تعتبر الغدة الدرقية من أهم الغدد الموجودة في الجسم ويمكن تشبيهها بمحطة لتوليد الطاقة في الجسم البشري، توجد في الجهة الأمامية من الرقبة، وتعمل أساساً على إفراز الهرمونات التي تتحكم في عمليات الاستقلاب الخلوي، وبالتالي فعند حدوث أي اضطراب في وظيفة الغدة الدرقية يحدث- نتيجة لذلك- خلل في جميع وظائف الجسم.
فما هي الاضطرابات التي تصيب هذه الغدة وما هي تأثيراتها على جسم الإنسان وكيف يتم علاجها، وما هي المعاناة التي يشعر بها المصاب ؟
للإجابة عن هذه التساؤلات كان ل(الصحة أولاً) هذا التحقيق:
معاناة
البداية كانت مع علي مبارك الذي يعاني من مرض تضخم الغدة الدرقية، حيث حدثنا عن رحلته مع هذا المرض قائلاً: لقد تم تشخيص أصابتي بتضخم الدرقية منذ 4 سنوات، حيث ظهرت رجفة شديدة باليدين، وقد اعتقدت حينها أنني أعاني من مرض في الأعصاب، لكن الذي زاد خوفي، هو ظهور جحوظ في عيني، عندما حدث معي ذلك، لجأت لأحد الأطباء وكان متخصصا بالأعصاب.
وقد سألني عن كل الأعراض التي تحدث معي والتي لم أكن أعلم بأنها تخص هذا المرض وهو الغدة الدرقية، والتي علمت بعد ذلك أن ما أعاني منه من أعراضها الظاهرة، وكان الطبيب الذي لجأت إليه قد شك بالغدة، ولكنه فضل أن يشخص قبل أخذ القرار وطلب مني عمل فحص للدم وبعض التحاليل المخبرية الأخرى.
وكانت نتائج التحاليل هي زيادة إفراز التيروكسين، والذي كان في بداية الأمر مرتفعاً جداً، حتى أنني بدأت بالعلاج بكمية دواء عالية، بحيث كنت أتناول من 5- 6 حبات من نيوميركيزول وقد تدرجت في العلاج حتى وصل العدد الآن لحبة واحدة يوميا، ومعظم أعراض المرض بدأت تتلاشى. فالرجفة خفت وكذلك خفقان القلب الزائد وغيره ولكن الجحوظ في العينين هو الذي لم يخف لغاية الآن، ولم يحدد الطبيب أي سبب معين للمرض ولكنه عزاها لزيادة الضغط النفسي والإرهاق في العمل.
وقد كان للأدوية التي استخدمتها بعض المضاعفات الخفيفة مثل الحساسية في أجزاء مختلفة من جسمي على شكل بثور، وتم تغيير الدواء، وفي إحدى فترات العلاج قام الأطباء بإيقاف العلاج ولم يحدث أي تحسن، بل تراجع وضعي وقاموا بوصف دواء الـ التيروكسين على أساس عمل زيادة في الهرمونات، حيث أصبحت أعاني من انخفاض في نسبتها، وبعد تعدل الوضع عدت مرة أخرى لدواء الـ نيوميركزول، والآن أقوم بشكل دوري بعمل تحليل للدم.
ومازلت مستمراً على تناول حبة دواء كل يوم، وقد سألت طبيبي المعالج عما إذا كانت هنالك طريقة لحل هذه المشكلة المرضية، فأخبرني أن هناك معالجة كيميائية، وفي الوقت الحالي أوقفت الدواء بناء على طلبه وذلك لمعرفة مضاعفات وقف الدواء وتقييم الحالة، وأنا الآن خلال فترة إيقاف العلاج وسيتم تشخيص الحالة بعد أشهر، وقد أخبرني الطبيب أنه لا حل نهائياً لمثل حالتي، ولكن العلاج الكيميائي سيساعد على ثبات نمو الغدة وإبقائها على حجمها الحالي، ولكن سأبقى أتناول الدواء حيث سيرافقني مدى الحياة.
التشخيص والعلاج
ولمعرفة كيفية التعامل مع تضخم الغدة الدرقية التقت (الصحة أولاً) د. محمد العاني اختصاصي جراحة عامة وجراحة الصدر والأوعية الدموية والذي حدثنا عن الغدة الدرقية ومشكلاتها قائلا:
إن تضخم الغدة الدرقية من الأمراض الشائعة في الكثير من دول العالم والموجودة منذ قديم الزمان، والنساء هن الأكثر عرضة للإصابة بها من الرجال، ولتضخم الغدة الدرقية أسباب عدة سواء العائلية والتي تتعلق بالأنزيمات أو جغرافية تتعلق بوجود اليود في مياه الشرب، ونقص اليود أحد الأسباب المهمة في تضخم الغدة الدرقية، وهناك أسباب أخرى مثل التعرض لإشعاع معين أو غيره، وأنواع تضخم الغدة الدرقية متعددة .
حيث هناك أنواع حميدة مجرد أن حجم الغدة يكبر أكثر من الطبيعي وهذا لا يحتاج لتدخل جراحي خاصة إذا كان بسيطا ومتجانسا،أما التدخل الجراحي فيتم إذا كان حجم التضخم كبيرا جداً، أو إذا كان التضخم متزايدا، وفي هذه الحالة يعطى المريض بداية علاج للهرمونات وهو هرمون التيروكسين .
ي بعض الأحيان يعطى آيودين إذا كان هناك نقص في اليود، وذلك للمساعدة على تصغير حجم التضخم في الغدة. أما بالنسبة للعلاج الجراحي للتضخم البسيط وغير السام، فيعتمد عادة على حالات يكون الحجم فيها كبيراً جداً والمنظر مشوهاً للرقبة، وإذا كانت هناك حالات اختناق وخاصة أثناء النوم وأثناء البلع، وأيضا إذا كان هناك امتداد للغدة الدرقية، فإن هذه الحالات تكون أحد أسباب ودواعي التدخل الجراحي.
وهناك أيضاً التضخم السام والذي إما يكون كاملاً أو وجود عقدة معينة سامة، وهذه الحالة تكون أسبابها عادة زيادة في الإفرازات وشكوى المريض منها يكون بسبب زيادة الهرمون والذي يؤدي إلى ارتجاف وزيادة في التعرق وزيادة في نبضات القلب ورطوبة البشرة والجلد واحمرار الجلد ويؤثر أيضاً على الشهية، ما يؤدي لنزول الوزن وقلة النوم، كل ذلك يحدث نتيجة زيادة الهرمون، والعلاج في هذه الحالة يمكن أن يكون في ثلاثة أشياء.
أما العلاج الطبي أي إعطاء مواد تقلل أو تعادل أو تحد من تكون الهرمونات وهي مواد معروفة يستمر عليها المريض لأشهر أو لسنة، ويحتاج خلال ذلك لمتابعة مستمرة لكي تبقى الحالة تحت السيطرة، والعلاج الثاني هو إشعاعي باستخدام المواد المشعة نقوم بقتل الخلايا الدرقية. فبإعطاء جرعة مشعة من اليود تقتل الغدة الدرقية وتعطي مفعولاً أسرع، لكن لها محاذير، فتأثيره يبقى لسنوات طويلة وخاصة عند النساء .
حيث لا نستطيع إعطاءها هذا النوع، وذلك لأنها لو أنجبت بعد سنين عدة، فإن هذا الإشعاع قد يؤثر على الجنين مؤدياً لحدوث تشوهات حلقية عنده، لذلك تعطى عادة هذه المواد في حال تكرار وفشل العلاج الجراحي والطبي، والعلاج الثالث هو الرفع الجراحي، ويجرى إذا كانت الغدة بكاملها سامة، حيث يتم رفع جزء كبير منها ونبقي جزءاً بسيطاً يفي بالحاجة اليومية للجسم، أما إذا كانت السمية في موقع أو عقدة معينة يتم رفع تلك العقدة.
ومن أكثر الأعراض الظاهرة على مريض الغدة وخاصة في حالة زيادة الإفرازات الغدية، يكون هناك عادة جحوظ في العين بالإضافة إلى تسارع في دقات القلب والنبض، فقدان للوزن مع بقاء الشهية كما هي، ارتعاش في الأطراف تعرق ورطوبة الجلد، ويعني أيضاً من سهولة الانفعال وزيادة القلق والتوتر وقلة النوم، هذه الأعراض المصاحبة لزيادة إفرازات الغدة الدرقية، أما بالنسبة لتطورات تضخم الغدة واحتمالية موت الشخص المصاب بسببها، فالغدة غير السامة لا تفضي أبداً للوفاة، أما السامة إذا لم تتابع، فقد تؤدي لعجز القلب ومضاعفات قد تفضي للوفاة في بعض الأحيان.
إذن فالمراجعة والمتابعة ضروريتان لمرضى الغدة، وفي المناطق التي يقل بها اليود ينصح بإكثار تناول المواد المالحة والخبز، لتعويض نقص اليود وتناول المأكولات البحرية والحليب، فكلها تعوض النقص، وبخصوص التدخين والكحوليات فليس لها تأثير مباشر على الغدة الدرقية.
كرم أحمد
