يعد مستشفى راشد واحداً من أقدم الصروح الطبية في إمارة دبي، ومن هذا المستشفى خرج أطباء كثر لاستكمال دراساتهم التخصصية في الخارج ليعودوا إلى المستشفى ذاته الذي رعاهم وأسهم في تطوير قدراتهم الطبية، وكلهم يعترفون بأن وراء عودتهم إيماناً عميقاً بضرورة رد الأمانة والإسهام في المسيرة الطبية الكبيرة التي تشهدها إمارة دبي. »الصحة أولاً« التقت الدكتور يونس كاظم استشاري الأوعية الدموية المدير الطبي لمستشفى راشد.

٭ ما هي طبيعة العمل الذي تقومون به في مستشفى راشد؟

- أقوم بتغطية النواحي الإدارية بصفتي الطبيب الإداري والمسؤول عن شؤون الإدارة الطبي. وبات وقتي محدوداً ولا يسمح لي كثيراً بمتابعة أحوال كل المرضى كما في السابق. حيث كنت أقوم بمتابعة حالة 40 مريضاً على الأقل أسبوعياً. وحتى لا أقع بمشكلة التقصير تجاه أي عمل من الاثنين، الإداري والطبي العملي قمت بتنظيم وقتي بشكل مرضٍ، فهناك عمليات جراحية أجريها.

كما أشارك في المناوبات حتى أن اسمي يسجل ضمن قائمة الأطباء المناوبين كأي طبيب آخر في المستشفى، وتتراوح المناوبات ما بين مرة أو مرتين أسبوعياً وأشارك في العمليات سواء كانت محدودة أو كبيرة. كما اتردد على عيادة المراجعين بين فترة وأخرى. ولكنني، في الوقت ذاته، أعترف أن نشاطي كطبيب بات أقل من السابق، وأؤكد أن ثلث دوامي يذهب للمرضى والعمليات الجراحية والثلثين الباقيين من وقت أخصصهما للأعمال الإدارية.

لقد قلت منذ البداية، وقبل خوض غمار العمل الإداري انني سأوازن بين حرفتي كطبيب جراحة أوردة دموية ودوري الآخر كمسؤول إداري في المستشفى.

٭ هل تلقي بعض الضوء على الخطوات الأولى في حياتك الطبية؟

- بداية حكايتي الدراسية مع الطب كانت في العام 1977 حيث بدأت الدراسة في كلية الطب في القاهرة. وبعد 7 سنوات عدت إلى الإمارات حاملاً شهادة البكالوريوس في الطب، وبدأت عملي في مستشفى راشد وبعد ذلك تنقلت بين الأقسام كجزء من التدريب.

وبعد أن أنهيت فترة التدريب استقر بي الحال في قسم الجراحة واستمر ذلك حتى العام 1989، وفي ذاك العام انتقلت إلى ألمانيا لاستكمال دراستي التخصصية في الأوعية.

٭ كيف قررت أن تسلك هذا النهج، ومن كان وراء تشجيعك على القيام بهذا التخصص؟

- بصراحة كنت بداية أعيش حالة من الحيرة، وكنت أنظر إلى الأطباء الذين سبقوني في مجال التخصص فأجد نفسي في حيرة من أمري فأي تخصص هو الأنسب لي ويمكن أن أعشقه تلك فترة أقول عنها انها كانت فترة القلق والتردد لأن اختيارك سيكون مصيرياً، ولكن وقبل كل شيء كانت لدي رغبة جامحة في التخصص في مجال الجراحة، ولكنني كنت أتساءل بيني وبين نفسي أي نوع من الجراحة أحتاج إلى التخصص فيه؟ وقد اقترح عليّ التخصص في مجال جراحة الأوعية الدموية.

٭ هل فكرتم في مواصلة الإقامة في ألمانيا للعمل هناك بعد التخرج؟

- الحقيقة عرض عليّ بعد التخرج في الفترة الأخيرة وقبل مغادرتي إلى الإمارات خيار البقاء والعمل والحصول على الجنسية الألمانية. وبالطبع كانت هناك إغراءات كثيرة خاصة وقد قضيت هناك 7 سنوات.

وأمضيت فترة أطول من الفترة المخصصة للتخرج، لأنني كنت أرغب في الحصول على المزيد من المعرفة الطبية في تخصصي الجراحي. لقد صممت على مضاعفة خبرتي. والحقيقة أن البروفسور كان كلما يسمع عن عملية نادرة تجري في مدينة ألمانية كان يرسلني للمشاركة فيها. وأحياناً كانت يرسلني إلى هامبورغ الواقعة شمالي ألمانيا وتستغرق الرحلة نحو 7 ساعات كما كنت أحيانا أتنقل بالطائرة.

كنت أحرص على مسألة جوهرية وهي عدم مبارحة ألمانيا قبل أن أحقق طموحاتي بالإطلاع على كل ما يتعلق بجراحة الأوعية الدموية. والحقيقة فإن الشيء الذي توفر لي لم أكن تخيله. فقد وفر لي بلدي كل ما كنت أحلم به للتخصص في الجراحة. وشاركت في عمليات معقدة خاصة بأوعية الكبد، وهي عمليات تجرى في مصر بشكل يومي.

لقد كان أستاذي شخصية طبية موهوبة ومرموقة، فعندما كان يرسل طبيباً إلى جراح كبير فإن هذا الأخير لم يكن يسعه سوى القبول به ويشعر أنه ملزم بتدريبه، وهكذا تنقلت بين المستشفيات المختلفة في ألمانيا، وكان عندما يرسلني إلى أي بروفسور في أي مكان في ألمانيا كان الأخير يشعر بأنه ملزم بتعليمي ولا يرفض طلبا لأستاذي.

لقد اكتسبت خبرة ممتازة في أمور كثيرة خاصة بجراحة الأوردة الدموية. والحقيقة الثانية ما كان الألمان يعرضون عليك للعمل معهم لو لا كنت مجتهداً ولديك تفوق وتستطيع خدمة بلادك.

ولمست مقدار الاحترام الكبير الذي يضفيه الألمان على الأجنبي المتدرب في بلدهم خاصة عندما يكون مخلصاً في عمله ولذلك فهم يقدمون له الإغراء بالبقاء والإقامة والعمل معهم واكتساب جنسية بلادهم أيضاً. ونفس الشيء ينسحب على دارسي التخصصات الأخرى من هندسية وغيرها.

لقد جاءني البروفسور قبل مغادرتي إلى الإمارات بوقت قصير وقال لي إذا جاءتك الفرصة وفكرنا نحن في إدارة المستشفى والمسؤولين في حكومة بافاريا أن نحتفظ بك، فهل تفضل البقاء معنا في ميونيخ. وكان ردي صريحاً واضحاً وهو أنني منذ وطأت قدماي ألمانيا كان لدي هدف معين أحب تحقيقه وعندما حققته كان لا بد أن أعيد الأمانة،، أعيدها إلى الوطن، وأنا لو بقيت فإن بلدي سيخسر اختصاصاً هو في أشد الحاجة إليه.

٭ لا شك وكما تقدم أنتم تدربتم على يد بروفسور كبير، فهل تقومون الآن بالدور في تدريب أطباء في المستشفى؟

- الحقيقة أقتفي أثر أستاذي في ميونيخ وأترسم خطاه، وكان معلمي يتصرف فأنا لا أوجه أية عبارات غير مستحبة أو فيها تجريح أو لوم إلى الأطباء المتدربين تحت إشرافي. فأستاذي ومدربي كان يريني صورة أشعة ويقول ما رأيك وعندما ندخل إلى غرفة العمليات كان يسألني ماذا ستفعل الآن فأكتشف أن ما أراه في الداخل صورة مختلفة عن صورة الأشعة.

عندئذ أقول للبروفسور يا حضرة البروفسور أنوي القيام بكذا بدلاً من تلك الخطوة فيقول هذا ما كنت أرغب في سماعه منك، يعني يسمح لك بمراجعة نفسك وأنت الذي تكتشف ما ينبغي القيام به على الطبيعة دون تعريض حياة المريض لأي نوع من المخاطر.

وتبعاً لذلك أدخل على الأطباء عند وأعرض عليهم صورة الأشعة وأقول ما رأيكم؟ وعند ذلك أسمع وجهات نظر الأطباء، وعندما أسمع وجهة نظر قريبة للصح أدخل الطبيب إلى غرفة العمليات. ندخل سويا وأعرض على الطبيب كي يرى بعينه. وبناء على هذه التجربة نرفض أحياناً إجراء عملية لبعض المرضى. ونقول بعد التشاور والتعرف جيداً على الحالة أنها لا تستحق إجراء عملية.

ويحدث ذلك في حالات مؤسفة يكون فيها مريض السكري وصل لمرحلة لا ينفع معها سوى بتر الأطراف. والبعض يرفض ويصر على السفر إلى الخارج وتجرى لهم عمليات تعرض حياتهم للخطر وهي عمليات تزيدهم عذاباً وهم في غنى عنها. ويرجع هؤلاء إلي وتكون النتيجة البتر. فأقول لهم ألم أقل لكم منذ البداية ولم تسمعوا كلامي، كنا وفرنا عليكم كل ذلك العذاب؟

وبطبيعة الأحوال عندما أنصح المريض لن يكون وراء ذلك مطمع مادي بل هدفي كله إنقاذ المريض. والحقيقة فإن التدريب يجري لدينا على قدم وساق ونسعى لبروز أطباء أكفاء في مجال جراحة الأوعية الدموية، فقد أكون مجازاً أو ربما نقلت إلى مكان آخر. وأنا متأكد الآن أنني لو غبت لسبب ما هناك أطباء جراحون يمكن أن يقوم بكل واجباتهم الطبية على خير ما يرام كما لو أنني كنت موجوداً.

والشيء الآخر لدينا بروتوكول في مستشفى راشد وهو توحيد المفاهيم واللغة الطبية بين كل الأطباء الموجودين لدينا. فمثلاً لدينا أطباء درسوا في دول مختلفة وهم من جنسيات مختلفة. لدينا أطباء ألمان وطبيب بولندي وآخر روماني وكلهم غير مواطنين. وليس لدي من بين هؤلاء سوى طبيب مواطنة واحدة تدعى دينا، وهي طبيبة واعدة في هذا التخصص إن شاء الله. تلك التخصصات القادمة من بلدان مختلفة نجحنا في توحيدهم في مدرسة واحدة.

٭ هل فكرتم في إنشاء مركز أبحاث للأوعية الدموية، خاصة وأن التجارب مستمرة لاستنبات أوعية دموية حتى من جسم المريض نفسه؟

- الحقيقة فإننا هنا في المراحل الأولى والأساسية وهي التأسيس لكادر متخصص في جراحة الأوعية الدموية. ومهمتنا الأولى الآن القيام بعملية التوعية الجماهيرية وتعزيز الكادر المتخصص وبعد هذه المرحلة سنقوم بتأسيس مركز للأبحاث متخصص في تطوير دراسات خاصة بالأوعية الدموية.

٭ ما رأيكم في بعض الأطباء الذين يجذبهم التخصص الذي يدر عليهم الأموال بسرعة، دون قناعة بأهمية ذاك التخصص؟

- هذا الكلام صحيح فهناك فئة من الأطباء ينضوون تحت هذه الفكرة أو المقولة. فالبعض يقول سأتخصص في جراحة التجميل، وهناك من يقول سأتخصص في الأمراض الجلدية وآخرون في طب الأسنان. ولكن ننصح ألا يغير طبيب رأيه في تخصص كان معجباً به لأن التخصص الآخر أكثر إدراراً للأموال.

فأنا على سبيل المثال استعرضت بداية كل التخصصات الطبية وبعد ذلك توجهت بدلاً من الباطنية إلى التخصص في الجراحة العامة ومن ثم في جراحة الأوعية الدموية. وظهرت الرغبة وتعمقت لدي بعد أن انغمست تماماً في التخصص. ولكن هناك دلائل تحفز الشخص على اتخاذ هذا المسلك أو ذاك.

ولا أخفي أن بعض الأطباء ينظرون إلى تخصص ما من الناحية الربحية لوجود تصور لديهم بأنهم بذلك التخصص يمكنهم فتح عيادة أو حتى مستشفى لجني الأرباح من ورائه. ومثل هؤلاء منذ اختيارهم لمهنة الطب عقدوا العزم على الاستفادة من هذه المهنة لجني أرباح مالية.

وهي مسألة تتوقف على طبيعة عقلية وقناعة الإنسان. وواقع الأمر فإنني أنظر إلى مهنة الطب كأمانة، قبل أي شيء آخر. الحقيقة أنني كنت أنظر إلى مهنة الطب باعتباره وسيلة لإنقاذ مريض ونيل الرضا من الله دون ربط ما أقوم به بأي قيمة مالية. بل أن فرحتي هي إنقاذ مريض وكسب رضا الله. ولذلك لم أفكر في التأسيس لعيادة خاصة أو لمستشفى خاص بي.

ما رأيكم بالنظرة المادية التي بات بعض الأطباء ينظرون من خلالها إلى المريض، البعض يقيم مريضه كم يساوي هذا المريض أي ما هو المردود المادي من ورائه، وذلك قبل اتخاذ أية خطوة لعلاجه؟

- الحق أقول ان بعض المرضى قد لا يحتاجون لعملية ولكن لأغراض مادية يجدون أنفسهم تحت مبضع الطبيب الجراح. وقد يقنع هذا الطبيب المريض، الذي لا حول ولا قوة له إلا إطاعة الطبيب، بأنه بحاجة لعملية جراحية، وقد لا تكون تلك العملية ضرورية بالكامل.

مع الأسف الشديد فإن هذا المسلك الجديد نراه عند البعض. وهذا هو الوجه القبيح الآخر للطب، الذي بدأنا نراه اليوم. إنني عادة لا أتكلم عن هذا الموضوع، ولكنني عندما أتكلم عنه أشعر بمرارة شديدة. أتكلم عنه وأنا مجروح لأن الشخص الذي يأتي إلى الطبيب يعطيه كل أسراره ويأتمنه على حياته بعد أن يكون وضع كل ثقته بذلك الطبيب. وما ينبغي أن يكون هو أن آخر شيء يمكن أن يفكر فيه الطبيب هو الناحية المادية.

ما هذا النوع من الأطباء، هل أصبح الطبيب مجرد آلة حاسبة والمريض مجرد رقم في حساباته مستفيداً من معاناة ذاك الإنسان المسكين الذي يعاني المرض وجاء إليه بغرض الحصول على الشفاء. وبدلاً من منحه الشفاء يقوم هذا النوع من الأطباء بعملية عصر جيوب المريض إلى أقصى مدى، يعني لا يخرج من عيادته حتى يضع اللي فوقه وتحته.

هل هذا يعد أداء لشرف المهنة أم خيانة لها؟ بصراحة هذه قضية تؤلمني جداً وأجد صعوبة في الحديث عنها، وهي قائمة بلا شك. هل أفرض على مريض فحوصات أو عمليات ليس بحاجة لها البتة، وكل ذلك لأغراض الكسب المادي؟ ولكن لو قمنا بمحاججة الطبيب حول تصرفه للجأ إلى مصادر طبية تكاد تكون موثوقة، لكن لا تحظى بالأولوية تجاه أي إجراء قام به الطبيب المادي. وعلى سبيل المثال ليس كل شخص يعاني من ألم في صدره يحتاج إلى قسطرة.

أولاً ينبغي أن يطلب من المريض القيام بعمل تحاليل مخبرية ولازم أجري له فحوصات بالموجات فوق الصوتية وتخطيطا للقلب وبعدين أشوف إذا كان من الضروري إجراء القسطرة له. أي أن القسطرة تأتي في المرحلة الأخيرة. أما أن أفرض على المريض إجراء قسطرة من أول نظرة فهذا خطأ كبير. لقد أصبح بعض الأطباء يفرضون على المريض القسطرة دون التمهل وإجراء فحوصات أولية لمعرفة ما إذا كان المريض بحاجة لقسطرة أما لا.

والحقيقة فإن الحسابات تتدخل هنا لأن القسطرة تترجم إلى أموال، ولأنها تساوي المبلغ الفلاني. والمأساة هي إذا صارت العملية الجراحية عملية ربحية فإن الطبيب لا بد أنه سينحرف عن المهمة الرئيسة التي عرف بها الأطباء منذ الأذل، وهي إنقاذ حياة الناس. الشيء المؤسف أن المريض يأتي لمثل هؤلاء الأطباء فيثق بهم، وهم في تلك اللحظات يحسبونه بالأرقام الربحية ولا يكترثون كثيراً بمعاناة المريض.

قد يقول المريض صدري يؤلمني وكذلك رأسي، وهنا يتساقط الشعر على ذراعي، ويبتهج الطبيب لأن في كل خطوة مع المرض إضافة مصاريف جديدة على الفاتورة.

الحقيقة أنني أسمع وأرى مثل هذه الحوادث المؤسفة. وقد سبق لي أن شاركت في لجنة تحقيق درست ملفات معينة.

فإذا كان طبيب متخصص في مجال معين فلماذا يحشر أنفه في مجال آخر؟ فالطبيب المتخصص في المسالك البولية، كيف يمكنه إجراء عملية الحوصلة المرارية. الذي يجري مثل هذه العمليات هو طبيب الجراحة العامة. صحيح أن المريض يأتي إليك كي تشفيه والمريض يصدق كل كلمة تقولها له، وأعني بذلك الطبيب الذي أجرى للمريض عملية المرارة.

هذه أمور يفترض أنها غير موجودة. أنا لا أقول لهذا الطبيب انك عاجز عن القيام بمثل هذه العمليات، أنا أقول قبل إجراء تلك العملية سل نفسك أمام الله هل يمكنك أداء مثل تلك العملية بكفاءة. الحقيقة ينبغي على الطبيب القيام بشيء لإرضاء رب العالمين.

وأطرح سؤالي على بعض هؤلاء الأطباء، هل كانت حالة المريض تستدعي تلك العملية؟

البعض الآخر من الأطباء المنتفعين لا يدخل غرفة العملية قبل أن يملأ قائمة الفاتورة بمجموعة من أطباء الاختصاصات المختلفة حتى تثقل الفاتورة ويرتفع الحساب، فيوضع على حساب المريض طبيب أوعية دموية وطبيب العظام ليس بحاجة له. ومثل هؤلاء يقومون باستدعاء أطباء لغرفة العملية للمشاركة في الجراحة، ولكن ليست هناك حاجة لهم.

ولكن يمكن أحياناً أن نقوم باستدعاء طبيب متخصص أثناء علمية جراحية، ونحن في غرفة العملية قد نضطر إلى استدعاء ذلك الطبيب ولأسباب ضرورية جداً.

في مستشفى راشد نتميز عن باقي المستشفيات، فأي تخصص نحتاج إليه أثناء العملية الجراحية نستطيع إحضاره فإذا كنت بحاجة لطبيبة متخصص بأمراض النساء يمكن استدعاؤها على الفور وكذلك بالنسبة لأية تخصصات أخرى. ونحن لا نقوم بذلك فعلاً ما لم تكن حالة المريض تستدعي ذلك.

والواقع إذا كان الطبيب على دراية يمكنه أن ينجز الجراحة بنفسه ولكن يمكن أن يتخذ من المريض مصدراً مالياً فيأتي عند ذلك بطبيب العيون وطبيب الجلدية وأي طبيب آخر طالما أن المريض المسكين هو الذي سيتكفل بدفع الفاتورة الطويلة.

٭ كيف تتم إدارة علاقتكم برؤساء الأقسام؟

_ الحقيقة أن الإجابة عن هذه المسألة مهمة وحساسة للغاية.علاقتي قائمة على الاحترام المتبادل. لدي سلطات تخولني بفرض أي شيء أريده على الآخرين، ولكن لا يمكن استغلال مثل هذه السلطة بصورة سلبية، لأنني موجود اليوم وغداً قد أنقل لمكان آخر.

فبالنسبة لي أرى أن رئيس القسم الطبيب هو مدير قائم بذاته في قسمه وقد يؤدي إبعاد الضغوطات عنه إلى إبداعه وتفانيه أكثر في عمله. كما أن الثقة برئيس القسم يمنحه ثقة بذاته وبذلك يعتبر نفسه أيضاً أنه جزء جوهري من نسيج المستشفى. وبالطبع لا أفضل أن أوجه له أن أفعل كذا وكذا بل أرى أنه يعي ما ينبغي عليه القيام به ويستطيع إدارة قسمه بكفاءة لا تحتاج إلى تدخل آخرين.

إن مفهوم اللامركزية يكرس شعور رؤساء الأقسام بأن لديهم كل الصلاحية للتصرف في إدارته كما تقتضي الحاجة. وترى أن مثل هذه السياسة التي أتبعها في المستشفى إيجابية وتنعكس على العلاقة بين جميع أفراد طاقم المستشفى فهم يشعرون أنهم ينتمون إلى أسرة واحدة، وهو ما يدفع كل واحد في هذه الأسرة القيام بأداء واجباته بكل إخلاص.

٭ هل لديكم بعض التجارب الخاصة التي مررتم بها في حياتكم المهنية تودون الحديث عنها؟

- لن أنسى ما حييت قصة ذلك الشاب الذي أحضر وقد احترق جسمه بنسبة 90% وكان في حالة غيبوبة كاملة، ولم تكن الشرطة قد كشفت بعد الجاني. وبعد 3 أو أربعة أيام من التحقيقات استيقظ الضحية فجأة وتم الاتصال بالشرطة الذين أحضروا عددا من المشتبه بهم عرضوا أمامه.

وأشار إلى أحدهم وبعد خمس دقائق فاضت روحه ولم يكن ذاك الشاب الجاني سوى ابن عم الضحية الذي سكب البنزين على الضحية وأشعل فيه النار. واعترف الجاني بجريمته. وهي حادثة تبقى عالقة في ذهني إلى الأبد، لقد استيقظ الضحية حتى يكشف عن الجاني وبعدها لفظ أنفاسه.

أما الحادث الآخر الذي لن أنساه فهو أب فقد زوجته بعد ولادتها لطفل كان بحاجة لعملية جراحية معقدة وقد توفي الطفل هو أيضا.

ولم يشأ الوالد أن يتكلم سوى قول الحمد لله. وكان طوال الوقت يقوم بالتسبيح ويقول الحمد لله على كل حال. وبعد أن أبلغ بوفاة طفله رأيت وجهه كالبدر المنير، فلم يكن يلفظ سوى عبارة الحمد لله. لكن لنرى الآن ماذا يفعل ذوو أحد المتوفين، إنهم يقطعون شعورهم ويلطمون وأحياناً والعياذ بالله يلعنون القدر لأنه خطف ابنهم منهم وشتان ما بين الإنسان المؤمن والآخر الذي يعيش على حرف أو على شعبة من النفاق.

موقف!

أثارت ضحكي هذه القصة أثناء التدرب في ألمانيا. كنت في أحد الأيام طبيباً مناوباً برفقة طبيب آخر ألماني وتم تحويل شخص شبه مخدر إلينا لعلاج خلع في كتفه، ولكن الطبيب الذي قام بتحويل المريض لم يقل أي كتف بحاجة للعلاج كما أن المريض كان مخدراً ولا يستطيع الكلام أي إرشادنا إلى منطقة الخلع.

وبدأت مع زميلي الطبيب نشد كتف المريض وهو يشير بعينيه إلى الجانب الآخر أي الكتف الآخر، وبعد أن شعرنا أننا حققنا انتصاراً في إعادة الكتف إلى مكانه وهنأنا بعضنا تبين أنه الكتف السليم وغرقنا في نوبة من الضحك، بالطبع استطعنا بعدها علاج الكتف الأخرى، لكن الموقف كان مليئاً بالطرافة.

٭ كيف تستطيعون تنظيم وقتكم ما بين العمل والأسرة؟

- أحاول قدر الإمكان الانتهاء من عملي في المستشفى مبكراً وعندما لا أستطيع الانتهاء من عملي على الكمبيوتر المحمول في الوقت المناسب، وتكون هناك قرارات وإجراءات حاسمة لا بد من تدوينها آخر الكمبيوتر معي إلى البيت حيث أنهي كل واجباتي. وخلال علاقتي بأهلي أحاول أن أوازن بين علاقتي بأسرتي ووالدي، فأنا يومياً لا بد أن أقوم بزيارة والدي. والفترة ما بين السادسة والحادية عشرة قبل منتصف الليل محجوزة بالكامل للأسرة، وخاصة الوالدين.

حالات إنسانية

خلال جولاتي على المرضى رأيت سيدة عجوز ملقاة في سريرها، فقلت لماذا هي في المستشفى ولا تعاني من أي مرض حسب التقارير، قالوا ان ابنها جاء بها إلى هنا وقال إذا لم تجدوا لها مكاناً فاقذفوا بها إلى الشارع. شعرت في تلك اللحظات بمرارة شديدة وصدمت أن يخرج كل ذلك من ذاك الابن العاق. وعلمت أن السبب هو أن الابن يريد هو وزوجته وأولادهما قضاء الإجازة الصيفية في الخارج وأن الأم كانت العائق.

والحقيقة لقد صادفت الكثير من هذه الحالات. فالأهل مسافرون إلى الخارج في الإجازة الصيفية ويأخذون معهم البشكار أو الخادم الهندي ونظراً لأن الأب والأم يشكلان عائقاً للسفر فيأتون بهما إلى مستشفى راشد حيث يتمكنون من تركهما تحت أية حجة. الحقيقة فأنا لا أستطيع تناول لقمة إذا علمت أن والديّ لا يأكلان، والمؤسف لمست أن عقوق الوالدين ظاهرة إلى زيادة.

لكن بالمقابل هناك حوادث مضيئة تبعث على التفاؤل. فكنت في إحدى المناوبات أرى شابا يجلس إلى جوار والده المشلول وغير القادر على تناول الطعام بيده، فيقوم ذاك الشاب بوضع اللقيمات في فمه حتى يشبع الأب وينظف الابن فم أبيه ويوسده. مثل هذا الابن أضرب له تعظيم سلام بفضل مدى الاحترام والإخلاص في التعامل مع والده.

محمد نبيل سبرطلي