على الرغم من النقلة النوعية التي أحدثتها ثورة الاتصالات في العالم خلال العقدين الماضيين، إلا أن إدخال خدمة شبكة المعلومات العالمية (الإنترنت) ضمن منظومة خدمات الاتصالات كان له آثار عديدة على المستوى الصحي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي. حيث يكشف سيل الدراسات حول الآثار الصحية والاجتماعية لشبكة الإنترنت عن حقائق جديدة.

أخذت الأصوات في معظم الدول المتقدمة تنطلق عبر مؤسساتها محذرة من الاندفاع نحو التجارة الإلكترونية بصورة كبيرة بسبب النتائج السلبية التي تفرزها العملية التجارية عبر أجهزة الكمبيوتر وفقدان الحس الاجتماعي لدى الأسر، بحيث أصبح التشاؤم يسيطر حالياً على قاعدة عريضة من الأسر في تلك الدول ومصدره الخوف من تحطم العلاقات الاجتماعية بين الأسر والمجتمعات بفعل استخدام الإنترنت والشراء عبر البرامج التي تطرحها المؤسسات بحيث يخشون أن تفرز شبكة الإنترنت أجيالاً من البشر لا تتعامل إلا مع الكمبيوتر، ويحذر خبراء علم النفس من أن الإنترنت سيقود حتماً إلى تحطيم معاني المجتمع والتكامل الاجتماعي، خصوصاً أن الكثير من الآباء أصبحوا اليوم قلقين من مجرد الإحساس بأن الإنترنت سيعرض أطفالهم للخطر.

وبالنسبة إلى الانعكاسات الاجتماعية لاستخدام الإنترنت والتجارة الإلكترونية، فهي عديدة منها أن الشراء الإلكتروني يؤدي إلى فقدان متعة الشراء المعروفة التي كانت تجدها الأسر في ممارسة عملية التسوق من خلال التفاعل الاجتماعي المباشر بين البائع والمشتري، كما أنه يؤدي إلى تقليص فرص التفاعل الأسري نتيجة تضاؤل فرص التسوق التقليدية والتي تعتبر لبعض الأسر الفرصة الوحيدة للتنزه أو الترفيه أو كسر حالة الملل والرتابة داخل البيت.

في حين يقع بعض الشباب وصغار السن فريسة لبعض المعلنين الذين يروجون لسلع تافهة أو قد تتعارض مع التقاليد الاجتماعية والآداب الإسلامية.ومن الانعكاسات الصحية أن الشراء الإلكتروني يؤدي إلى خفض فرص ممارسة النشاط البدني الذي يقوم به الفرد قبل التسوق العادي وفي أثنائه وبعده فيؤدي إلى ارتفاع نسبة البدانة ومشاكلها خصوصاً بين السيدات اللائي لا يعملن.

أما الزمن فهو غير محسوس لدى بعضهم نتيجة عدد الساعات التي يقضيها أمام أجهزة الكمبيوتر للبحث والمقارنة، الأمر الذي يزيد لديهم حالة العزلة العائلية التي تعانيها بعض الأسر، في حين أن ازدياد ساعات البحث يؤدى إلى تفاقم احتمالات الإصابة بأعراض إدمان الإنترنت، وهي مشكلة بحد ذاتها لدى بعض الأفراد.

أما عن تأثير استخدام الإنترنت على الأطفال، فيرى الباحثون أن هذا الأمر يقود إلى اضطراب وتغير عادات النوم لدى الأطفال ناهيك عن المشكلات الدراسية وتدني المستوى التحصيلي لدى الأطفال، كما أن الاستغراق في الإنترنت يؤدي إلى توقف الأطفال عن ممارسة الهوايات والأنشطة الأخرى المحببة لديهم، في حين يمتنع أطفال آخرون عن التنزه والخروج إلى الحفلات ومقابلة الأصدقاء والتجوال في الأسواق ومشاهدة الفيديو والتلفزيون، كما يصاب بعض الأطفال بنوبات غضب وعنف عند محاولة وضع حدود وضوابط لاستخدام الشبكة من قبل الوالدين أو يتحايل بعضهم للدخول إلى الشبكة من دون علم الوالدين أو كتحد لهم.

ولتجنب هذه المشكلات يمكن الاستفادة من التوجيهات التالية:

ـ تحديد وقت معين يومي للجلوس على الإنترنت بحيث لا يتجاوز 3 ساعات متواصلة في اليوم الواحد.

ـ تحديد الهدف من التعامل مع الشبكة ووضع مخطط مسبق لما سيتم عمله في كل جلسة.

ـ التفكير في كيفية الوصول للهدف بأقصر الطرق وفي أقل وقت ممكن بحيث يكون العمل على الشبكة بشكل منظم ومنهجي.

ـ محاولة إهمال أي أمور جانبية عارضة أو مغريات والتركيز على الهدف.

ـ محاولة تجنب الجلوس على الإنترنت دون هدف أو للترفيه لساعات طويلة.

ـ تقديم الأولويات الاجتماعية وعدم إهمال مشاكل الحياة اليومية.

ـ النظر بالعينين خارج شاشة الجهاز لمدة 5 دقائق كل 30 دقيقة تقريبا وعدم العمل لأكثر من 3 ساعات متواصلة لتجنب حدوث التهاب ملتحمة العين.

ـ القيام ببرنامج رياضي يومي خارج المنزل.

ـ تنظيم استخدام الأطفال للإنترنت وتوجيههم ومراقبتهم وفلترة الإنترنت من خلال بعض البرامج التي تقوم بحجب المواقع غير اللائقة أو التي تشكل خطورة على الصحة أو المعتقدات أو العلاقات الاجتماعية.

ـ تنمية الاهتمامات الأخرى لدى الأطفال مثل اللعب وزيارة المنتزهات والأماكن العامة وغيره من الأمور التي يرى الوالدان أنها تشد اهتمام طفليهما.

ـ وضع القيود الصارمة على وصول الأطفال إلى الإنترنت دون مراقبة أو بطريقة غير موجهة من خلال الإمكانات المختلفة التي يوفرها الحاسب الآلي مثل كلمات المرور وما إلى ذلك.

ويخلص الباحثون إلى أن الحديث عن أضرار الإنترنت لا يعني تجاهله والعزوف عنه، إنما المطلوب هو الترشيد والاستخدام المعتدل لتحقيق أغراض محددة واضحة. كما أنه من الضرورة إيلاء أهمية الرقابة الأسرية وتوجيه الأطفال نحو الاستخدام الأمثل للشبكة ووضع قواعد وضوابط ووسائل تكنولوجية حديثة لمراقبة المواقع الممنوعة.

ورغم ذلك فإن الجميع يتفق على أن شبكة الإنترنت أصبحت اليوم ثورة علمية بحد ذاتها نتيجة وفرة المعارف والمعلومات التي يحصل عليها الفرد منها، فهذه الخدمة لم تعد ترفا بل أصبحت حاجة قد ترقى إلى الضرورة في بعض الأحيان.

د.عبد المنعم عبد الحكم - اختصاصي أول الطب النفسي