توصف الرحمة بأنها قيمة جوهرية عند المخلوق البشري خاصة عندما يتعلق الأمر بالمؤسسات الطبية، وعلى نحو خاص الأطباء الذين أقسموا أن يكرسوا حياتهم لتخفيف معاناة الناس ولإنقاذهم من العاهات والأوبئة مضحين بكل غال ونفيس في سبيل توفير كل رعاية وعلاج للإنسان بصرف النظر عن اللون والدين والعرق والمكانة الاجتماعية.
و حكاية اليوم تروي لنا قصة إنسانية كبيرة شاركت فيها أطراف عدة لإنقاذ طفلة بريئة لا ذنب لها سوى أنها جاءت إلى هذا العالم بتشوهات خلقية في عظام ساقيها. في دبي فتحت أمام مليكا أبواب الرحمة وتكاتفت جهات عدة لتوفير الرعاية والإنفاق على كل الإجراءات التي احتاجت لها الطفلة للوقوف على ساقيها. جاءت إلى دبي تحبو على ركبتيها وغادرتها وهي منتصبة القامة، وإن كانت ستعود لاستكمال العلاج. في مركز دبي للعظام والمفاصل تبدأ القصة وكأنها مقتطعة من عالم الخيال حيث وفر لها المركز المهارة الطبية العالية التي جسدها طبيب جراحة العظام المتخصص في علاج الأطفال مارك سنكلير بينما وفر مستشفى الدوحة في العين لها غرفة العمليات وكل ما تحتاج إليه من أدوية وعقاقير ومعدات وراحة ونقاهة هي وأسرتها المكونة من والدتها وشقيقتها وخطيب شقيقتها الذي رافق الأسرة طوال الرحلة. والأمر الملفت في كل هذه القصة أن أطفال مدارس أدلوا بدلوهم وساهموا بتبرعاتهم لإنجاح العملية.
يقول الدكتور مارك سنكلير وهو لا يخفي فرحا داخليا كبيرا للإنجاز الذي حققه، فبعد أن نصح أطباء ببتر العيب الخلقي بساقين اصطناعيين جاءت كلمة الدكتور سنكلير حازمة وقاطعة وقال كلمته »سأجعلها كأي طفلة طبيعية تمشي على ساقين«.
ولأول مرة استبشرت الأسرة خيرا وراح عنها كابوس البتر الذي نصح به عدد من الأطباء في جنوب إفريقيا أو حتى داخل الإمارات وقد أقر الدكتور سنكلير أنه في معظم الحالات يكون البتر هو الأساس، لكنه قبل التحدي ونجح في تحقيقه.
ولدت ميلكا جيربو في أديس أبابا وفتحت عينيها على هذه الدنيا وهي تشعر بالنقص فما اكتمل وعيها حتى أصبحت تشعر بالمرارة، فهي ترى الأطفال من حولها وكل أقاربها يلعبون ويقفزون على أرجلهم بينما ظلت هي مقعدة يخونها ساقاها ولا تقوى على تقليدهم ومجاراتهم في اللعب.
ولم تحلم يوما أن القدر سيبتسم لها وستجد الحضن الدافئ في دبي الذي سيستقبلها لتنعم كما باقي الأطفال بنعمة المشي الطبيعي. والحقيقة كما ترويها الأم وخطيب شقيقة ميلكا مليون شيفيرو أن الأمر كان معجزة وكأن قوى سماوية هبطت لتساعد على تخليص الطفلة من مستقبل مظلم وعقد نفسية مفعمة بالمرارة. وتحلم ميلكا الآن بالرقص في حفل زفاف شقيقتها واللعب مع أترابها في الحي بكل ما أوتيت من عنفوان حرمت منه طوال السنوات الثلاث الماضية.
ويقول الدكتور مستبشرا »لن أخشى على ميلكا بعد اليوم لأنها لم تعد قعيدة، وكل ما أتمناه اليوم وأسرتها تعد الساعات للتوجه إلى المطار للسفر إلى أديس أبابا أن تولي ميلكا كل الرعاية حتى ترجع مرة ثانية إلى دبي لاستكمال العلاج لإطالة ساقها خمسة سنتيمترات أخرى حتى تصبح الساقان متساويتين وتستطيع المشي كأي طفل طبيعي، فالغذاء الذي يوفر لها نسبة غنية من الكالسيوم ضروري لملء الفراغ من أجل تقوية العظام«.
لكن الدكتور سنكلير رأى أن تناول الشيكولاتة والمشروبات الغازية مثل البيبسي كولا والكوكاكولا مضر جدا بها، كما ينبغي تجنب أدوية مثل الفولتارين، لأنه يعمل على إبطاء نمو العظم«.
* ما هي الاحتياطات الأخرى التي ينبغي اتخاذها لتوفير الحماية لميلكا؟
ــ ينبغي حمايتها من السقوط لأنه يعرضها لمخاطر جمة نحن في غنى عنها خاصة وأن تلك البراغي تغرز في عظامها وينبغي أن تظل ثابتة في مكانها لمساعدة ميلكا على الشفاء العاجل. كما ينبغي العناية بالنظافة إلى أبعد حد خشية أن تحدث عدوى أو التهابات حول البراغي، ولذلك وصفت لها مضادات حيوية للتقليل من حدة العدوى وهي طريقة من السهل التعامل معها، كما ينبغي العناية بالنظافة يوميا.
* هل يمكن للأسرة تحريك المسامير أو القفص حول ساقها عند مغادرتها إلى أثيوبيا، بتوجيهات منك طبعا؟
ــ ينبغي عدم مس البراغي إلى أن تعود المريضة إلى دبي لاستئناف العلاج.
* هل تعتقدون أن زيادة الوزن قد تؤثر في العلاج، ولذلك ينبغي مراقبة عدم زيادة وزنها؟
ــ مسألة الوزن مهمة بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من مشكلات في الورك أو المفاصل أما بالنسبة لهذه الحالة بالمسألة غير مهمة كثيرا.
* هل هناك أي طبيب ترشحونه لمتابعة علاجها في أثيوبيا؟
- أريد من أسرتها تزويدي بصور أشعة لها كل شهر، وعندما تعود إلى دبي سأقوم بإزالة القفص والبراغي وسيكون ذلك بعد شهرين أو ثلاثة. وبالطبع يلزمها الكثير من النشاط الأيضي والبيولوجي حتى يقوى عودها ويصلب عظمها، وسيساعد ذلك في النمو السريع للعظم.
* هل تعتقد أنها ستصبح طفلة طبيعية مستقبلا وستمارس حياتها بصورة طبيعية دون الاعتماد على أحد أو على عكازين؟
ــ بالطبع، ستصبح طفلة طبيعية مستقبلا. وهي منذ الآن تمشي بشكل طبيعي وآمل جدا أن تتحسن حالتها مع مرور الوقت. وأقول إن ساقيها من الناحية الوظيفية ستصبحان عاديتين كأي إنسان آخر معافى وينبغي أيضا أن تبلغ ساقها الطول المناسبة حتى تتمكن من المشي بصورة متوازنة ودون الحاجة إلى عكازين أو أي شيء آخر تستند إليه. وذلك هو هدفنا من كل ذلك الجهد.
الحقيقة أن الأطباء يلجأون إلى هذه الطريقة في مثل هذه الحالة فيستأصلون العيب الخلقي في الساقين خاصة عندما يكون التشوه كبيرا ويصعب إصلاحه، وفي هذه الحالة يستأصلون التشوه ويضعون للمريض أرجل اصطناعية من الركبة حتى الأسفل، وهكذا فإن بعض الأشخاص يقولون استأصل الساق وضع ركبة اصطناعية ودع المريض يمشي. لعل مثل هذا الإجراء ينجح من الناحية الوظيفية .
ولكن أعتقد أن لدينا وسيلة أو إمكانية أخرى هنا. وحقيقة الأمر ينبغي النظر إلى هذه المسألة من الناحية الاجتماعية، أي أن الفتاة عندما يبتر ساقاها فإن التشوه يزيد ولذلك أفكر دائما بإعطاء المريض فرصة أفضل للسير على قدمين طبيعيتين بدلا من السير باستخدام ساقين اصطناعيتين.
*ما هو شعوركم بعد هذا النجاح الكبير الذي حققتموه؟
ــ أشعر بسعادة طاغية وأرى أن أمامها الكثير الذي ينبغي القيام به حتى تستكمل العلاج وتصبح فتاة طبيعية كباقي الأطفال. ولكن ما أثلج صدري هو أنها بدأت تمشي منتصبة على ساقيها ولم تعد تزحف قط وستتحسن حالتها بصورة مضطردة يوما بعد يوم. وهي نقلة جيدة من الناحية النفسية بالنسبة للطفلة وأسرتها. ولكن ذلك لا يعني أننا سنتوقف عند هذا الحد بل هناك المزيد الذي ينبغي القيام به حتى تصبح طبيعية بصورة كاملة.
فعلينا القيام بعملية تطويل إضافية أيضا حتى تصبح الساقان على سوية واحدة كي تسير دون عرج في المستقبل. ولاشك فإن شخصيتها القوية ستساعدها أيضا على تحقيق ذلك. لقد تغلبت على معاناة كبيرة حتى الآن.
* هل تعاني من أية الآم؟
ــ ليست هناك أية معاناة من أي نوع سوى الحكة التي تشعر بها في مكان تثبيت البراغي. وهذا أمر عادي.
وعن تكلفة العملية قال الدكتور سنكلير إن العملية من بدايتها حتى النهاية تمت مجانا بصورة كاملة وكذلك إقامة أفراد الأسرة على الرغم من أن معظم المشروعات الطبية في دبي غرضها الخدمة الطبية وتوفير الربح الملائم، لكن مع ذلك لا يخلو الأمر من استحقاقات تفرضها دواع إنسانية.
بالنسبة لي فقد قمت بالجهد الجراحي مجانا فضلا عن مجانية المراجعات كلها ويمكن لميلكا أيضا الحضور في أي وقت لمتابعة العلاج بالمجان. لقد استطعنا توفير المتابعة والقيام بالأشعة، وكل هذه الأمور كانت مساهمة من مركز دبي للعظام والمفاصل.
والحقيقة فإن ما جرى هو جهد مشترك شاركت فيه أطراف متعددة وليس مركز دبي للعظام والمفاصل فحسب. لقد قام الأطفال في مدرسة أبنائي بجمع تبرعات لميلكا، وهكذا فقد تضافرت الجهود لتحقيق هذا النجاح الكبير.
وألفت هنا إلى أن العملية لم تكن سهلة على الإطلاق لأن عملية إطالة العظام عملية معقدة تحتاج إلى جهد من الطبيب إلى جانب المريض ذاته. لقد كان العظم ينمو بمعدل سنتيمتر واحد كل شهر أي أننا استطعنا في المرحلة الأولى أن نجعل العظم ينمو 5 سنتيمترات وسنلجأ بعد عامين أو ثلاثة إلى إضافة 5 سنتيمترات أخرى.
لقد كان من الممكن إطالة العظم أكثر من 5 سنتيمترات دفعة واحدة لكن ليست تلك فكرة صائبة في هذه المرحلة ويفضل القيام بها على مرحلتين أو ثلاث مراحل وأحيانا تكون الساق صغيرة جدا ونضطر للقيام بالعملية على مراحل قد تصل إلى ثلاث.
ينبغي على المريضة أيضا أن تكون نشطة حتى يصلب عظمها ويساعد ذلك في سد الثغرة في نمو العظم بسرعة. ونلاحظ، كمثال، أن الطاعنين في السن قد تصاب عظامهم بمرونة وضعف إذا هم لم يمارسوا تدريبات رياضية. ولذلك فإن المزيد من الجهد والعرق والسير تحت الشمس سيفيد في تسريع نمو العظم ولكي يصبح أكثر صلابة، ولذلك فانا أشجع ميلكا على القيام بأنشطة كثيرة كيي يصلب عظمها وينمو سريعا.
*هل اتفقتم على أساليب الاتصال لمتابعة الوضع الصحي لميلكا؟
ــ ليس لدي مانع من أن يتصلوا بي لإبلاغي عن أحدث تطورات حالتها الصحية وما إذا كانت هناك أية مشاكل. كما أنني أنتظر من أسرتها تزويدي بأحدث صور الأشعة كل شهر وعندها يمكننا، في ضوء ذلك، اتخاذ قرار حول عودتها للتخلص من القفص والبراغي.
مستشفى الدوحة ( العين)
في وقت سابق صرح ديفيد برينتي الرئيس التنفيذي لمستشفى الدوحة في العين أن الميزانية الخيرية في المستشفى قامت بالمشاركة في تمويل العملية وإقامة ميلكا وأسرتها في جناح خاص في المستشفى حتى تمكنت من التعافي. وقال »لقد كان وضع ميلكا مؤثرا للغاية، فلم يسبق لها أن مشت على ساقيها.
ولذلك شعرنا أنه لابد أن نجد طريقة ما لعمل أي شيء لمساعدتها، إننا نشكر الهيئة الصحية في أبوظبي لمنحها الدكتور سنكلير إذنا خاصا بعلاجها في المستشفى وإجراء العلمية الجراحية لها، ونشكر على نحو خاص إدارة الجنسية والهجرة في العين لتسهيل دخول أسرتها وإقامتهم في الإمارات. وكان سنكلير قال إن ميلكا حالة استثنائية فقد ولدت دون نمو القصبة الصغرى.
ولكن كيف كانت البداية، وكيف استطعتم الاتصال بمركز دبي للعظام والمفاصل؟
ــ مليون شيفيرو ( خطيب شقيقة ميلكا): بداية حاولنا مع الأطباء في جنوب إفريقيا فأشاروا إلى ضرورة القيام بعملية بتر للعيب الخلقي ومن ثم تركيب ساقين اصطناعيتين من تحت الركبة. خاصة وأن الأطراف الاصطناعية باتت الكترونية
كيف جرى اتصالكم بمركز دبي للعظام والمفاصل؟
عندما قال لنا أحد الأطباء في دبي إن الحل هو البتر لكنه أشار أيضا إلى وجود طبيب ممتاز واسمه مارك سنكلير اختصاصي جراحة العظام أطفال وحضرنا إلى المركز وبدأنا في حملة اتصالات معه وما أثار حماسنا هو قوله »أنا قادر على القيام بعملية التصحيح وستكون ميلكا طبيعية مثل أي طفلة عادية«. عند هذه المرحلة بدأ الأمل يستيقظ في نفوسنا.
محمد نبيل سبرطلي

