يلجأ العديد من الأطفال المصابين بالتوحد إلى سلوكيات غير مناسبة للوصول إلى متطلباتهم أو تلبية احتياجاتهم الأساسية، مما يؤدي إلى تعريض الآباء والعاملين مع هؤلاء الأطفال إلى الإحباط مما ينعكس سلباً على العملية التعليمية ونشاطات الحياة اليومية.
وفي الحقيقة فإن الإنسان يستخدم أي وسيلة ناجحة وتؤدي الغرض بغض النظر عن التبعات مما يؤدي بالضرورة إلى تكرار السلوكات نفسها لأنها وبالنسبة للطفل تثبت دائماً فعاليتها في نفسها للوصول إلى ما يريد، إذا تعرفنا على الحاجة التي تمت تلبيتها وقمنا بالتحكم فيها باستخدام قوة هذه الحاجة (كحافز) يستطيع تعليم الطفل طريقة مقبولة للوصول إلى الهدف الأساسي. بالإضافة إلى تعليم الطفل بأن هذه الطريقة في التواصل عن طريق ثورات الغضب لم تعد ذات نفع بعد الآن.
نقاط أساسية
هنالك ثلاثة احتياجات أساسية يمكن للسلوك السلبي أن يعبر «وظائف السلوك»:
1- جلب الانتباه أو الوصول إلى الحاجة المرجوة.
2- الهروب من وضع معين أو موقف معين.
3- السلوك الذي يقوم به الطفل يجلب له إحساسا جيدا.
أهم وأول مرحلة أو خطوة هي التعرف على السلوك المماثل ومعرفة لماذا يتصرف الطفل بهذا الشكل. و غالباً ما يعطينا المحيطون بالطفل وجهة نظرهم عن سبب السلوك فقد يقولون بأن ذلك بسبب العند، المرض، الجوع أو الدلال الزائد. بالطبع هناك العديد من الأسباب وأحياناً تظهر وأحياناً لا تظهر ولكن في حال وجود ثبات في السلوك فهذا يعني وجود علاقة بين السلوك وما يحدث بعد وما حدث قبل السلوك وهذا ما يؤدي إلى استمرارية السلوك. و وظيفة معالج السلوك هو التعرف على تلك العلاقة، مما يؤدي إلى وضع خطة مناسبة لتعديل ذلك السلوك.
ومن المهم أن لا يركز فريق العمل على من الملام في هذه المشكلة السلوكية، وذلك حتى لا يحرج أي شخص محيط بالطفل أو يتحول إلى دفاعي مما يعتبر علامة غير صحية سواء على الفريق أو الأسرة.
ولا بد من التأكيد على أنه لا أحد يقصد أن يعلم الطفل السلوكيات السيئة، وبدلاً من ذلك لابد من التدرب على حل المشكلات السلوكية وجمع المعلومات اللازمة. ومن أجل تحديد العلاقة السابقة الذكر لابد من قضاء وقت كاف في مراقبة وتسجيل المعلومات ما الذي حدث مباشرة قبل السلوك «السلوك القبلي» وماذا حدث بعد السلوك «السلوك البعدي».
يمكن تسجيل تلك السلوكيات عن طريق العاملين مع الطفل بصورة يومية أو من خلال مراقب خارجي. ولابد من المصداقية في جمع المعلومات وتسجيل السلوكيات بحرفيتها وليس وجهة نظر المراقب.
فعلى سبيل المثال بدلاً من أن يكتب «كان محمد جائعاً» كسلوك قبلي يكتب «وقف محمد أمام الثلاجة وسألته الأم ماذا تريد» وبدلاً من كتابة «ثار محمد غاضباً» كوصف للسلوك يكتب المراقب وقع محمد على الأرض وكان يصرخ ويركل بقدميه على الأرض بقوة وبدلاً من كتابة «عاقبته أمه» كسلوك بعدي يكتب المراقب «حملته أمه ووضعته على الكرسي» وفي هذه الحالة نكون قد جمعنا الحقائق بدلاً من تحديد الأسباب ومن المهم تحديد الأوقات لحدوث السلوك وهذا مهم في تحديد ما إذا كان هناك منظومة معينة للسلوك.
بعد الانتهاء من جمع المعلومات لفترة من الزمن يقوم الفريق بمراجعة المعلومات للبحث عن العلاقات فعلى سبيل المثال يلاحظ الفريق بعد النظر إلى سلوكيات محمد بأنه لا يوجد أي إثبات في السلوكيات البعدية فقد يمشي أحد الأشخاص بعيداً عن محمد عندما يثور غاضباً واحدهم يحاول تهدئة محمد شوآخر يحاول وضعه في فترة إقصاء والشيء الوحيد الذي كان يتسم بالثبات وضعه هو بأن ثورة الغضب تحدث إذا قام أحد بسؤال محمد عما يريد لذلك فإنه تم تحديد علاقة بين هذا السلوك كسلوك قبلي وبين سلوك الهيجان ومن الممكن أن المعلومات التي تم جمعها قد عكست علاقة أخرى فقد يسأل أحدهم ماذا تريد، والآخر يسأل هل أنت جائع، وثالث يفتح الثلاجة ويقدم عصيراً لمحمد.
والشيء الوحيد الثابت هو أنه بعد ثورة الغضب يقوم كل واحد بعرض عدة أشياء أمام محمد حتى يختار ما يريد ويكف عن البكاء وهذا يعكس بأن هناك علاقة بين السلوك وبين الحصول على ما يريده.
بعد تحديد العلاقة يمكن وضع الخطة المناسبة.
إجراءات خفض السلوك تتضمن ما يلي:
1- التحكم في ما يحدث قبل السلوك (السلوك القبلي).
2- إبعاد المعزز الذي يؤدي إلى استمرارية السلوك.
3- تعليم الطفل سلوك بديل وذلك بتوفير تعزيز عالي الكثافة للسلوك البديل.
والهدف هو تعليم الطفل سلوك بديل (الكلام، الإشارة، تبادل الصور، المجسمات). وذلك للوصول إلى الوظيفة التي يؤديها سلوك ثورة الغضب، فعلى سبيل المثال فريق العمل مع محمد اكتشف أن ثورة الغضب تحدث فقط عندما يتم سؤال محمد عما يريد «سلوك قبلي» فقد يكون جزء جيد من الخطة التقليل أو الابتعاد عن استخدام نفس الجملة أو هذه الكلمات بالذات.
وبدلاً من ذلك قد يقترح الفريق فتح الثلاجة بشكل فوري وإعطاء محمد العديد من الخيارات التي يمكن أن يكون أحدها هو مبتغى محمد وفي حال أخذ محمد لأحد من هذه الخيارات يتم بشكل فوري تلقين محمد كلمات «أريد عصيراً أو عصير» باستخدام الكلمة أو الإشارة أو الصورة ، وحتى يتم تدريبه بشكل أكيد.
يمكن إعطاء عدة أشياء مع نفس عملية التلقين، ومن ثم يتم تقليل هذا التلقين إلى أن يصل محمد إلى الطلب حتى وإن لم يكن بالقرب من الثلاجة.
وبالطبع من المهم تعويد محمد على سماع السؤال «ماذا تريد» لأنه قد يتعرض لهذا السؤال في أي مكان ومن أي شخص، وقد يكون انزعاجه مرتبطاً بسلوك معين يقوم به الشخص خلال سؤاله ذلك كحمل لعبة صغيرة أو شيء معين أمام سؤاله مراراً وتكرارا ماذا تريد. ونعود ثانية إلى عدم تعليق أهمية على كيف حدث السلوك ولكن من المهم أن يفهم كل فرد في الفريق كيف تؤثر الإستراتيجيات التعليمية على الطفل، ولابد من التركيز على حل المشكلة بالدرجة الأولى.
وفي هذه الحالة وكجزء من برنامج محمد العلاجي هو تلقين محمد لطلب أشياء بسيطة مما يحب وإدخال السؤال «ماذا تريد» بين الحين والآخر أو قد يقرر الفريق ربط تلك الكلمات مع معززات معينة تقولها عندما يكون مندمجا بنشاط يحبه ولا يطلب منه أي استجابة، فعلى سبيل المثال عند مشاهدة محمد للتلفاز ولبرنامج يحبه بالذات يمكن سؤاله ماذا تريد «فيديو» بصوت مريح.
ومن المهم الربط بين السؤال والإجابة في آن معا حتى يتعلم محمد أن السؤال لابد أن يتبع باستجابة، وبعدها قد يتم إيقاف الفيديو بشكل مؤقت بين الحين والآخر ويتم تلقين محمد حتى يطلب الفيديو باستخدام الكلمات والإشارة الصور والمجسمات.
تطبيق ما سبق قد يحول دون حدوث ثورات الغضب ولكن لابد من التفكير بخطة في حال حدوث ثورة الغضب في أي وقت. التعزيز هو ما يحدث بعد السلوك. وبالرغم من أن كل شخص في المثال الأول قد تصرف بشكل مختلف إلا أن السلوك تم تعزيزه بدليل أنه مازال مستمر. والحقيقة تقول بأنه إذا تم تعزيز السلوك بشكل متقطع برنامج «مختلف الفترات» فقد يكون من الصعب إبعاد السلوك لذا كجزء من الخطة قد يقرر الفريق استخدام نظام العدد في حال وجود أي ثورة غضب.
وفي حال توقف محمد عن البكاء عند العد للرقم عشرة يتم تلقينه أن يطلب ما يريد. وفي حال وجود الثورة كبديل للطلب «لأنه من الخطورة» بمكان أن تكون هذه طريقته دائما في الوصول إلى ما يريد وللأسف ففي كل مرة يتم إعطاء الطفل ما يريد بعد كل ثورة غضب فإن هذا السلوك سوف يتكرر في المستقبل.ليس لأن الطفل يفعل ذلك عن قصد ولكن هذا يحدث بسبب حصول الطفل على ما يريد بعد كل حالة غضب.
وفي بعض الأحيان قد يتوقف السلوك وذلك عند عدم تقديم المعزز المطلوب ولكن قد يظهر الطفل نفس هذه السلوكيات مرات عديدة، ومرة أخرى فإنه من المهم استخدام نفس الإجراءات وعدم السماح للطفل بالوصول إلى المعزز السلوك إذا لم يتم استخدام نفس الإجراءات فإنه قد يعود وبحده أكبر وقد لا يطفئ في المستقبل ولابد من أن يقوم كل من يعمل مع الطفل بإتباع نفس الإجراءات المتبعة لتعديل السلوك على سبيل المثال إذا عمل والدي محمد على تعليمه استخدام الإشارة لطلب الأشياء.
ثم تأتي حاضنة محمد التي لا تعلم أي شيء عن تاريخ محمد في ثورات الغضب أو الإجراءات المتبعة، فإذا بدأ بالبكاء تقوم بفتح الثلاجة وعرض الأشياء على محمد حتى يتوقف عن البكاء فإن ذلك يؤدي إلى ضياع كل ما قام به والدي محمد بعمله. وفي الختام لا بد من تعليم الطفل استخدام الإشارة أو الكلمات أو الصورة وكطريقة للتعبير عن الاحتياجات الأساسية وأن يفهم بأن السلوكيات السلبية لا تكون ناجحة ولن توصله إلى ما يريد.
