تصلب الشرايين، والسمنة، وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة، وتسوس الأسنان، وهشاشة العظام، والأمراض المنقولة جنسيا.
وقد بدأ التوجه والنظر في دراسة أثر النمط المعيشي كمحدد من محددات الصحة وعواملها الرئيسية. ما أهم مظاهره؟ وما نتائجه؟ وذلك في محاولة لإيقاف سيل المشكلات الصحية المعاصرة التي نجمت عن هذه النقلة الحضارية.
وينبغي على المجتمع بمؤسساته الصحية والتعليمية رفع الوعي بقضية النمط الذي يعيشه الإنسان وأثر ذلك على صحته، فتقدم المجتمعات مرهون بقوتها البشرية، وبصحة أبنائها. وهذا يتطلب عملا دؤوبا وجادا في التوعية الصحية التي أصبحت مطلبا ملحا لإنقاذ أفراد المجتمع من هذه الآثار السلبية.
ولو اجتمع للبشرية استمتاعها بالتقدم التقني مع التخلص من آثاره السلبية التي نغصت على الكثير من البشر حياتهم لكان في ذلك سعادة البشرية. وإذا استهدفت التوعية الأولويات الصحية الحقيقية، واستخدمت بطريقة مؤثرة في السلوك، فسوف تكون الأقدر على صنع التحول المطلوب لمواجهة الكثير من المشكلات العصيبة وإيقاف سيل المشكلات الصحية المعاصرة.
د.صالح بن سعد الأنصاري
