تعتبر البيئة التي يعيش فيها الإنسان من أهم الأماكن التي توفر له الصحة البدنية والنفسية، كما تؤمن له الهدوء والاستقرار، فإذا كانت بيئة نظيفة وصحية، كان الشخص سليماً ومعافى ويتمتع ببدن قوي وسليم، وإذا كان العكس، فإن مشكلات صحية كثيرة ستلازم هذا الشخص.
من المعروف أن الكثير من الأشخاص يقضون معظم أوقاتهم في مكان عملهم. ولذا فإن بيئة ومكان العمل لها بالغ الأثر عليهم، فإذا كنت تشعر بالضيق والمرض، فلا بد أن تلقي باللوم على مكان عملك. وللاطلاع أكثر على المشكلات والأزمات الصحية التي يعاني منها العاملون في بيئات لا تتوفر فيها المقومات الصحية الأولية، كان لـ «الصحة أولاً» هذا التحقيق:
ضغوط نفسية وجسدية
عن الضغوط النفسية وتأثيراتها على الجسم والتي يكابدها العاملون في الأماكن غير الصحية حدثنا د. عامر سعد الدين اختصاصي الأمراض النفسية في دبي فقال: إن هناك اختلافاً كبيراً بين حال الموظف عندما يحضر للمرة الأولى للعمل في مكاتب مغلقة وغير صحية، وأحواله الصحية بعد مرور نحو سنة أو سنتين من العمل.
ويعاني الموظف الذي يعمل في تلك الأماكن من مشكلتين: الأولى المعاناة من تلك الأماكن، حيث يشعر بضيق المكان، وبضيق في الصدر، وتبدأ أعراض القلق بالظهور عليه، وهي تتراوح ما بين الخوف والشعور وكأن شيئاً ما على وشك الحدوث. وقد يصاب الموظف بصداع ليس له تفسير ومشكلات في الجهاز التنفسي. ويرافق تلك المشاعر النفسية أعراض جسدية، منها ضيق التنفس وتسارع في ضربات القلب، وشعور بالدوخة والدوار، وبأنه سيفقد السيطرة على نفسه، وربما تصل حالته إلى مرحلة الهلع، حيث يشعر بأنه على وشك الموت.
والحقيقة أن جملة ظواهر تتجمع لتترك ذاك الأثر البشع على الموظف، مثل إحساسه القوي بسوء التغذية وتأثير روائح الأثاث والدهانات عليه. وتزداد الأمور تفاقماً، إذا كان الموظف يعاني من مدير دكتاتور يفرض الأوامر بصرامة. وتبدأ تلك المشاعر باجتياح الموظف منذ ساعات الصباح الأولى أي مع بداية العمل، ويبدأ نهاره بوضع سيناريوهات مخيفة تمسه شخصياً، مثل فقدان العمل.
وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تراجع الأداء. ويرافق ذلك أعراض مثل القلق، والذي يأتي أيضاً نتيجة الجهد المبالغ فيه. وللأسف فإن كثيرين ينأون بتلك الأعباء، ولكنهم لا يشتكون، بل ان الموظف يردد عبارة «أخاف من مديري، أنا متضايق، أشعر أني غير سعيد في عملي»، وتتحول تلك المشاعر المؤسفة إلى أعراض جانبية.
وفي الحقيقة إننا ننصح الأطباء دائما، خاصة الأطباء العامين، أن يخصصوا وقتاً جيداً للإصغاء لمرضاهم للتعرف على معاناتهم جيداً ويسألوهم عن حدوث أي تغيير في حياتهم جعلهم يتضايقوا، للاقتراب أكثر من حقيقة تأثير المكان على معاناتهم النفسية. كما يجب على الطبيب تحري ما إذا كان الموظف يعاني من إجهاد يؤدي إلى القلق. ويشتكي كثيرون من الإحباط، وهي مرحلة ما قبل الاكتئاب، حيث تتلاشى حماسة العمل.
تسمم
وحول نظافة مكان العمل وتأثيره على صحة الموظفين حدثنا د.عامر حلباوي، البورد الأميركي للأمراض الباطنية في المركز الطبي الملكي، دبي، قائلا: تعد قلة النظافة في مكان عمل الشخص سبباً رئيسياً في احتمال تعرضه لأمراض شتى. فالمكان الضيق ورديء التهوية، يشكل بؤرة مناسبة لتكاثر وانتشار الجراثيم والميكروبات، التي تتنقل بين المتواجدين مسببة لهم أمراضاً مختلفة. فتناول الغذاء في هذه الأماكن دون تنظيف الأيدي والمكان، قد يتسبب بالتسمم والإصابة ببكتيريا الإيكولاي.
وهذه البكتيريا، تتسبب في الولايات المتحدة بنحو 70 ألف حالة تسمم في السنة، ومن الممكن أن ينتج عنها نحو 60 حالة وفاة سنوياً، وفي الإصابات الشديدة قد تتطور لحالات قصور كلوي حاد، إذا لم تعالج بشكل سريع. كما أن التدخين في أماكن العمل والتي عادة ما تكون ضيقة وقليلة التهوية، يفاقم الضرر الذي يلحق بالمدخن نفسه، وكذلك بالمحيطين به. حيث أن نسبة التدخين السلبي تكون مرتفعة جداً، والمكان الضيق قد يسبب اضطرابات تنفسية لدى المتواجدين في تلك البيئة الخانقة.
وبعد كل ما ذكر، تجدر الإشارة إلى أن اتباع قواعد الصحة العامة في أماكن العمل سيقلل بشكل كبير إصابة العاملين بهذه الأمراض، فاحتمال التقاط العدوى يكون أكبر في المكاتب وأماكن العمل بسبب وجود حشد من الأشخاص وقضاء ساعات طويلة في أماكن مغلقة تملؤها الجراثيم.
كرم أحمد
