يتحدث الناس كثيراً في منتدياتهم وأماكن عملهم ومنازلهم عن التفكك الاجتماعي الذي أصاب المجتمع، ويوماً بعد يوم ترى وتسمع من القصص والحوادث والحالات النفسية ما يبرهن ذلك، ولا نشك لحظة واحدة في أن هنالك عوامل ومؤثرات كثيرة أدت إلى ذلك.

حول التفكك الاجتماعي يقول الدكتور تاج الدين سليمان اختصاصي الطب النفسي: لقد بات لخلل والتفكك ينخران في عظم هذه الأمة وجذورها، ولعلك يا أخي تلاحظ أثر هذا التفكك وقد تدلي برأيك من جانب واحد، فواحد يلوم نفسه والآخر يلوم الأسرة ككل، وبعضهم يلوم تحول الأمة عن التربية الإسلامية الصحيحة، عضهم يلوم العولمة واللهث والجري وراء المادية، وآخرون يتكلمون عن التقدم الحضاري في العالم الغربي وأثره على البلاد الإسلامية.

وإن دققت النظر فستجد أن كل هذه العوامل متداخلة بعضها مع بعض، فلا بد من التحول والتقدم ومواكبة ركب الحضارة والمادية. والدراسات النفسية والاجتماعية أثبتت منذ عصور قديمة أن التحول شيء حتمي لا بد منه، ولكن يجب أن يكون حثيثًا ثابت الخطى ويأخذ وقتاً طويلاً عشرات السنوات لا شهور أو أيام.

ويجب أيضا أن تتأكد أن الخطوة القادمة ثابتة والماضية صلبة، وذلك خشية الانزلاق وفقدان التوازن (وهذا ما نشاهده الآن)، وأيضا إعطاء الفرصة خط رجعة إذا فقدت ذلك التوازن، والرجوع إلى الخطوة الماضية الصلبة لتعطيك بعدا جديدا للتقدم مرة أخرى إلى الأمام.

وإذا تمعنت النظر جيدًا في آثار ذلك التفكك تجد عدم الاستقرار الأسري، كثرة حالات الطلاق والانفصال وتباعد أعضاء المجتمع بعضهم عن بعض وكثرة الحسد والأحقاد حتى في الأسرة الواحدة، كما أن الانعزالية والأنانية أصبحتا نمطا سلوكيا ملاحظا في المجتمعات التي لهثت وراء المادية، فترى في تلك المجتمعات آثار الفقر والحاجة والجهل والإهمال، وهو ما أدى إلى تفشي كل الأمراض الاجتماعية أيا كان نوعها، والأمراض العضوية والنفسية الناتجة عن سوء التغذية والإهمال.

سرعة الانفعال

من الملاحظات في الأعوام الأخيرة، خصوصاً في مجتمعنا الإسلامي قلة التحمل خصوصا بين أفراد الأسرة، فقد تجد الأم لا تتحمل صغارها، وأفراد الأسرة لا يتحملون كبارهم الذين كانوا العمود الفقري في العهود الماضية لمعظم الأسر إن لم يكن كلها، فتجد هؤلاء الكبار مهملين وقد يقذف بهم من مكان لآخر، من أخ إلى أخيه، أو من ابنه إلى آخر.

وقد يتركون وحدهم طيلة اليوم في المنزل لا أحد يرعاهم، حتى إن بعضهم يترك في المستشفيات أو المصحات دون الرجوع لأخذهم إلى منازلهم مرة أخرى. ومن تجاربنا في العيادات النفسية وأيضاً الدراسات التي تقدم من وقت لآخر نلحظ زيادة عدد المرضى وارتيادهم العيادات النفسية في الأعوام الأخيرة لكل الأعمار، خصوصًا الصغار وكبار السن، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الإهمال وقلة التحمل ولا بد من المعالجة في وقتها قبل أن يطفح الكيل ويتحول إلى حالة نفسية قد يصعب علاجها إن أزمنت.

القلق

الملاحظة الأخرى كثرة حالات القلق النفسي والخوف من كل شيء، خصوصاً المستقبل القريب والبعيد، وحالات الرهاب بكل أنواعها، وزيادة حالات الاكتئاب وهو بدوره يشكل عاملاً اجتماعيا جديدا يزيد من العزلة والتفكك والإهمال، كما أن ظهور الحالات الذهانية والعقلية أصبح في السنوات الأولى من العمر يسبب هاجسًا حتى للمعالجين النفسيين.

الانفصال

من الآثار التي أصبحت ظاهرة لكل أفراد المجتمع كثرة حالات الطلاق والانفصال والاضطرابات السلوكية والإجرامية والأخلاقية لدى الصغار والشباب، كما أن ظاهرة الإدمان أصبحت نمطا سلوكياً مخياً في المجتمعات التي تفككت سريعا، وأصبحت تلهث وراء الماديات والثراء السريع، وهي تشكل في معظمها حالات هروب من الواقع المرير الذي أدى إلى التفكك. ومعالجة الخلل أصبحت تكلفتها باهظا ويقع أغلبها على كاهل الدولة وهو ما يزيد العبء عليها وهي ترمم التفكك الاجتماعي بكل صوره.

وقد لاحظ أفراد المجتمع جميعهم أياً كان موقعهم هذا التحول والتفكك الاجتماعي وآثاره ينخر يوماً بعد يوم في مجتمعاتنا الإسلامية، فكثرت المقالات وتنوعت في الصحف والمجلات، كما نوقش في العديد من اللقاءات في الإذاعات المسموعة والمرئية مواقع الخلل وآثاره وطرق علاجه، ولكن ما زال الأمر يحتاج إلى كل فرد في الأمة ورؤية جديدة، وليس مقصوراً على مجموعة أو مؤسسة معينة دون غيرها.

الوقاية والعلاج

العلاج يبدأ بالفرد ثم الأسرة ثم المجتمع الصغير والمدرسة، فالكبير فالمؤسسة فالدولة، وأخيرا تضافر جهود الأمم الإسلامية ومعالجة كل الأمور المشتركة بينهما، خصوصا في مجال مكافحة السلوكيات الإجرامية وإدمان المخدرات، والعلاج الحقيقي يبدأ بتحديد جذور المشكلة ومعرفة الأسباب الحقيقية وعدم تكرارها ومعرفة العوامل الهدامة والمساعدة لتكوين زلزال المجتمع واستمراريته.

ومن ثم المواجهة وذلك بالتسلح بالمعرفة والرجوع إلى الجذور الصلبة لثقافاتها الأصيلة لمعالجة كل قضايا الأسرة والمجتمع، كما أن الإرشاد والتوجيه والتربية الإسلامية الصحيحة للنشء والشباب أثبت فعالية في علاج كثير من هذه الأسباب والعوامل وآثارها، وأن مجهود الدولة ومؤسساتها يجب أن يبنى على أسس علمية وتربوية توجه خصوصا إلى المؤسسات الاجتماعية كبيرة كانت أم صغيرة وفي أي زمان ومكان لعلاج ذلك التفكك والانحلال.

كما ننوه في نهاية المقال إلى أن العزيمة الصادقة والتنسيق الدائم بين الأفراد ومجتمعاتهم ومؤسساتهم وخدماتهم أكبر الأثر في علاج الخلل ودرء الوقوع في الدرك الأسفل من التفكك الاجتماعي الذي يصبح معه العلاج أكثر تعقيدا وتكلفة.