تتطوّر الصورة البيانية للأمراض المنتشرة على الصعيد العالمي تطوّراً سريعاً. وتتجلى تلك الحقيقة بشكل خاص في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط، حيث باتت الأمراض المزمنة تشكّل عبئاً ثانياً يُضاف إلى عبء الأمراض المعدية. وحتى أقل البلدان نمواً، كما ستبيّنه هذه الروايات، لم تنجو من استفحال الأوبئة المتمثّلة في أمراض القلب والسكتة والسرطان وغير ذلك من الأمراض المزمنة.

لا تقتصر تلك الأمراض، عكس الاعتقاد السائد، على الرجال القاطنين في البلدان ذات الدخل المرتفع - الحقيقة هي أنّ %08 من الوفيات الناجمة عن الأمراض المزمنة تحدث الآن في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط وتطال الرجال والنساء على نحو مماثل تقريباً. ومن الحقائق الأخرى اللافتة للنظر حقيقة أنّ الأمراض المزمنة ستودي بحياة نحو 53 مليون شخص هذا العام - مما يشكّل أكثر من %06 من مجموع الوفيات المقدّرة على الصعيد العالمي لهذا العام والبالغ عددها 85 مليون حالة.

في هذه السلسة من الروايات نستعرض تجارب أشخاص يتعايشون مع أمراض مزمنة وما تنطوي عليه تلك الأمراض من مخاطر محتملة معروفة. وتهدف هذه الروايات، في عالم باتت فيه الأمراض المزمنة تخلّف المزيد من الوفيات وعدة ملايين من حالات العجز، إلى تبيان الأثر الشديد الذي تخلّفه تلك الأمراض على الأفراد وأسرهم.

زاهدة بترت ساقها بسبب السكري

تبلغ زاهدة من العمر 65 عاماً، وقد تعايشت مع داء السكري منذ أن كان عمرها 45 عاماً. لم تكن زاهدة، طوال سنوات عدة، تدري أنّها مصابة بالمرض. وتقول، متذكّرة تلك الفترة، «كنت أشعر بالتعب والدوخة طوال الوقت. وكنت أعاني أيضاً فقدان الذاكرة وكثرة التبوّل».

تجاهل المرض

في المرة الأولى استشارت فيها زاهدة طبيباً في المستشفى المحلي، قيل لها خطأً إنّ نتائج اختبار الدم الذي أُجري لها طبيعية، وبعد ذلك، تجاهلت أعراض المرض طوال ثمانية أعوام قبل أن تستشير الطبيب ثانية. وكان ذلك في إسلام آباد حيث كانت قد انتقلت مع أسرتها للعيش هناك. تأكّدت أخيراً إصابة زاهدة بداء السكري بعد أن أُجري لها اختبار دم ثان. ووصف الطبيب لها الأنسولين، وبدأت تشعر بالتحسّن بعد الحقنة الأولى من الدواء.

بتر الساق

عانت زاهدة، كما يحدث غالباً لدى الأشخاص المتعايشين مع داء السكري، مضاعفات وخيمة كان من الممكن تلافيها، فلم تلتمس العلاج اللازم بعد إصابتها بقرحة في قدمها، ما اقتضى بتر إحدى ساقيها تحت الركبة. « قال لي الطبيب إنّ ذلك متصل بداء السكري وأنّني انتظرت كثيراً قبل التماس العلاج». تُحمّل زاهدة المستشفى المحلي مسؤولية عدم الانتباه، في أول الأمر، لنسبة الغلوكوز المرتفعة في دمها، غير أنّها تدرك أيضاً أنّه كان ينبغي لها الإسراع بإبلاغ طبيبها بالقرحة التي ظهرت في قدمها.

معاناة جسدية ونفسية

حالياً، تتماثل زاهدة للشفاء تدريجياً في منزلها من الآثار الجسدية والنفسية الناجمة عن العملية الجراحية التي خضعت لها.

يمكن، على غرار الأمراض المزمنة الأخرى، توقي النوع الثاني من داء السكري- وتوقي الكثير من مضاعفات داء السكري التي يمكن أن تؤدّي إلى البتر.

كوزانتيامال : فقدت بصري

بدأ القلق يساور كوزانتيامال قبل عامين عندما بدأت غشاوة بيضاء تحجب النظر عن إحدى عينيها وبعد ذلك ضعُف بصرها بسرعة، مما صعّب عليها العمل في حقلها والاعتناء بأسرتها. لكان أقرب مستشفى على بعد من بيت كوزانتيامال التي لم تكن قادرة على تحمّل تكاليف العلاج فيه. نما إلى علم كوزانتيامال، بعد ظهور الأعراض عليها بفترة قصيرة، أنّ عيادة متنقلة لتشخيص أمراض العيون كانت تزور إحدى القرى المجاورة. وقد أُقيمت تلك العيادة من قبل مستشفى أرافيند لطب العيون الكائن في مادوراي بالهند من أجل الوصول إلى سكان القرى الريفية النائية.

الساد أولاً

ذهبت كوزانتيامال إلى العيادة وتبيّن، خلال دقائق معدودة، أنّها مصابة بالساد (الكتركتا). برمجت العيادة لكوزانتيامال عملية جراحية في المستشفى الأسبوع التالي لنزع الساد (الكتركتا) من عينها بدون مقابل. وكان البرنامج يشمل أيضاً تغطية تكاليف النقل. وتعلّق كوزانتيامال على ذلك قائلة «لقد جاءت حافلة لتأخذني أنا وسبعة أشخاص آخرين إلى المستشفى».

يخضع حوالي %70 من المرضى في المستشفى لجراحة عيون ورعاية لاحقة من دون مقابل، ذلك أنّ نفقات علاجهم يدفعها ال%30 الآخرون القادرون على سداد تكاليف الرعاية الطبية التي يتلقونها. كما أنّ المستشفى ينتج ويبيع عدسات تصحيح البصر للمساعدة على تغطية تكاليف الخدمات التي يقدّمها.

أُجريت لكوزانتيامال، البالغة من العمر 67 عاماً، عملية جراحية ناجحة على عينها الأخرى قبل بضعة أشهر، وهي تقول « إنّ العملية مضت كلمح البصر، إنّها معجزة فعلاً- فكأنّك تفيق من النوم وتجد أنّ مشاكلك قد اختفت ».

مالري تواليب : البدانة تهدد صحتي

مالري تواليب في الخامسة من عمره وهو يعيش في قرية ريفية فقيرة تقع في منطقة كيليمنجارو بجمهورية تنزانيا المتحدة. وقد لمح العاملون الصحيون التابعون لأحد المراكز الصحية المجاورة، العام الماضي، مشكلة الوزن التي يعاني منها مالري، وذلك خلال زيارة روتينية قاموا بها لتفقّد الحالة الصحية للمجتمعات المحلية. وكان التشخيص واضحاً: سمنة الطفولة. وفرط الوزن الذي يعانيه مالري يجعله عرضة لطائفة من الأمراض المزمنة مثل أمراض القلب والسكتة والسكري من النمط الثاني وبعض أنواع السرطان.

طعام دسم

إنّ حالة مالري الصحية لم تتحسّن، فهو لا يزال يتناول كميات كبيرة من الثريد والدهون الحيوانية وكميات غير كافية من الخضر والفواكه. تقول فضيلة، أم مالري، « إنّ من الصعب جداً العثور على خضر وفواكه بأسعار معقولة عندما لا تسقط الأمطار».

لاحظ العاملون الصحيون المجتمعون، أثناء زيارة قاموا بها مؤخراً إلى قرية مالري، أنّه لا يزال يحمل الكرة المفرّغة من الهواء ذاتها التي كان يحملها من قبل- فلا يمكن رؤية تلك الكرة وعدم ملاحظة كلمة «الصحة» المطبوعة عليها.

البيئة المحيطة ببيت مالري مليئة بنفايات البناء الحادة والصدئة، وساحة البيت لا تتّسع بما يكفي للعب الكرة. والحقيقة أنّ مالري نادراً ما يلعب خارج البيت، فأمه تقول « إنّ البيئة خارج البيت محفوفة بالمخاطر، ويمكن أن يصيبه الضرر بسهولة».

مشكلة شائعة

ترى فضيلة، التي تعاني السمنة هي أيضاً، أنّ سمنة ابنها لا تنطوي على أية مخاطر وأنّ وزنه سينخفض بصورة طبيعية مع مرور الوقت. إنّ البدانة شائعة في أسرتنا، وليس فينا من عانى أو يعاني أمراضاً مزمنة، فلم القلق إذن ؟

ماريا: السرطان بدأ خلسة

يصعب على ماريا سالونيكي تذكّر عدد المرات التي لجأت فيها إلى المداوي التقليدي المحلي، وعدد المرات التي تردّدت فيها على الأطباء، وعدد الكلمات التي استخدمتها لوصف آلامها. غير أنّها تتذكّر بوضوح أنّها عادت إلى بيتها في كل مرة دون تلقي النوع المناسب من العلاج والرعاية. تقوم ماريا حالياً، وهي مربية ماشية وأم لعشرة أطفال، بمصارعة المرض في معهد أوشن رود لمكافحة السرطان الكائن في دار السلام بجمهورية تنزانيا المتحدة.

مضى أكثر من ثلاثة أعوام قبل أن تكتشف ماريا اسم المرض الذي يؤلمها- سرطان الثدي- وقبل أن تتلقى المعالجة الكيميائية التي كانت بحاجة ماسّة إليها. تقول ماريا البالغة من العمر 60 عاماً، متذكّرة بداية مرضها، « لقد بدأ كل شيء بانتفاخ في الحفرة الإبطية وحمى شديدة، ووصف لي المداوي التقليدي دهاناً نباتياً، كما وصف لي الأطباء مضادات حيوية في أول الأمر. بل انّ بعضهم قال لي إنّه لا يمكن فعل أي شيء للتخفيف من الألم».

لم يُكشف عن مرض ماريا إلاّ بعد فترة، وذلك بفضل عملية اختزاع أُجريت لها في دار السلام. يعمل زوج ماريا ليلاً نهاراً للتمكّن من شراء الأدوية لزوجته وإطعام أطفالهما. وقد سلّفته قبيلته بعض الأموال أيضاً لتغطية جميع تكاليف العلاج، ولكنّه ما زال غير قادر على تحمّل تكاليف السفر لزيارة زوجته. وأمام الأسرة عام واحد لسداد تلك السلفة.

تُعد رواية ماريا رواية عادية في وسط الأشخاص الذين تراهم في جناح المستشفى، الذي يشكو نقص اليد العاملة والمعدات. إنّ نقص فرص الحصول على الرعاية الصحية الجيدة يعني غالباً، بالنسبة لآلاف النساء، أنّه لا يمكن الكشف عن السرطان إلاّ بعد فوات الأوان.

الساد

الساد (الكتركتا) يُعد السبب الرئيسي للعمى على الصعيد العالمي. وبفضل العمل الرائد الذي تقوم به مستشفيات مثل أرافيند يتسنى لمن تقلّ فرص حصولهم على الرعاية الصحية الاستفادة من عمليات تنقذ أبصارهم ما كانوا ليستفيدوا منها في ظروف أخرى.