يشكّل الجلوكوز مصدر الطاقة الأساسيّ في الجسم، وإن الخلايا تحتاج إلى إمداد مستمرّ لتعمل. ويحتاج الجسم إلى كميّة أكبر من الجلوكوز خلال النشاط الجسدي أو ذروة التركيز. يتمّ الحصول على الجلوكوز من الطعام، إما بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، عن طريق التحليل أو التحويل من مواد أخرى.
يتغير معدّل الجلوكوز في الدم تغيّراً كبيراً خلال اليوم، ويجهد الجسم لإبقائه ضمن نطاق ضيّق، من خلال عمل هورمونين بصورة أساسيّة:* الأنسولين الذي تنتجه خلايا بيتا في البنكرياس كردّة فعل على سكّر الدم المرتفع (فرط سكّر الدم). تحتاج الخلايا إلى الأنسولين لتأخذ الجلوكوز من الدم. كما أن الأنسولين يجعل الكبد يخزّن الجلوكوز على شكل غليكوجين.* الغلوكاغون الذي تنتجه خلايا ألفا في البنكرياس كردّة فعل على سكّر الدم المنخفض (نقص سكّر الدم).إن للأنسولين والغلوكاغون آثاراً متناقضة ولكنّهما يعملان بشكل ترادفيّ؛ فالأنسولين يخفّض جلوكوز الدم في حين أن الغلوكاغون يرفع جلوكوز الدم.
إن داء السكّري (مرض السكّري) هو المصطلح المستعمل لوصف مرض مزمن يسبّبه نقص وراثيّ و/أو مكتسب في إنتاج البنكرياس للأنسولين، أو عدم فاعليّة الأنسولين المنتج. يتميّز الداء السكّري بتركيزات عالية بصورة غير طبيعيّة للجلوكوز في الدم. وإن معيار منظّمة الصحّة العالميّة لتشخيص الداء السكّري هو معدّل جلوكوز البلازما على معدة خاوية من. mmol/L 1,26 g/L.
تصنيف الداء السكّري
يُسمّى النوعان الأكثر شيوعاً من الداء السكّري، السكري من النوع الأول والسكّري من النوع الثاني. تتراوح نسبة المصابين بالنوع الأول عالمياً بين 5% و%10وبالنوع الثاني بين 90% و95%. وتختلف الآليّات التي تؤدي إلى فرط سكّر الدم في كلّ نوع.
ينتج السكّري من النوع الأول عن تدمير خلايا بيتا مما يؤدّي عادة إلى نقص مطلق في الأنسولين. وبالتالي يجب على المصابين بالسكّري من النوع الأوّل حقن الأنسولين ليبقوا على قيد الحياة. وغالباً ما يُصاب المرء بالسكّري من النوع الأول في مرحلة الطفولة.
ينتج السكّري من النوع الثاني عن خلل تدريجيّ في إفراز الأنسولين على خلفيّة مقاومة الأنسولين. خلال تطوّر السكري من النوع الثاني، تخسر الخلايا تدريجيّاً الحساسيّة تجاه الأنسولين (IR). ويدفع معدّل السكّر المرتفع الناتج عن ذلك بالبنكرياس إلى إفراز المزيد من الأنسولين، ممّا يعيد جلوكوز الدم تحت السيطرة مجدداً.
وفي النهاية، تصل هذه الدورة إلى نقطة تصبح فيها كميّة الأنسولين المفرزة غير قادرة على التغلّب على هذه الخسارة التدريجيّة لحساسيّة الخلايا تجاه الأنسولين، فينشأ فرط سكّر الدم من النوع الثاني. يكون نقص الأنسولين نسبيّاً في السكّري من النوع الثاني لأنّ الأنسولين ما زال يُنتج ولكن بكميّات غير كافية.
عادة ما يتمّ تشخيص السكري من النوع الثاني بعد عمر الأربعين، بالرغم من إمكانية إصابة المرضى بالمرض لسنوات عدّة بدون أن يدركوا ذلك. ولكنّ تشخيص المرض يتزايد لدى الأولاد والمراهقين ويُفسّر ذلك على نطاق واسع بانتشار البدانة. وتُعتبر التغييرات الديموغرافية والانتشار المتزايد للسكري من النوع الثاني مشكلة كبيرة وأساسيّة في البلدان المتقدّمة والنامية على حدّ سواء.
العوارض والمضاعفات
يُقدّر أن ثلث مرضى السكّري فقط يعانون من عوارض السكري مثل التبوّل المتكرّر والظمأ الشديد وازدياد الشهيّة وعدم وضوح البصر وازدياد الظمأ والحكّة على الأعضاء التناسليّة وخسارة الوزن. وحتى عند وجود العوارض، من الممكن ألاّ يعزوها المرضى والأطبّاء للداء السكّري. ففي دارسة أجريت في المملكة المتحدة، أكثر من 40% من المصابين بالسكري من النوع الثاني لا يدركون حالتهم مما يحول دون خضوعهم للعلاج المخفّض للجلوكوز.
ومن جهة ثانية، يؤدّي فرط سكّر الدم غير المضبوط بالتأكيد إلى مضاعفات مزمنة مع الوقت، تؤثّر بصورة خاصة على الجهاز القلبي الوعائي. وبما أنه ما من علاج شاف للداء السكري، تهدف إدارة هذا المرض إلى تخفيض جلوكوز الدم بغية تأخير ظهور المضاعفات المزمنة أو الحؤول دون ظهورها.
إن المضاعفات الوعائيّة الصغريّة هي التي تنتج عن تشريح ووظيفة غير طبيعيين للأوعية الدمويّة الصغيرة. في الداء السكري، إن الأعضاء الأساسيّة التي تصاب بهذا الشكل هي العين والكلى والأعصاب (اعتلال الشبكيّة السكري، الاعتلال الكلويّ السكري، الاعتلال العصبي السكّري). أما المضاعفات الوعائيّة الكبريّة التي يسبّبها الداء السكري فهي التي تصيب الأوعية الدمويّة الأكبر وتتضمّن مرض القلب التاجي والمرض المخّي الوعائي والمرض الوعائي المحيطي، مما يؤدّي إلى تزايد خطر الإصابة بالنوبات القلبيّة والسكتات الدماغيّة.
إنّ الإصابة المتزامنة بالمرض الوعائي المحيطي وبالاعتلال العصبيّ السكّري يمكن أن تسبّب كذلك «القدم السكّرية» وهي مضاعفة أخرى يمكن أن تكون خطيرة.
ما زال يجب توضيح المسار الدقيق ما بين فرط سكّر الدم والمضاعفات المزمنة توضيحاً كاملاً. فالمنتجات النهائيّة المتقدمة الغليكوسيليّة Advanced glycosylation end-products (AGE) هي مواد مؤذية تتشكّل بسبب غليكوسيليّة البروتينات الهيكليّة غير الطبيعيّة وتسبب المضاعفات الوعائيّة الصغريّة والكبريّة. ويعتقد الكثيرون أن تشكّل هذه المواد هو المسبّب الرئيسي للمضاعفات.
يبقى معدّل الوفيّات الناتجة عن المضاعفات مرتفعاً بصورة غير مقبولة. فوفاة من أصل عشر وفيّات يعود سببها إلى الداء السكّري. يعود ثلثا الوفيّات إلى مرض القلب والسكتة الدماغيّة. كما أن نسبة انتشار المرض عالية: ففي البلدان المتقدّمة يشكّل الداء السكري السبب الأول للعمى وبتر الساق غير الرضحي بعد القدم السكّري.
العلاج
تهدف علاجات السكّري إلى تخفيض الجلوكوز في الدم بغية تأخير ظهور المضاعفات. فيُعطى الأنسولين كبديل (النوع الأول) أو كمكمّل (النوع الثاني) لإفراز الأنسولين الطبيعي. تشبه الأنسولينات الجديدة إلى حدّ كبير الأنسولين البشري لكن تمّ تعديلها للتأثير على الجلوكوز في أوقات مختلفة من اليوم:
* الأنسولينات القاعديّة فعّالة في الأوقات كلّها وهي تؤثّر على الجلوكوز قبل تناول أيّ طعام (معدّل الجلوكوز الخلفيّ، أيّ خلال النوم وبين الوجبات) وعلى الجلوكوز بعد تناول الطعام (ارتفاع معدّل الجلوكوز الذي يحصل بعد الوجبات).
* الأنسولينات الوجبيّة التي تؤثّر على معدّل الجلوكوز بعد الطعام فقط. يجب على المرضى المصابين بالداء السكري من النوع 1 حقن الأنسولين، اتبّاع نظام قاعديّ وجبيّ عادة، وهو عبارة عن أخذ أنسولين وجبيّ سريع المفعول عند تناول الطعام وحقن أنسولين قاعدي ذي مفعول طويل الأجل.
يتماشى علاج الداء السكري من النوع 2 مع طبيعة المرض التدريجيّة. فمقاومة الأنسولين ونقص الأنسولين يسوءان بانتظام مع الوقت، وكنتيجة لذلك يرتفع معدّل الجلوكوز الوسطيّ في الدم ارتفاعاً كبيراً. إن علاجات السكري من النوع 2 هي عبارة عن اتباع الحمية وممارسة الرياضة وأخذ مضادات السكري الفمويّة والأنسولين وجمع هذه العلاجات كلّها معاً.
يجب مراقبة معدّل الجلوكوز الوسطيّ في الدم كلّ ثلاثة أشهر على الأقلّ للتأكّد من أن العلاج الحالي ما زال فعّالاً. تنصّ المعايير الدوليّة على وجوب التوصّل إلى معدّل جلوكوز وسطيّ في الدم بنسبة %5 ,6 (الاتحاد الدولي للداء السكري IDF) وبنسبة %0, 7 (الجمعية الأميركيّة للداء السكري ADA ) .
ومع مرور الوقت، سوف يحتاج أكثريّة المصابين بالداء السكري من النوع 2 إلى الأنسولين للتحكّم بجلوكوز الدم. وقد أوصى الاتحاد الدولي للداء السكري IDF ببدء علاج الأنسولين لدى المرضى الذين يتخطّى لديهم معدّل الجلوكوز الوسطيّ في الدم %5.7 بالرغم من استعمال العلاج الفمّي الأمثل لحالتهم.
العلاج بالأنسولين القاعدي هو طريقة فعّالة ومناسبة للبدء بالأنسولين لأنه يخفّض جانبيّة الجلوكوز كلّها. يجب أن يغطّي مكمّل الأنسولين القاعدي المثالي متطلّبات الأنسولين القاعدي على مدى 24 ساعة بإعطاء واحد في اليوم ويجب ألاّ يكون له ذروة قويّة مهما كانت الجرعة ويجب أن يخفّض إلى الحدّ الأدنى خطر تدنّي سكّر الدم.
يجب أن يؤمّن الأنسولين القاعديّ تغطية متواصلة خلال ساعات عدم تناول الطعام لإيقاف إنتاج الكبد المفرط للجلوكوز. وإن حقنة واحدة في اليوم بدون ذروة من أنسولين غلارجاين يمكن أن تغطّي التحكّم بالجلوكوز على مدى 24 ساعة، في النهار وفي الليل، مهما كان وقت الحقنة.
إن الأنسولين القاعدي المعاير جيّداً يمكن أن يؤمّن تحكّماً مرضياً لأكثريّة المرضى. ومع تقدّم المرض يمكن أن يحتاج آخرون أيضاً إلى استعمال الأنسولين الوجبي، فإضافة جرعة واحدة فقط من الأنسولين الوجبيّ في اليوم يمكن أن تساعد المرضى على بلوغ معدّل الجلوكوز الوسطيّ في الدم المنشود.
حقائق وأرقام
*هناك حالياً أكثر من 194 مليون شخص في العالم مصابون بداء السكري. وإذا لم يتم اتخاذ إجراءات للحد من انتشار هذا المرض، فإن هذا الرقم سيتخطى حاجز الـ 333 مليون شخص بحلول العام .2025.
* في عام ،2000 كانت البلدان الخمسة التي لديها أكبر عدد من مرضى داء السكري هي الهند (7, 23 مليوناً) والصين (6, 22 مليوناً) والولايات المتحدة الأميركية (3 ,51 مليوناً) وباكستان (8 ,8 ملايين) واليابان (1 ,7 ملايين).
* في عام ،0002 كانت البلدان الخمسة التي تسجل أعلى معدل لانتشار داء السكري بين السكان البالغين هي بابوا غينيا (5, 51%) وموريشيوس (0, 51%) والبحرين (8 ,41%) والمكسيك (2, 41%) وترينيداد وتوباغو (1,41%).
50% على الأقل من مجمل عدد المصابين بداء السكري لا يعرفون أنهم مصابون بهذا المرض. وفي بعض البلدان قد يرتفع هذا الرقم إلى %80. داء السكري هو رابع الأسباب الرئيسية التي تؤدي إلى الوفاة في معظم الدول المتقدمة.
* داء السكري هو السبب الرئيسي لفقدان البصر وقصور النظر بين البالغين في الدول المتقدمة.
*داء السكري هو الأكثر شيوعاً لبتر الأعضاء في الحالات غير الناتجة عن الحوادث.
* المصابون بداء السكري هم الأكثر عرضة بحوالي 15 إلى 40 مرة إلى بتر الأعضاء السفلية مقارنة بعامة السكان.
* أمراض القلب والشرايين هي السبب الأول للوفاة في البلدان الصناعية. ومن المتوقع أن تتفوق هذه الأمراض على الأمراض المعدية كالسبب الأكثر شيوعاً الذي يؤدي إلى الوفاة في العديد من البلدان الأقل تقدماً في العالم.
* المصابون بداء السكري هم أكثر عرضة بمرتين إلى أربع مرات للإصابة بأمراض القلب والشرايين من الناس غير المصابين بداء السكري.
* المصابون بداء السكري من النوع الثاني هم عرضة بالقدر نفسه للإصابة بالأزمات القلبية لغير المصابين بداء السكري الذين أصيبوا في السابق بالأزمات القلبية.
* المصابون بداء السكري قد يصابون بأزمات قلبية دون أن يدركوا ذلك. إن احتمالات إصابة مرضى السكر الذين يعانون من ارتفاع ضغط الدم بالسكتات الدماغية أعلى بمرتين من الذين يعانون من ارتفاع ضغط الدم فقط.
* بينما انخفضت معدلات الوفيات من جراء أمراض القلب والشرايين، وعلى الأخص أمراض القلب الشريانية، لدى غير المصابين بداء السكري في الدول المتقدمة، إلا أن هذا الانخفاض لم يتعد الـ %13 بين الرجال المصابين بداء السكري بينما ارتفعت النسبة بـ %23 بين النساء المصابات بداء السكري.
* بحلول عام ، 2025 من المتوقع أن ترتفع معدلات الإصابة بداء السكري ثلاث مرات في إفريقيا ومنطقة شرق المتوسط والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا، وأن ترتفع مرتين في الأميركيتين ومنطقة غرب المحيط الهادئ وأن تتضاعف تقريبا في أوروبا.
* في البلدان النامية، تتوقع الدراسة أن تزيد حالات الإصابة بنسبة %170 وبنسبة %42 في الدول المتقدمة.
* سكان معظم الدول هم من المسنين. وداء السكري هو أكثر شيوعاً بين المسنين وهو يتزايد بقدر ما يزيد عدد الناس الذين يعيشون أطول.
المضاعفات الخطيرة التي تترتب على داء السكري، مثل فقدان البصر والفشل الكلوي وأمراض القلب، تضع عبئاً هائلاً على خدمات الرعاية الصحية.
التكاليف الإنسانية والاقتصادية لداء السكري يمكن تقليصها بنسبة كبيرة من خلال الاستثمار في الوقاية، وعلى الأخص في التشخيص المبكر للمرض، لتلافي حدوث مضاعفات داء السكري.
هناك أدلة قاطعة على أن التحكم بفعالية في مستويات الجلوكوز في الدم قد تخفف احتمالات الإصابة بمضاعفات السكري بنسبة كبيرة ويبطئ تفاقمها لدى المصابين بكل أنواع داء السكري. والتحكم في ارتفاع ضغط الدم وارتفاع نسبة الدهون في الدم أمر لا يقل أهمية. وفي كل البلدان، سيسهم التحكم الأفضل بهذه العناصر في تحسين جودة الحياة بقدر كبير.
52% من دول العالم تقريباً لم تتخذ أي إجراءات محددة بشأن داء السكري في خططها الصحية الوطنية.
داء السكري زاد بنسبة الثلث خلال عقد التسعينات من القرن الماضي بسبب انتشار السمنة وتقدم عمر السكان.
في عام ،7991 وجد استطلاع نظم تحت مسمى «توفر الإنسولين» والذي أرسل إلى 021 بلداً، أن 84 دولة فقط تستطيع أن توفر الإنسولين في كل الأوقات للذين يحتاجون إليه في المدن. وقد أظهر المسح أيضاً أن توفر الإنسولين والحقن والإبر بشكل مستمر هو أفضل في المدن منه في المناطق الريفية (84 بلداً مقابل 23 بلداً بالنسبة للإنسولين و14 بلداً مقابل 92 بلداً بالنسبة للحقن والإبر).

