خلف الأبواب المغلقة والجدران والستائر المنسدلة الكثير من القصص والحكايا المؤلمة، التي يرغب البعض بعدم البوح بها، انطلاقا من المثل المعروف «خليها في القلب تجرح ولا تطلع لبرّة وتفضح»، ولكن حينما تتعاظم تلك المشكلات سرعان ما تطفو على السطح، وتبدو ظاهرة للعيان من خلال تصرفات وسلوك الشخص، سواء باح بها أم لا.
قصص عديدة وتجارب مختلفة، من بينها قصة تلك السيدة التي ضحّت بزهوة شبابها من أجل تأمين مستقبل آمن لأفراد أسرتها، فاضطرت إلى السفر والعمل بعيداً عن عائلتها للحصول على مزيد من الأموال، وبعد سنوات من المعاناة اليومية في الغربة، عادت لتجد أن رصيدها البنكي قد زاد ولكنها فقدت أعز ما تملك من الزوج والأطفال الذين كانوا ينظرون إليها كآلة لضخ المال، وليس كأم أو زوجة أو إنسانة ارتضت لنفسها تحمّل المشاق لوحدها لتأمين مستقبل أفراد أسرتها.
الزوج بات بعيداً عن زوجته - البعيد عن العين بعيد عن القلب - والبُعد جَفا - والأمثال الشعبية تجسّد هذا الواقع بكلمات بسيطة من أجل أن ليفهمها الجميع مهما كان مستواه الثقافي والتعليمي والاجتماعي والمادي، ومع ذلك لا يصحو الواحد منّا من غفوته إلا بعد أن يقع الفأس في الرأس.
هي قسوة أخرى لا شك أن الكثير من الأشخاص من حولنا يعانون شكلاً من أشكال تلك القسوة، التي سرقت منّا أعز ما نملك، الألفة والمحبة والدفء وحتى الصدق والقيم النبيلة، لأننا نعيش في زمن باتت فيه المادة هي العنصر الفعّال، أما المشاعر فهي العنصر الخامل. قاسية أنت أيتها الغربة كشتاء صحراوي حيث الوجع ينخر في العظم، ويتعاظم الألم، وحينما يبقى الشخص وحيدا بين مخاوفه وطموحه تقتلع آهاته أزهار الفرح.
إنه القحط يا سيدتي..
القحط مرة ثانية وفي زمن القحط كل شيء يتغير، وفي زمن القحط لم يعد للقيم النبيلة أي دور في حياتنا، سوى الأرقام، ماذا بعت وكم كسبت، ولهذا تخبو المشاعر الإنسانية كضوء الشمعة. وجوه غريبة تدّعي الفرح، وأشخاص تجردوا من مشاعرهم، يجيدون فنّ المكائد والصعود على أكتاف الآخرين. قصة تلك السيدة لا تعدّ من القصص النادرة، إنّها حقيقة يمكن أن تكون موجودة في العديد من البيوت، ولكن بأشكال مختلفة، أما أبطالها فقد يكون كل واحد منّا أو الشاهد على ما يحدث.
الحياة المشتركة بين الزوجين، تتطلب التضحية والعمل معاً وتحمّل مشاق الحياة للوصول إلى بر الأمان. هي قسوة أخرى.. تحدّ من الإبداع والقدرة على الإنتاج والتواصل مع الآخرين، وتسبب اضطرابات نفسية وجسدية وتهدد استقرار الحياة العائلية. ووفقا لما يؤكده خبراء الصحة النفسية فإن السعادة الزوجية تتأثر بعدد من المشكلات الحياتية، وأن الشخصية النكدية، أو الأنانية، أو العدوانية المضطربة، تحوّل الحياة الزوجية إلى جحيم وإلى مشكلات لا تنتهي.
العلاقة الزوجية مشروع طويل الأمد يتطلب الإعداد والجهد والجد وفيه مسؤوليات متنوعة. قد يكون الزوج في مرحلة ما هو العصر الفعّال فيها، وقد تكون الزوجة في مرحلة أخرى هي أيضاً، وبغض النظر عن هذا أو ذاك، فالعلاقة الزوجية المستقرة التي تشع سعادة تتطلب من كلا الزوجين، التضحية لتحقيق السعادة والاستقرار بعيداً عن المشكلات التي إن تعاظمت تحطم البيت مهما كان كبيراً.
للأسف نقول إن هناك من يضحّي بشريك حياته، ويتجاهل ما قدمه وما تحمّل من مشاق خلال حياته للتمتع بنشوة النصر وحيداً، ولكنه مع مرور الأيام يكتشف أن نشوة النصر تلك كانت مزيفة، وان النشوة الحقيقية لا يمكن لشخص دون الآخر التمتع بها. الحياة المشتركة تقوم على الاحترام والتضحية. إنها دعوة للاستفادة من القصص والحكايا لتحقيق الاستقرار العائلي. همسة «لا ندرك قيمة الماء إلا بعد أن يجف النبع»