اليأس من الأمراض النفسية الكثيرة. يسبب لصاحبه الانطواء والانزواء والابتعاد عن الآخرين يكتنفه خوف وقلق وضجر. ويتركه ليعيش على هامش الحياة في تعاسة وشقاء عظيمين ويلفه قلق متشح بالسواد. يتصور الهلاك أمام عينيه ويلفه الحزن ويخشى الفاجعة التي يتصورها ستصب حممها على رأسه في كل حين ويجعله يعاني من تدهور نفسي خطير.
الكثير منا يصاب به، ولكن بدرجات متفاوتة، حيث يستطيع بعضنا تجاوزه مع تحسن الأوضاع سواء المادية أو الاجتماعية، إلا أن البعض الآخر يصاب به بشكل مرضي وقد يصبح مزمناً إذا لم يتم التدخل الطبي في الوقت المناسب. ولكي نتعرف على ماهية هذا المرض ونرى بعض الحالات التي عانت من اليأس كان لـ »الصحة أولاً« هذا التحقيق:
فشل
»لقد مررت بمرحلة يأس شديد جراء فشلي المتكرر« هذا ما بدأبه حسام علي كلامه عن تجربته مع اليأس وتابع: لقد أثر فشلي الدراسي المتكرر على نفسيتي وأدخلني بمرحلة من اليأس عزلتني عن كل من حولي بحيث بت أشعر أنني أخشى الاختلاط بهم خوفا من النقد، وقد دفعني هذا الشعور لكره نفسي وفقدان ثقتي بها بشكل كبير ولم أعد خلال تلك الفترة أبالي بأي شيء وابتعدت عن المدرسة لفترة حتى تم فصلي منها نهائيا. ولكني بعد فترة من الوقت اختلطت بسوق العمل وبدأت أسترجع ثقتي بنفسي من خلال ممارستي للعمل الذي وجدت نفسي به وأحببته وأبدعت به.
تقدم العمر
صباح محمد مر بمرحلة من اليأس نتيجة تقدمه بالعمر وعدم زواجه وقد حدثنا عنها قائلا: بعد أن أتممت سن الخامسة والثلاثين بدأت أشعر بأن قطار الزواج قد فاتني وخصوصا بعد تقدمي لخطبة عدة فتيات ورفضهن لي بسبب فارق العمر بيني وبينهن.
ومما زاد من حالتي سوءا رؤية أصدقائي المقربين وقد تزوجوا وأصبح لديهم أطفال فقد أصبحت عند زيارتهم لي أشعر بالنقص الذي زاد من الضغط النفسي علي لدرجة أنني أصبحت أتحاشى رؤيتهم والاختلاط بهم وأصبحت أدور في فلكي الخاص بي مؤنباً نفسي على ما وصلت إليه مع أنه خارج عن إرادتي فعدم مقدرتي المادية هي التي دفعتني للتأخر عن الزواج.
تخطي اليأس
وعن اليأس وتأثيراته النفسية وكيفية تخطيه حدثنا د. محمد سامح اختصاصي الأمراض النفسية قائلا: اليأس قد ينتج بسبب عدم حصول الشخص على النتيجة المطلوبة بعد بذل جهد معين، ما يؤدي لضغوطات نفسية والتي غالبا ما تؤدي لفقدان ثقة الشخص بنفسه، وتجعله يبدأ بمراجعة مراحل حياته التي مرت، ولو كان الإنسان سوياً من الناحية النفسية يستطيع تجاوز اليأس بطرق عدة، ومنها بذل مجهود أكثر وتحسين الأداء أو القيام بتحديد قدراته وملكاته والعمل على ذلك ليحصل على النجاح، ولو شعر أن الهدف أكبر من قدراته فيجب أن يسعى لتحقيق ما هو أبسط وصولا لما يريد.
بالإضافة لذلك، فإن الشخص الذي يصاب باليأس يدخل عادة في حالة من العزلة، حيث يقل تفاعله الاجتماعي لاعتقاده أن كل من حوله ينظرون إليه نظرة دونية،لذلك ينغلق على نفسه وقد يدخل في حالة اكتئاب شديدة وتنتابه أفكار سوداوية، وفي هذه المرحلة يكون الشخص بأمس الحاجة لمساندة ودعم من حوله، سواء العائلة أو الأصدقاء.
فهو بحاجة لتضميد الجراح. فالدعم الأسري مهم جدا وذلك بإيجاد المبررات، بدل المحاسبة والصبر عليه فهو بحاجة لفترة طويلة كي يتعافى مما هو فيه، وكثير من الأشخاص الذين يصابون باليأس في حياتهم تتغير شخصياتهم بشكل كامل، وقد تتغير حياتهم أيضا، حيث تكون مرحلة اليأس التي مروا بها دافعاً لهم وبداية لتحقيق نجاحات وأحلام وطموحات جديدة تراءت لهم بعد فترة المعاناة التي تعرضوا لها، لذلك فإن الإنسان السوي نفسيا يسهل عليه تخطي تلك الحالة. أما من يعاني من اضطرابات وضعف في الشخصية فهو بحاجة لدعم ومساندة لاجتياز تلك المرحلة والبدء من جديد.
أسباب أخرى
يشخص أطباء النفس أسباب اليأس لوجود خلفيات مقيتة في حياة المريض ومنها:
- المعاملة بقسوة.
- إرهاق الطفل بالقصص المرعبة.(وكم تخطيء الأم التي تنذر طفلها بالعنقاء والغول والوحش وغيرها? عندما يخطئ أو يتصرف بما لا يرضيها).
- غرس الخوف في نفسه وانتزاع الشجاعة من قلبه.
- تعرضه لموقف ما يجعله قانتا يائسا من حياته.
- خشيته من متاعب وهمية أو حقيقية.
وخلاصة القول إن اليأس مرض نفسي يدفع صاحبه لضيق الصدر بالحياة واشتهاء الموت وتصور كل ما حوله بمنظار أسود قاتم يبدل المشاهد. وهذا الداء النفسي يحرم المريض هدوء باله ورغد عيشه ويطوح به إحساس ينتابه فيحرقه وميض نفسه وينغص عيشه.
ولا يفارقه هذا الإحساس ويجسم لديه شعوراً يبعث به الخوف فتتألم نفسه ويجفوه النوم. هذا الشعور يتسرب إلى الخلايا والجهاز العصبي فيحيق بهما ليتحول إلى شعور بالوهن فيقل تبعاً لذلك الإحساس بالذات والوجود وربما يدفع ذلك بالمريض إلى محاولة الانتحار أو التفكير به.
كرم أحمد
