تساعد الأدوية على تأمين حياة أفضل وأطول للإنسان. غير أنها لا تخلو من مخاطر وقد تسبب الأذى للعديد من الناس بدرجات متفاوتة، وهذا لا يمنع استفادة الكثيرين منها. ويشار إلى الآثار الجانبية الضارة عموماً بعبارة التفاعلات الدوائية الضارة.
وقد تفوق حالات دخول المستشفيات بسبب التفاعلات الدوائية الضارة نسبة 10% من مجموع هذه الحالات في بعض البلدان. ومن الأمثلة على ذلك أن دراسة أجريت في عام 2004 في المملكة المتحدة، ونشرت في المجلة الطبية البريطانية (British Medical Journal) تضمنت تحليلاً استباقياً ل18 820 مريضاً أدخلوا إلى المستشفيات على فترة ستة أشهر لتقييم أسباب الإدخال.
وتبين أن 1225 من هذه الحالات كانت تتصل بأحد التفاعلات الدوائية الضارة أو غيره، مما يعني نسبة انتشار قدرها 5 ,6%، حيث يفضي التفاعل الدوائي الضار مباشرة إلى الإدخال إلى المستشفيات في 80% من الحالات. وتبين أن التكاليف السنوية التقديرية المترتبة على ذلك بالنسبة «للخدمات الصحية الوطنية» تبلغ 466 مليون جنيه إسترليني (847 مليون دولار أميركي).
ويظهر مسح نشرته «مجلة اتحاد الصيادلة الأميركيين» في عام 2001 أن التكاليف المترتبة على المرضى والوفيات التي تم الكشف عنها في الولايات المتحدة والتي كانت ذات صلة بالأدوية بلغت أكثر من 177 مليار دولار أميركي في عام ,2000 حيث شكلت حالات دخول المستشفيات نسبة تقارب 70% من مجموع هذه التكاليف.
وقد ازدادت التكاليف المرتبطة بالمشكلات ذات الصلة بالأدوية بما يزيد على الضعف منذ عام .1995 ولا تتوفر هذه الأرقام من البلدان النامية بسهولة غير أنه يعتقد أن الأحداث الضارة فيها أعلى نسبياً مما هي عليه في المناطق الأيسر حالاً.
ما سبب حدوث التفاعلات الدوائية الضارة؟
تعود نسبة كبيرة من التفاعلات السلبية مع الأدوية إلى استخدامها على نحو غير رشيد أو لأخطاء يرتكبها الإنسان وبالتالي يمكن توقيها. وأهم هذه الأمور هي:
* الخطأ في تشخيص حالة المريض.
* إعطاء وصفة بالدواء غير الصحيح أو بجرعة غير صحيحة من الدواء المناسب.
*وجود حالة طبية أو وراثية أو أرجية غير مكتشفة لدى المريض قد تسبب تفاعلاً سيئاً مع الدواء.
* عدم الامتثال لجرعات الدواء الموصوفة.
* تعاطي عدد كبير من الأدوية المختلفة من جانب المريض (الإفراط الدوائي)، التي قد تتفاعل مع بعضها البعض.
بيد أن من المهم أن لا يغرب عن البال، أنه حتى إذا تم تفادي الأوضاع الوارد وصفها أعلاه على نحو دقيق، فإن جميع الأدوية تترك آثاراً جانبية ويمكن أن يسبب بعضها أضراراً. ولا يمكن التكهن بآثار أي تدخل طبي بثقة مطلقة. حيث إنه لا يوجد دواء يخلو كلية من احتمالات الخطر.
وهناك علاقة ترابطية سلبية بين المنافع واحتمالات الأذى بالنسبة لجميع الأدوية. لكنه يمكن الحد من الأذى إلى أدنى حد ممكن بالتأكد من وصف الأدوية الجيدة النوعية، ومأمونيتها ونجاعتها واستعمالها بصورة رشيدة.
الأدوية التي لا ترقي إلى المستوى المطلوب والأدوية المزيفة ثمة عامل آخر يمكن أن يسبب تفاعلات دوائية ضارة هو وجود سوق للأدوية التي لا ترقى إلى المستوى المطلوب. وهي منتجات لا تفي تركيبتها ومكوناتها بالمواصفات العلمية الصحية والتي تصبح بالتالي عديمة النجاعة بل وغالباً ما تشكل خطراً على المريض. وقد توجد تلك المنتجات نتيجة الإهمال، أو الأخطاء البشرية، أو نقص الموارد البشرية والمالية أو التزييف.
وتشكل الأدوية المزيفة جزءاً من الظاهرة الأوسع نطاقاً المتمثلة في المواد الصيدلانية التي لا ترقى إلى المستوى المطلوب. والفرق هنا هو أنه يتم توسيمها على نحو خاطئ عن سابق قصد وبصورة تنطوي على الغش المتعمد فيما يتعلق بهويتها و ـ أو مصدرها.
ويمكن أن يحصل التزييف في كل من المنتجات ذات العلامات التجارية وغير المحدودة الملكية وقد تشمل الأدوية المزيفة منتجات تحتوي على المكونات الصحيحة ولكن بتغليف زائف أو بمكونات خاطئة (قد يكون بعضها ساماً)، أو بدون مكونات فاعلة أو مكونات فاعلة غير كافية.
وفي البلدان الأيسر حالاً كانت الأدوية التي يجري تزييفها أكثر من سواها أدوية خفض معدل الكولسترول، والأدوية المستعملة في معالجة عوز هرمونات النمو وأدوية السرطان. أما في البلدان النامية فإن معظم الأدوية المزيفة فهي التي تستعمل في معالجة الأمراض التي تتهدد الحياة مثل الملاريا والسل والأيدز والعدوى بفيروسه. كما أن المضادات الحيوية غالباً ما تكون من بين الأدوية المزيفة.
رصد مأمونية الأدوية
لابد أن يقترن الحصول على الأدوية بضمان جودة هذه الأدوية ـ أي لابد من أن تكون هناك ضوابط واختبارات للتأكد من أن الأدوية التي تصل المرضى في نهاية المطاف جيدة ومأمونة وناجعة.
وتقتضي القوانين من شركات المواد الصيدلانية في جميع البلدان اختبار أدويتها على متطوعين أصحاء ومرضى قبل إتاحة تلك الأدوية على نطاق واسع. والغاية المعلنة من التجارب السريرية السابقة للتسويق (الاختبارات الجارية قبل طرح الأدوية للشراء) هي كشف ما يلي:
*ما إذا كان الدواء يفي بالغرض منه وإلى أي مدى.
* إذا كانت تترتب عليه أية آثار ضارة أو لا.
* وإذا كان هناك أي احتمال بحدوث ضرر ما فما مدى خطورته وما هي أضراره بالمقارنة مع منافعه. وتتكشف التجارب السريرية عموماً عن قدر جيد من مدى فعالية دواء ما لمرض محدد وعن الضرر الذي قد يسببه. غير أنها لا توفر أية معلومات عن المجموعات السكانية الأوسع نطاقاً ذات المميزات المختلفة عن الفئة الخاضعة للتجارب ـ كالسن والجنس والحالة الصحية والأصل الإثني وما إلى هنالك.
وعليه فإن رصد مأمونية العديد من الأدوية، وخصوصاً المنتجات الجديدة المعقدة لا تنتهي عند مرحلة التصنيع، بل يتعين أن يتبعها رصد دقيق للمرضى والمزيد من جمع البيانات العلمية. ويسمى هذا الجانب من مراقبة الأدوية الترصد اللاحق للتسويق.
أنشطة منظمة الصحة العالمية في مجال رصد مأمونية الأدوية تعزز منظمة الصحة العالمية مأمونية الأدوية من خلال البرنامج الدولي لرصد الأدوية، الذي بدأ تطبيقه في عام .1968 وكان في البدء مشروعاً رائداً يطبق في عشرة بلدان تنفذ نُظم تبليغ وطنية راسخة بشأن التفاعلات الدوائية الضارة، وقد توسعت هذه الشبكة توسعاً ملحوظاً مع إقامة المزيد من البلدان في كل أرجاء العالم مراكز للتيقظ الدوائي التي تسجل التفاعلات الدوائية الضارة. وتشارك حالياً 86 بلداً في هذا البرنامج.
وتتمثل أبرز مهام برنامج رصد الأدوية في تحديد «الإشارات» التي تدل على وجود مشكلات بخصوص مأمونية الأدوية في أبكر وقت ممكن. وتعرّف منظمة الصحة العالمية «الإشارة» على أنها «المعلومات المبلغ عنها بشأن علاقة سببية محتملة بين حدث ضار ودواء ما» لم يسبق الكشف عنها من قبل.
وتقوم المراكز الوطنية للتيقظ الدوائي بإحالة الحالات المبلّغ عنها من التفاعلات الدوائية الضارة إلى المركز المتعاون مع المنظمة للمراقبة الدولية للأدوية في أبسالا، السويد. ويتم تخزين التقارير الخاصة بالحالات في قاعدة بيانات التفاعلات الدوائية الضارة. ويوجد أكثر من 3 ,1 مليون سجل حالات في قاعدة البيانات هذه، التي تشكل المصدر الأكثر شمولاً للمعلومات الدولية عن التفاعلات الدوائية الضارة.
وبالإضافة إلى ذلك عمدت المنظمة إلى:
*إنشاء نظام لتبادل المعلومات بانتظام بين الدول الأعضاء بخصوص مأمونية المنتجات الصيدلانية ونجاعتها، وذلك بالاستعانة بشبكة من المسؤولين الإعلاميين الوطنيين المعيّنين.
* ضمان نقل المعلومات الجديدة عن الآثار الضارة الخطيرة للمنتجات الصيدلانية على الفور إلى السلطات الصحية الوطنية.
* إعداد وتعميم دلائل إرشادية حول إقامة مراكز وطنية لمراقبة الأدوية.
* تدريب الأطباء وخبراء رصد مأمونية الأدوية في كل أرجاء العالم في مجال الأدوية الجديدة والمعقدة (مثل مضادات الفيروسات القهقرية).
*العمل مع البلدان لتدعيم سلطات تنظيم الأدوية وإقامة نُظم للتبليغ عن التفاعلات الدوائية الضارة.
* تيسير الاتصالات بين الجهات المؤثرة الرئيسية (السلطات التنظيمية، والشرطة، وموظفي الجمارك.. إلخ)، لمكافحة الأدوية المزيفة على المستويات الوطنية والإقليمية والمستوى العالمي.
آفاق المستقبل
يتوقف مستقبل مأمونية الأدوية على النطاق العالمي كثيراً على قدرة البلدان على إقامة نظم محلية لرصد الأدوية، والتبليغ عن المعلومات وتخزينها. وتزمع منظمة الصحة العالمية تدعيم عملية تقديم المساعدات التقنية بالتعاون مع السلطات الوطنية لتنظيم الأدوية بغية بلوغ المزيد من الاتساق العالمي في طريقة رصد الأدوية والطريقة التي يتم التعامل بها مع الإشارات بوجود تفاعلات دوائية ضارة على الصعيدين الوطني والعالمي.
ومن الأهمية بمكان أن يتم تحويل هذه الإشارات على وجه السرعة إلى قرارات سياسية على المستوى الوطني لضمان سلامة المرضى.
