لعل من أصعب نتائج ولادة الطفل مصاباً بفقدان أو ضعف السمع، أو عند حدوث مشكلة السمع في السنوات الأولى من حياته، هو عدم تمكنه من اكتساب وتعلم اللغة والكلام. وبالتالي فقدانه القدرة على التواصل الشفهي مع المحيطين به. فاللغة هي وسيلة الإنسان الأولى في التواصل، بها يعبر عن حاجته ومشاعره وأحاسيسه، وبها يفهم ويتعامل مع المحيطين به وبواسطة اللغة يكتسب معارفه وتطور قدراته العقلية والإدراكية وبها يتعلم تعاليم دينه وقيم مجتمعه واللغة هي وعاء الفكر.

عدم تمكن الطفل من اكتساب اللغة والتواصل الشفهي يمتد تأثيره على جميع أفراد الأسرة فما أصعب على الوالدين عندما يجدون صعوبة في التواصل مع طفلهم أو فهم ما يدور بخاطره ومعرفة مشاعره والأكثر صعوبة عندما لا يسمعون كلمة (بابا) أو (ماما) ينطقها الطفل للمرة الأولى في حياته. وما أصعب على الطفل أن يعيش في عزلة لا يستطيع التواصل فيها مع أقرانه الذين يسمعون. ولتمكين الطفل المصاب بحاسة السمع من تعلم اللغة والكلام لجأ المختصون إلى عدد كبير من الطرق والأساليب. فهناك من نادى بتعليم الأطفال نطق الأصوات المنفردة. وهناك من نادى وطبق تعليمهم الكلام عن طريق لفظ الأصوات بشكل معين. وهناك من اكتفى بتعليم الإشارة اليدوية وقراءة الشفاه والأبجدية الإصبعية باعتبارها من وسائل التواصل الطبيعية عند فاقدي حاسة السمع.

في واقع الأمر، إن الطرق والوسائل المتعددة التي اتبعت في تعليم الصم، يحتاج إلى صفحات كثيرة ولا يوجد مجال لذكرها في الوقت الحالي، ونجد أن القاسم المشترك بين هذه الطرق والأساليب هو اعتمادها على حاسة البصر واللمس في تعليم الأطفال المصابين، وإهمالها حاسة السمع، أي عدم الاعتماد على بقايا السمع الموجودة عند كل طفل مصاب (تقريبا).والكلام كما هو معروف عبارة عن مجموعة من الأصوات اللغوية تنتج عن حركة أعضاء النطق، أي إنها إشارات صوتية - سمعية تختلف فيما بينها بصفات معينة، يمكن سماعها وتمييزها، وتعلم نطق هذه الأصوات يعتمد في الدرجة الأولى على سماعها وملاحظة العلامات الفارقة بينها وربطها بالمعنى الدال عليها. وهذه جميعها مهارات عقلية تتم في مناطق معينة في الدماغ.

إن تعليم نطق هذه الأصوات من خلال القناة البصرية أي من خلال ملاحظة حركة أعضاء النطق لا يجدي نفعا لأسباب عدة أهمها:

إن حركة أعضاء النطق متشابهة عند عدد كبير من الأصوات وهناك اختلاف في حركة اللسان عند نطق الصوت الواحد في حالة كونه الصوت الأول أو الأخير في الكلمة، إضافة إلى ذلك، هناك عناصر كثيرة في الكلام لا يمكن ملاحظتها اعتماداً على حاسة البصر مثل الإيقاع والتنغيم وطبقة الصوت وغير ذلك من العلامات المهمة في نطق الأصوات، وبكلمات أخرى، لا يمكن تعلم نطق الأصوات الكلامية من دون تعلم الصفات السمعية أو (الأكوستيكية) في هذه الأصوات.

لذا نجد أن الطرق والأساليب التي سبق ذكرها، قد تجاوزها الزمن وذلك مع تطور التكنولوجيا الحديثة في مجال السمع والمعينات السمعية التقليدية والمعينات الرقمية، وأجهزة زراعة القوقعة والمعينات السمعية المزودة بتقنية ئح، وغير ذلك من التقنيات الحديثة في مجال أجهزة الكشف عن حاسة السمع، حيث إن التقنيات السمعية الحديثة هذه، مكنت الأطفال المصابين بحاسة السمع، من استغلال بقايا السمع في اكتساب اللغة والتواصل الشفهي الطبيعي، مثله مثل أي طفل آخر غير مصاب، لذا أصبح الحديث عن طرق علاج أو تدريب لا تعتمد على بقايا السمع من مخلفات الماضي.

وقد مكن تطور العلوم وبشكل خاص في مجال علوم النفس وعلم نفس النمو، على وجه التحديد، وعلوم اللغة والصوتيات وفيزياء الصوت، الباحثين من تحديد الطرق التي يكتسب بها الطفل اللغة والكلام. وتبين أن الطرق المتعددة التي استخدمت في الماضي في تعليم الأطفال المصابين، غير مناسبة وتتعارض مع الطرق الطبيعية التي يكتسب بها الطفل الكلام فعلى سبيل المثال تبين أن الطفل يكتسب نطق الكلمات كوحدة واحدة وليس أصوات منفردة. وبتجميع هذه المعارف والعلوم وتطويع التكنولوجيا الحديثة في مجال السمعيات، نشأ وتطور ما يعرف بالعلاج السمعي - الشفهي أو الطريقة السمعية - الشفهية» في تعليم الأطفال المصابين بحاسة السمع.

* ما هو العلاج السمعي الشفهي؟

من استعراضنا السابق، تتضح بعض ملامح هذه الطريقة لعلاج الأطفال المصابين بحاسة السمع. فالعلاج السمعي - الشفهي عبارة عن طريقة أو أسلوب في تدريب مصابي السمع على اللغة والكلام، وتمكينهم من اكتساب اللغة والتواصل الشفهي، اعتماداً على تدريب بقايا السمع واستخدامها إلى أقصى حد ممكن في تنمية المهارات السمعية عند المصابين، وذلك باستخدام التكنولوجيا الحديثة في مجال أجهزة السمع والمعينات السمعية وأجهزة زراعة القوقعة.

ويتم تطوير اللغة والكلام والتواصل الشفهي عند الأطفال المصابين، من خلال الاعتماد على مبادئ اللغة الكلية. كما يتم من خلال تدريب الأطفال على التمييز السمعي للأصوات والكلمات والجمل والعبارات، وتمييز السمات الفارقة بين الأصوات والمقاطع اللفظية. وهذه هي السمات التي تميز الأصوات اللغوية عن بعضها بعض، هي التي يتم تدريب الأطفال على تمييزها، وذلك عن طريق استغلال بقايا السمع وتطوير مهارة الإنصات والاستماع.

*ما هو الهدف من العلاج السمعي الشفهي؟

الهدف الأول والأساسي من العلاج السمعي - الشفهي تطوير قدرة الطفل المصاب بحاسة السمع على الكلام والتواصل الشفهي والتمكن من الاندماج في التعليم العادي مثله مثل أقرانه السامعين. معظم مصابي حاسة السمع من الممكن أن يطوروا قدراتهم السمعية باستخدام التقنيات السمعية الحديثة والتدخل المبكر وأساليب التدريب الحديثة التي تركز على تدريب الطفل الاعتماد على بقايا السمع في تطوير اللغة والكلام والتواصل الشفهي.

مبادئ العلاج العامة

هناك مجموعة من المبادئ يقوم عليها هذا الأسلوب في العلاج هذه المبادئ يمكن تلخيصها بالنقاط التالية:

* التعرف المبكر على مشكلة السمع من خلال برامج البحث واختبارات السمع للمواليد الجدد والأطفال في مرحلة رياض الأطفال.

* تطبيق اختبارات السمع الصحيحة والمناسبة والمتابعة الدورية لمشكلة السمع.

* تزويد الطفل بمعين سمعي مناسب لطبيعة مشكلة السمع التي يعاني منها، أو إجراء عملية زراعة القوقعة في حالة عدم الاستفادة من المعين السمعي. وبذلك يتم استخدام بقايا السمع إلى أقصى حد ممكن.

* المتابعة الدورية للمعين السمعي أو جهاز زرع القوقعة من قبل أخصائي السمعيات.

* إشراك أسرة الطفل في عملية تعليم وتطوير اللغة والكلام والتواصل الشفهي، وذلك من خلال تدريبهم وإرشادهم على الطريقة المثلى في تطوير اللغة والكلام عند الطفل و التعامل الصحيح مع مشكلة السمع.

* إدخال مهارة الإنصات والاستماع والاعتماد على بقايا السمع في الحياة اليومية للطفل، سواء أكان ذلك في البيت أو المدرسة.

* تطوير اللغة والكلام والتواصل الشفهي، يتم من خلال مبادئ اللغة الكلية وليس من خلال التدريب على نطق الأصوات المنفردة، وذلك على عكس الأساليب والطرق الأخرى. وبذلك يتم الاعتماد على النموذج النمائي (التطوري) الطبيعي في تطور اللغة والكلام الشفهي.

تدريب حاسة السمع

يعد التدريب السمعي وبشكل خاص التدريب على مهارة الإنصات أو الاستماع ركنا أساسيا في العلاج السمعي - الشفهي. هذا التدريب يتم من خلال تسلسل متصل يبدأ بتدريب الطفل على اكتشاف وجود الصوت، ثم تميز الصوت والتعرف على عليه، ويعتبر فهم وإدراك معنى هذا الصوت الجزء الأخير بهذه السلسلة.

* المرحلة الأولى: اكتشاف الأصوات

* المرحلة الثانية: تمييز الأصوات

* المرحلة الثالثة: التعرف على الأصوات

* المرحلة الرابعة: فهم وإدراك الأصوات

في المرحلة الأولى يدرب الطفل على الانتباه والاستجابة للأصوات المحيطة به، ويدرب كذلك على عدم إعطاء استجابة عند غياب الأصوات. ومن أهم المهارات التي يدرب عليها في هذه المرحلة، هو الوعي بوجود الصوت وذلك من خلال تدريبه على البحث عن مصدر الأصوات. بعد ذلك يدرب على الانتباه الانتقائي للأصوات بمعنى اختيار الصوت الذي سوف ينتبه له، يدرب الطفل كذلك على ملاحظة أصوات مختلفة من ناحية التردد والشدة أو الارتفاع مثل أصوات متنوعة من البيئة أو أصوات ألعاب أو حيوانات ... الخ.

في المرحلة الثانية، يتم تدريب الطفل على ملاحظة الاختلاف بين صوتين أو أكثر من الأصوات اللغوية، وأن يستجيب بشكل مختلف عند سماع كل صوت مثل ملاحظة الاختلاف بين الأصوات من ناحية موقع اللفظ.

وطريقة اللفظ، وكذلك، الجهر والهمس في الأصوات اللغوية.في المرحلة الثالثة يدرب الطفل على التعرف على المثيرات الصوتية من خلال الإشارة إلى الصور أو المجسمات التي تمثل الصوت أو الكلمة أو المقطع اللفظي، وكذلك كتابة الكلمات التي يسمعها (إذا كان في مرحلة تعلم الكتابة).

أما في المرحلة الرابعة، فيتم الاهتمام بشكل أولي بتطوير فهم واستيعاب معنى الكلمات والعبارات والجمل التي يسمعها. ويتم كذلك الاهتمام بتطوير الذاكرة السمعية. وهناك تدريبات سمعية أخرى كثيرة لا يوجد متسع لذكرها في هذه المقالة.نختم حديثنا بالإشارة إلى مجموعة من العوامل يعتمد عليها نجاح تطبيق العلاج السمعي الشفهي، هذه العوامل هي:

* السن التي تم فيها تشخيص المشكلة، فكلما كان التشخيص مبكراً، كلما كانت النتائج أفضل.

* سبب العجز السمعي.

* درجة وشدة الإعاقة السمعية بمعنى كمية بقايا السمع الفعلية الموجودة عند الطفل.

* فعالية ونوعية المعينات السمعية التي يتم تزويد الطفل بها. ونشير هنا إلى استعمال المعين السمعي المناسب لمشكلة السمع - إجراء اختبارات السمع الدقيقة والصحيحة، وبرمجة المعين السمعي بناء على هذه المعطيات.

*درجة اشتراك العائلة في عملية التعليم و التدريب و مهارتهم في تطبيق هذا الأسلوب داخل البيت.

* درجة الذكاء.

* الطريقة التي يتبعها الطفل في التعلم.

ناظم فوزي - بكالوريوس في علم الإعاقة ماجستير في اضطرابات اللغة والكلام