الرتابة كلمة شائعة الذكر وهي تعني المداومة على فعل أو عمل بشكل يومي، كالاستيقاظ صباحاً والذهاب للعمل والعودة للبيت والخلود للنوم وبهذا ينتهي اليوم.
الخضوع لمثل هذا الطريقة في الحياة وعدم كسرها والتخلص منها بإدخال أمور جديدة على عليها، قد يصيبنا بالكثير من الاضطرابات والمشكلات النفسية والتي قد تؤثر على مسيرتنا العملية والصحية والاجتماعية في المستقبل.لما لهذا الموضوع من أهمية ولمعرفة ما تسببه الرتابة من اضطرابات وكيف يعاني منها الأشخاص كان لـ «الصحة أولاً» هذا التحقيق:
ملل
«ينتابني الملل وأشعر بالإحباط نتيجة رتابة الحياة اليومية». هكذا بدأ خالد إبراهيم كلامه عن الرتابة. وتابع: نفس الأعمال، نفس الوجوه، حتى الطعام، هو، هو، لا تنوع في صنوفه أو تجدد فيه، لا شيء جديداً. أحاول أن أخرج في بعض الأوقات لأنفس وأروح عن نفسي، ولكن بمجرد دخولي للبيت أشعر أنني عدت إلى ذلك التيه والضياع من جديد، إن هذا الشعور يدفعني للغضب الشديد في بعض الأحيان، بحيث أبدأ بالصراخ بصوت عالٍ داخل المنزل، لأنفس قليلاً عما بداخلي.
انعزالية
«إن رتابة الحياة دفعتني لتجنب الناس والابتعاد عنهم اجتماعياً». هذا ما قاله محمد سالم عن حياته اليومية التي يعشيها.
وتابع: أصبحت قليل الاختلاط بمن حولي، وإن صادف وتواجدت بين جمع من الناس، لا أشعر برغبة في الحديث مع أحد، رغم أنني قبل انخراطي بالعمل وزواجي كانت لي صداقات كثيرة وكنت اجتماعياً، ولكن بعد أن أصبحت حياتي منحصرة بين العمل والبيت وهمومه ومشكلاته، لم يعد أمامي متسع من الوقت، وأصبحت الأيام كلها متشابهة بالنسبة لي، كما أشعر بأنني قد تعودت على ذلك ورضخت له ولم أعد أستطيع تجاوزه.
كسل
«أشعر بالملل، ولا يوجد ما يحفزني للعمل»، هذا ما قالته رشا أحمد عما أصابها من رتابة الحياة وتابعت: تنقصني المتعة عند القيام بأي شيء ، لا أريد الاختلاط بأحد وأشعر بالكسل وعدم الرغبة في العمل، وكم تساءلت إلى متى سيستمر هذا الشعور؟ برود وعدم اكتراث ، هكذا أصبحت حياتي من جراء الرتابة القاتلة التي تقيدني، ولا أدري ما إذا كان الذي أشعر به مرضاً أم أنه شعور عابر وسيزول.
التجديد
وعن الاضطرابات النفسية التي تخلفها رتابة الحياة اليومية وطرق علاجها حدثنا د. عامر سعد الدين اختصاصي الطب النفسي قائلاً:إن الخضوع للرتابة من غير تجديد، يخلف عند الشخص حالة تسمى الانكفاء، وهي نتيجة لممارسته نظام حياة ثابتاً، ولمدة زمنية طويلة.
هذه الحالة تقتل ملكة الإبداع والتجديد عند الشخص وتجعله يميل إلى التواري والانزواء، ولذلك فإن أغلب من يتعرضون لها، هم من العاملين الذين يحبون عملهم وهي تحد كثيراً من عطائهم في العمل، وتجعلهم يشعرون بالملل، وقد يصابون بعلامات ما قبل الاكتئاب.
ولكي يعالج الشخص نفسه من هذه الحالة، عليه أن يسعى لتجديد نمطه الحياتي، ويبدأ بأبسط الأمور، كأن يغير طريقة أكله وطعامه، فبعض الأشخاص تصل لديهم الرتابة لدرجة أنهم يأكلون الطعام نفسه والوقت والطريقة والمكان نفسه، ولهذا يصابون بحالة الانكفاء.
لذلك فلتكن البداية بالأمور البسيطة والممكنة، ولو أمكن بعد فترة إجراء تغييرات جذرية فليكن ولكن ليس لدرجة إرهاق نفسه بمصاريف تفوق طاقته.وعلى كل شخص أن يخلد مع نفسه بين فترة وأخرى، ليدقق ويتفحص ويحدد ماذا يريد وما الذي يبحث عنه.
كرم أحمد
