وحده الصيف يكشف حكايا الأبواب المغلقة وأنينها الموجع الذي يوقظ الأحاسيس الغافية .
أشواق محتجزة وتوق لمن غادروا نحو الضفة الأخرى.
بعد أن غادرنا الأحباب، الأبواب باتت صامتة صماء، لم يعد صريرها يشي بالزمن الذي يقهر الزوايا الحادة.
للأبواب قصص وحكايات، نتنسم منها رائحة الطفولة المنسية.
تلك الأبواب مازالت تحمل بصمات الكثير من الأحبة الذين طرقوها بأيديهم المحبة، وما زالت قبضاتها تلك، تفوح برائحة الذين لمسوها ذات يوم.
في الصيف يبدو الكثير منها موصداً، ورغم أن عديدها أو بعضاً منها اعتاد الإغلاق لفترات طويلة، إلا أن الصيف يكشف الأستار. ففيه أشخاص كثيرون يغادرون إلى مواطن مختلفة، وكلما باعدتهم المسافات، ازداد حنينهم لعبور أبوابهم التي تحمل من المعاني الكثير.
من يعد بالذاكرة للوراء يكتشف أن الأبواب نادراً ما كانت توصد وأن صريرها كان يبعث الدفء في النفوس ويعزز المشاعر الإنسانية، النبع الأساسي للسعادة.
الدراسات تؤكد أن الشعور بالرضا والتمتع بالصحة النفسية والسعادة يرتبطان أساساً بالأواصر الاجتماعية القوية، الصادقة البعيدة عن المنفعة والمصلحة المباشرة، لأن العلاقات توفر دعماً نفسياً للأشخاص الذين يثقون ببعضهم البعض، ويبوحون بمكنونات أسرارهم الدفينة المحصنة أساسا، ويساهمون معا بأنشطة مختلفة وبدرجات متقاربة من التوافق مع الآخرين .
البيت الذي يملك رصيداً من العلاقات الاجتماعية، سواء مع الأصدقاء أو الأقرباء، تبقى أبوابه مشرعة أمام الآخرين، وكثيراً ما يعزف صريرها لحناً رائعاً ينعش القلوب المتعبة، في زمن باتت فيه الغايات السمة الغالبة على علاقاتنا التي تشوه الجوهر الحقيقي للإنسان.
في الصيف نشعر بأنين موجع يقرع الأبواب الموصدة.
أوراق الأشجار الذابلة تغفو قرب الأبواب التي غادرها أحباؤها.
لكل منها قصة ورائحة مختلفة. هناك من غادرها ذات يوم ، ولم يعد ، وهناك أبواب مازالت تنتظرعودة أحبائها الذين تتلهف للقائهم وتحسب الثواني بالساعات، منتظرة عودتهم التي تعيد لها ألحانها العذبة وتبعث في الحنايا نشوة الحب الصادق وتطلق تلك الأشواق.
في انتظار عودة المحبين، يبقى ذلك الركن من المقهى مكانك الدافئ . فهناك مكتبة تحتل جداراً ،وبالقرب منك تجد مجموعة من الكتب تروي قصص البوح، وعلى ذلك الجدار مجموعة من اللوحات الفنية التي أبدعتها أنامل فنان كان الرحيل هاجسه الأبدي ذات يوم.
هنا ستائر مخملية تضفي شيئاً من الخصوصية على هذا الركن. أما الموسيقى الهادئة فهي تثير في النفس شجن الماضي وحنين الحاضر. فتعود بذاكرتك سنوات إلى الوراء ويشتد حنينك للدفء في ليلة باردة.
الماضي لم يعد منه إلا أطواق الياسمين التي تزين ذلك الباب.
في هذا الركن تقبع نافذة تطل نحو الشارع، تشعر بأن نبض الحياة يتدفق، لكن الوجه الحقيقي يبدو مبهماً وتبدو حياة الإنسان متاهة، والناس فصول.
مع مرور الأيام، تحول ركن المقهى ذاك إلى محراب تأمل وقراءة وكتابة ما تخطه الخواطر التي أضناها الشوق.
عندما ينسج الليل شباكه، وتطل الوحدة وصمت الأبواب، تغمرنا الهموم والأحزان، نتذكر طفولتنا المنسية وأهازيجنا الريفية وأصدقاءنا الذين نأينا عنهم ونأوا عنا.
همسة: وحده الصيف يكشف الزوايا الحادة.
