عندما تم لأول مرة التعرف على متلازمة العوز المناعي المكتسب (الإيدز) على أنها كيان سريري مستقل، عام 1981 م، كان الظن أنها لا توجد إلا في الولايات المتحدة الأميركية، ولا سيما في زمر معينة، هي مجموعات الشواذ جنسيا ومتعاطي المخدرات بالوريد.
ولكن، سرعان ما تبين خلاف ذلك بعدما أبلغت بلدان أخرى في أوروبا وأميركا في عامي 1982، و1983 عن وجود المرض فيها. وقد أصبح هذا المرض الآن يتصدر اهتمامات رجال السياسة والعاملين في مجال الصحة العمومية والصحافة والجمهور.
حول الايدز وطرق انتشاره وسبل الحد منه يقول الدكتور محمد حلمي وهدان: إن المعطيات المتاحة تقدم عدد الحالات التي أبلغتها البلدان باختيارها، وهي لا تعكس بدقة معدل حدوث المرض على الصعيد العالمي، وتقوم بعض البلدان بالإبلاغ عن الحالات فيها بانتظام، ويقوم بعضها بالإبلاغ دوريا في حين لا ترد أي بلاغات على الإطلاق من بعضها الآخر، ومن المرجح أن التقدير الحالي لعدد حالات الإيدز يبلغ الآن ضعفي العدد المبلغ عنه منذ بداية جائحة الإيدز، ألا وهو 200 الف حالة تقريباً.
إن الحالات المبلغة لا تمثل سوى علامة صغيرة لوضع كامن بالغ الخطورة، فكثيرون من المخمورين دون أعراض بعد، ينتظر أن تظهر فيهم الأعراض في المستقبل، ففي خلال خمس سنوات من العدوى تظهر أعراض الإيدز على ما يقرب من % من المخموجين، في حين يصاب %40 آخرون بحالة تعرف باسم المتلازمة المرتبطة بالإيدز.
أما الـ %35 الباقون. فنجهل مدى احتمال حدوث المرض فيهم. ولا نعرف إلا قليلا لماذا يبدي بعض المخموجين أعراضا ولا يبديها غيرهم. وربما كان ثمة عوامل معينة تثير تطور الخمج إلى مرض. ومنها التعرض المتكرر للعدوى، والخمج بأمراض تنتقص الوظائف المناعية كالتدرن أو البرداء، ثم الحمل، وربما العوامل الوراثية.
يعتقد أن الخمج متى وقع استمر مدى الحياة. ولما كان الخمج لا يتطور بسرعة إلى مرض يعقبه الموت أو الشفاء، فإن هناك زيادة تراكمية في عدد المخموجين. ولا يعرف على وجه اليقين العدد الحقيقي للأفراد المخموجين بفيروس العوز المناعي البشري في مختلف البلدان.
وإن كانت معرفته من المتطلبات الأساسية لوضع الاستراتيجيات الوطنية للوقاية والمكافحة. ووفقا للتقديرات الحالية، يوجد في العالم حوالي 5-10 ملايين شخص يعتقد أنهم مخموجون بالإيدز، ومن ثم فإنهم معرضون للمشاكل الصحية المرافقة لفيروس العوز المناعي البشري. ويعني هذا وجود 50 - 100 مخموج أو أكثر بهذا الفيروس، مقابل كل حالة من حالات الإيدز المقدرة المعروفة.
الصورة الوبائية
تتجلى الصورة الوبائية للمرض في شتى أنحاء العالم بثلاثة أنماط متميزة :
النمط الأول
يلاحظ في الولايات المتحدة الأميركية، وأوروبا الغربية، واستراليا، ونيوزيلندا، حيث تقع معظم الحالات بين الجنوسيين (الشواذ جنسيا)، لا سيما الذكور، الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و49 عاما، إذ تتراوح نسبة الذكور إلى الإناث من 1 : 10 إلى 1 : 15. وتحدث العدوى غالبا من خلال المقارفات الجنوسية.
أما العدوى الناجمة حتى الآن عن الجماع بين الجنسين، فلا تتسبب إلا في نسبة صغيرة من الحالات، وإن كانت الآن في تزايد، وأما العدوى الناجمة عن الدم ومنتوجاته، إذا استثنينا تعاطي المخدرات بالوريد، فإن أهميتها في تناقص، لما تتخذه معظم هذه البلدان من إجراءات لتحري الدم. وما زالت العدوى حوالي الولادة قليلة الأهمية، لأن معدل الانتشار المصلي في المجتمع هو في حدود %1، وإن كان هذا المعدل يرتفع في الشواذ جنسيا فيبلغ %50 في بعض المجتمعات.
النمط الثاني
فهو النمط السائد في شرق أفريقيا ووسطها وجنوبها، حيث تنتقل العدوى غالبا عن طريق الجماع بين الجنسين، وتبلغ نسبة الذكور إلى الإناث، 1 : 1 كما تشيع العدوى حوالي الولادة، وقد يكون للحقن دور هام في انتقال العدوى لأن التعقيم الصحيح للمحاقن والإبر شائع، والمحاقن الوحيدة الاستعمال غير مستخدمة على نطاق واسع.
ومعدل الانتشار المصلي مرتفع، وقد يصل في بعض الفئات، لا سيما صغار البالغين، إلى %15. وتتجاوز معدلات الخمج بفيروس العوز المناعي البشري %80 بين البغايا في بعض المجتمعات.
النمط الثالث
هو النمط الذي يغلب الإبلاغ عنه في الشرق الأوسط وآسيا وفي عدد كبير من بلدان المحيط الهادي، حيث يبدو أن الفيروس قد دخل هذه الأجزاء من العالم مؤخرا، وحيث تحدث العدوى بالاتصال بين أفراد من الجنس الواحد أو الجنسيين على السواء،
وتصادف الحالات عموما في أشخاص سافروا إلى مناطق متوطنة أو خالطوا أهلها، وفي أناس نقل لهم دم مجلوب من بلاد ينتشر فيها الإيدز. ومعدل حدوث المرض في تزايد، ولكن معدل الانتشار المصلي ما زال منخفضا جدا. مما يوحي بالانخفاض النسبي لمعدلات الغزو في المجتمع.
طرق العدوى
تم استفراد العوز المناعي من الدم والمصل وسائل أجزاء الجسم المختلفة، بما فيها المني، وسائل عنق الرحم والمهبل، ولبن الثدي، والدموع، واللعاب، بيد أن الدراسات الوبائية التفصيلية التي أجريت في شتى أنحاء العالم تعزو العدوى بوجه خاص إلى الدم والمني وإفرازات عنق الرحم والمهبل، واستفراد الفيروس من أحد سوائل الجسم لا يعني حتما أن لهذا السائل شأنا في العدوى. فقد أوضحت جميع الدراسات الوبائية أن هنالك ثلاثة طرق رئيسية للعدوى هي:
عن طريق الجنس
فيروس العوز المناعي فيروس ينتقل عن طريق الجماع بين أفراد الجنس الواحد أو الجنسين على السواء، وهذا الطراز من العدوى مسؤول عن أكثر من %90 من حالات الخمج. غير أنه ينبغي أن لا يغيب عن الذهن أن لا خطر من العدوى عن طريق الاتصال الجنسي إذا كان طرفاها غير مخموجين، كأن يكونا زوجين علاقتهما الجنسية مقصورة عليهما،
شريطة أن لا يكون أحدهما قد انعدى قبل الزواج، أو بطريق آخر من العدوى، مثل نقل الدم، وهناك ممارسات وعوامل جنسية معينة تزيد من خطر العدوى، مثل الجماع في الشرج، وتعدد القرناء الجنسيين، ووجود أمراض أخرى منقولة جنسيا، والمخالطة الجنسية للبغايا،
فالجماع في الشرج أخطر من الجماع في المهبل، لا سيما بالنسبة للقرين المتلقي، لأنه كثيرا ما يؤدي إلى حدوث تمزقات طفيفة في الغشاء المخاطي للمستقيم يمكن من خلالها للمفاويات المخموجة ولفيروس العوز المناعي أن تدخل في أنسجة هذا القرين ومجري دمه. أما الجماع في المهبل فيمكن أن يؤدي إلى انتقال الفيروس من رجل مخموج إلى امرأة أو من امرأة مخموجة إلى رجل.
عن طريق الحقن
أما حالات الإصابة بالإيدز عن طريق نقل الدم ومنتوجاته، فتمثل نسبة ضئيلة ولكنها هامة من مجموع الحالات، إذ تبلغ 2 ـ %5. ويحدث هذا النمط من العدوى بنقل الدم المخموج أو منتوجاته، واستعمال الإبر والمحاقن الملوثة وسائر الأدوات الملوثة التي تخترق الجلد.
ويتضح من الدراسات التي أجريت على حالات التعرض لحقنة واحدة، أن خطر العدوى بالفيروس يتعلق باللقاحة، فالذين ينقلون وحدة واحدة من الدم من شخص مخموج ، معرضون بشدة لخطر العدوى (بنسبة %90 تقريبا).
وقد تبين حتى الآن أن ما يؤدي إلى العدوى بالفيروس هو الدم الكامل ومكوناته الخلوية (الكريات) والمصورة (البلازما) وعوامل التجلط، ولم تثبت العدوى بالمنتوجات الأخرى المستحضرة من الدم (الغلوبلينات المناعية، والأليومين، وأجواء بروتين (البلازما).
وقد تصبح العدوى عن طريق الدم ونواتجه مشكلة هامة في البلدان التي لم تقم بعد بتنفيذ برنامج لتحري الدم على النطاق القطري بحثا عن الإصابة بالفيروس. وفي البلدان التي ترتفع فيها معدلات الإصابة يوجد فيما يبود، علاقة بين الإيدز والحقن لأسباب طبية ولأغراض الطقوس العقائدية، لا سيما حيث لا تتوافر المحاقن والإبر وحيث إجراءات التعقيم غير الكافية.
من الأم للجنين
قد تحدث العدوى حوالي الولادة قبل ميلاد الجنين أو أثنائه أو بعده بقليل، وعلى الرغم من توثيق طرق العدوى الثلاثة هذه. فإن الأهمية النسبية لكل منها لم تتحدد بعد. وعموما فإن أخطار انتقال الفيروس من الأم المخموجة إلى رضيعها يتراوح بين % و %50 فقد أبلغ عن تعرض الرضع للإصابة بالعدوى بعد الولادة من أمهات أصابهن الفيروس بعد الوضع. ويظن أن لبن الثدي هو الطريق الممكن للعدوى في هذه الحالات.
وتختلف الأهمية النسبية لطريق العدوى المختلفة من قارة إلى أخرى، ومن بلد لآخر، بل حتى داخل البلد الواحد من جماعة إلى أخرى، وهي تتصل أيضا بإدخال طرق تحري الدم ومنتوجاته، مما يحد من دورها في العدوى.
ولا توجد حتى الآن بينات عن إمكان انتقال الفيروس عن طريق الجهاز التنفسي أو الأمعاء أو المخالطة الشخصية العارضة أو في محيط الأسرة أو العمل أو المدرسة أو المحيط الاجتماعي. كما لا توجد بينات عن أن المرض ينتقل عن طريق الحشرات أو الطعام أو الماء أو المراحيض أو حمامات السباحة، أو المقاعد أو أواني الأكل والشرب المشتركة أو غيرها من الأصناف، مثل الملابس المستعملة أو أجهزة الهاتف.
ولدى الجمهور مخاوف من انتقال العدوى عن طريق اللعاب، كأن يكون ذلك باستعمال أدوات يستخدمها المصابون أو أثناء أعمال طب الأسنان. ويبعث على الاطمئنان ملاحظة أن معدل استفراد الفيروس من اللعاب منخفض جدا (1 - %2) من المصابين.
وبعد، فإن فيروس العوز المناعي البشري لا ينتشر بشكل عارض، وإنما نتيجة لنشاط آدمي يمكن للإنسان التحكم فيه. فالعدوى يمكن الحد منها إلى مدى بعيد بضبط الممارسات الجنسية، وتحري الدم قبل نقله، واجتناب إعادة استعمال الإبر والمحاقن الملوثة أو الاشتراك في استعمالها.
الجوانب الاجتماعية
سبق أن وصف الإيدز في مناسبات كثيرة بأنه مشكلة اجتماعية أكثر من كونه مشكلة طبية، وهذا صحيح، لأن وقوع الإيدز، شأنه شأن الأمراض الأخرى المنقولة جنسيا، يرتبط بعدد من العوامل الاجتماعية، أهمها الجنوسية أو الشذوذ الجنسي وتعاطي المخدرات والبغاء.
أ - الشذوذ الجنسي
ليس هناك من شك في أن الشذوذ الجنسي سلوك ممجوج اجتماعيا، ومرفوض قانونيا.
ب - البغاء
ثمة بينات على انتقال العدوى فيما بين الجنسين يلعب دورا متزايد الأهمية في نقل فيروس العوز المناعي البشري في هذا الجزء من العالم وللبغايا في هذه المشكلة دور لا ينكر فلقد ثبت في بعض الظروف أنهن كن حلقة الوصل التي تتسرب من خلالها العدوى إلى بعض المجتمعات.
ج - تعاطي المخدرات بالوريد
إن تعاطي المخدرات عن طريق الوريد سلوك ذو شأن كبير في انتقال الإيدز، ومن المعروف أنه في الولايات المتحدة وأوروبا يتعاطى المخدرات وريديا بانتظام ما بين 1 و 3 في الألف من السكان، بالإضافة إلى ما بين 1، 3 في الألف يتعاطونها في بعض الأحيان. ويشكل متعاطو المخدرات مجموعة منعزلة لا تصل إليها السلطات الصحية بسهولة لأنها تتكون عادة من أشخاص مضطهدين ممن لا يستجيبون للتثقيف الصحي. وعادة ما يضطرهم إدمان المخدرات إلى مزاولة السرقة والعنف والبغاء.
إن اقتراح إجراءات لمعالجة مشكلة المخدرات فيما يتعلق بانتشار الإيدز، سهل الكلام ولكنه صعب التطبيق. وبعض الناس يروجون حلولا ساذجة لمشكلات معقدة، مثال ذلك الدعوة إلى توزيع المحاقن بالمجان. ولا يمكن لأحد أن يصدق أن هذا هو الحل، خصوصا إذا أخذنا في الحسبان أن ثمن الحقنة والإبرة لا يمثل إلا نسبة ضئيلة من ثمن المخدر،
ويتحدث بعض الناس أيضا عن مناشدة المدمنين أن يتفهموا عواقب مسلكهم الخطر ويتحملوا مسؤولياتهم الأدبية. ولكن بعض علماء الاجتماع يعتقدون أن ذلك أمر متعذر التحقيق بين فئة يتقمصها بالفعل سلوك غير رشيد كتعاطي المخدرات. وهم يرتابون في إمكانية التوصل على المدى البعيد. إن سبيلا واحد فقط هي التي من شأنها السيطرة على العدوى بفيروس العوز المناعي البشري من خلال تعاطي المخدرات، ألا وهي برامج معالجة المتعاطين للمخدرات.
أرقام وحقائق
لقد كان فيروس الإيدز واسع الانتشار في كثير من البلدان، قبل أن يدرك العلماء وجوده، وقبل الإبلاغ عن حالاته الأولى في عام 1981 م. وقد تم منذ التعرف لأول مرة على الإيدز وحتى نهاية شهر يوليو 1988 م. إبلاغ منظمة الصحة العالمية بما يزيد على مئة وثمانين ألف حالة من مئة وأربعين بلدا.
وقد تم الإبلاغ عن أكبر عدد من الحالات ( أكثر من 79 الف حالة ) من الأميركتين، حيث بلغت المعدلات التراكمية المبلغة لحدوث الإيدز، أعلى مستوياتها في جزر الكاريبي، لا سيما برمودا وغيانا الفرنسية، إذ تجاوزت هذه المعدلات 100 / 100 الف من السكان. ويوجد في الولايات المتحدة الأميركية أكبر كم من الحالات في العالم (أكثر من 69 الف حالة)، ويبلغ المعدل التراكمي لحالات الإيدز المبلغة 82/ 100 الف من السكان.
وفي أفريقيا أبلغ 45 بلدا عن وجود ما يقرب من 15 الف حالة. وهناك اختلافات كبيرة في معدلات الحدوث التراكمية، وتبلغ هذه المعدلات أعلاها في الكونغو (58/ 100 الف)، تليها بورندي فأوغندا فرواندا حيث تزيد على 10/ 100 الف. أما في جمهورية أفريقيا الوسطى وملاوي وزامبيا وتنزانيا وكينيا وزيمبابوي وزائير فتتراوح هذه المعدلات بين 10, 1/ 100الف.
وفي أوروبا، أبلغ 28 بلدا عن وجود أكثر من 13ألف حالة ومعدلات الحدوث في أوروبا الشرقية تقل كثيرا عن نظائرها في أوروبا الغربية حيث تعتبر معظم بلدانها عرضة لوباء الإيدز. وتوجد أعلى معدلات حالات الإيدز التراكمية المبلغة في فرنسا، وسويسرا، والدنمارك، وأسبانيا، وألمانيا الاتحادية، وبلجيكا، وإيطاليا.
إصابات متزايدة
يقدر أنه خلال السنوات الخمس المقبلة سيظهر مليون إلى مليوني حالة جديدة من حالات الإيدز في أشخاص مخموجين الآن بالمرض. ويمثل هذا زيادة تقدر بعشرة أضعاف عدد الحالات المبلغة حتى الآن. وقد يتجاوز عدد الحالات المتوقعة خلال عام 1988 وحدة 100 الف حالة. وإذا ظلت جائحة المرض تستشري، لا يكبح جماحها شيء فإن عدد المخموجين في العالم في السنوات المقبلة سيكون مخيفا حقا، وسيتزايد بعد ذلك بنسب تتعذر السيطرة عليها
