كثيراً ما نسمع أن العبرة تقاس بالنتائج، ولكن إلى أي حد يمكننا الاتفاق مع هذه المقولة ؟

لعل الإسراع بالحكم على نتائج آليات العمل الصحي دون النظر إلى تفاصيل هذه الآليات وطرق عملها هو فعل خاطئ.إن الحكم على أداء منظومة صحية يتطلب البحث في تفاصيل مقومات هذه المنظومة والتي تتمثل في العنصر المنفذ لعمل تلك المنظومة، بروتوكولات عمل تلك المنظومة، الأدوات المنفذة لعمل تلك المنظومة وأخيرا تحديد نطاق عمل المنظومة والشريحة المستهدفة لعمل تلك المنظومة، وبمراجعة أداء كل مستوى يمكن الحكم على نتائج تلك المنظومة. ولعل التركيز على قراءة النتائج دون اعتبار لباقي عناصر المنظومة، كمن يشاهد قمة جبل الثلج المغمور بالمياه ويتجاهل جسم الجبل. وبكل الأسف نجد أن البعض يسقط أحكامه على منظومات العمل الصحي وفق هذا المنظور، مما أفرز طريقة خاطئة في التعامل مع المشكلات الصحية، حيث أصبح كل التركيز منصباً على مرحلة ما بعد الإصابة بالمرض أو مرحلة ظهور مضاعفات المرض والإعاقة متناسين تماما ذلك الجزء غير المنظور من منظومة العمل الصحي الذي يهدف إلى منع حدوث المرض أو المضاعفات.

يقوم هرم الخدمات الصحية على قاعدة عريضة تسمى الخدمات الصحية الأولية، يليها الخدمات الثانية وأخيرا الخدمات الثلاثية. ولعل الطب الوقائي هو واحد من حصون و قلاع الطب الهامة في مجال استئصال وتحجيم ظهور الكثير من الامراض.

حمل القرن الثامن عشر الميلادي الإعلان الحقيقي لولادة هذا الفرع من الطب والذي نشأ كأحد فروع الصحة العامة. ومن المفارقات الغريبة أن هذا الفرع من الطب وكما يشير اسمه ( الطب الوقائي) ظهر إلى الوجود قبل أن يتعرف الإنسان على العديد من مسببات الأمراض.

ولقد كانت أول إرهاصات هذا النوع من الطب على يد الجراح جيمس لند (1716- 1794) الذي كان يعمل بسلاح البحرية الأميركي والذي لاحظ ارتباط الإصابة بداء الإسقربوط (الحذاء) ونقص تناول الفواكه والخضروات الطازجة، لذلك أوصى بضرورة تناولها لتجنب الإصابة بهذا الداء وقد كان ذلك في العام 1753م.

ثم استمرت المحاولات، ليحمل الراية أحد تلامذة الدكتور جيمس وهو الدكتور ادوارد جنر والذي لم يتردد في تجربة لقاح الجدري على ابنه في سبيل فائدة البشرية و قد كان اكتشاف هذا اللقاح في العام 1796م واحدا من الإضافات التي أدت إلى ظهور بداية عصر جديد هو عصر الوقاية من الأمراض وفق مقاييس و محددات موضوعة.

ولم يثبت الطب الوقائي أقدامه إلا بعد اكتشاف العوامل المسببة لبعض الأمراض و ظهور نظرية التجرثم لتفسير بعض الأمراض.

حمل النصف الأخير من القرن التاسع عشر العديد من إشراقات بدايات الطب الوقائي، حيث تم تسجيل العديد من الاكتشافات المهمة في مجال الطب الوقائي مثل علاج باستير المضاد لداء الكلب(1883م) ولقاح الكوليرا(1892م) ومضاد سم الدفتريا (1894م) و اللقاح المضاد للتيفود(1898م)

ومن ثم توالت الإضافات لهذا الفرع من الطب خاصة بعد البدء في التعرف على كيفية انتقال بعض الأمراض. ومن ضمن هذا السياق ما قام به الطبيب البريطاني بروس في العام 1896 حيث كشف الدور الذي تقوم به ذبابة التسي تسي في نقل مرض النوم الإفريقي، وأيضا ما قام به الطبيب روس في العام 1898م في كشف أن بعوضة الانوفلس هي الناقل لمرض الملاريا. ثم توالت الاكتشافات ففي العام 1900م قام والتر ريد وزملاؤه بتوضيح أن بعوضة الأيديس هي الناقل لمرض الحمى الصفراء.

وبدأت عجلة العلم والاكتشافات تدور وزادت حدود المعرفة في علم البكتيريا مما مكن العلماء بالتحكم في مسيرة بعض الأمراض عن طريق استخدام أدوات وآليات تعمل على قطع العلاقة بين المرض والمسبب وطرق الانتقال للمرض مثل الحجر الصحي، وتنقية المياه، و طريقة البسترة واستعمال طرق إبادة الحشرات.

وكما هو الشأن في كافة العلوم الأخرى، بدأت العلوم الطبية بالنهوض وأدى تطور الوسائل المخبرية للاكتشاف المبكر للعديد من الأمراض عن طريق الفحوصات الاستقرائية المبكرة. لعل هذه الاكتشافات والإضافات غيرت مفهوم العاملين بالطب الوقائي من مجرد العمل على التحكم في ظهور الأمراض المعدية إلى أكثر من ذلك، حيث امتد مفهوم الطب الوقائي إلى توفير الوقاية الأولية والثانية والثالثة، وإن كان الهدف الأساسي لهذا الفرع منع حدوث الأمراض.

ولقد اعتبر الانتصار الحقيقي للطب الوقائي هو التسارع في مجال اللقاحات البكتيرية و الأمصال المضادة مما أدى إلى تحجيم العديد من الأمراض البكتيرية. ولعل الشاهد على ذلك هو انخفاض الوفيات الناتج عن الأمراض البكتيرية مثل الدفتريا، والزحار والتيفود وغيرها من الأمثلة. ولم يقف التسارع إلى هذه الدرجة بل أضيف الكثير إلى مجال الطب الوقائي بعد الاكتشافات المذهلة في علم الفيروسات، حيث كانت اللقاحات واحدة من نتائج هذا التقدم في علم الفيروسات.

ولعل لقاح شلل الأطفال هو أحد هذه النجاحات المهمة. كما يعتبر استئصال بعض الأمراض الجذري واحداً من أهم النجاحات مثل استئصال مرض الجدري ( تم تسجيل آخر حالة إصابة بهذا المرض بالصومال في العام 1977م).

إن رافد اللقاحات وما أسهم به في رفع المعاناة عن كاهل البشرية هو نجمة مضيئة في سماء الطب الوقائي ولكنها ليست آخر النجوم المضيئة. فقد كانت التطورات المتقدمة في مجال علم التغذية وواحدة من الروافد الجديدة في نهر الطب الوقائي.

وقد أدى معرفة الارتباط بين بعض الأمراض ونقص بعض العناصر الغذائية إلى إضافة المزيد نحو آفاق الطب الوقائي. وأمكن عن طريق وضع خطط واستراتيجيات معينة تجنب بعض الأمراض مثل مرض العشى الليلي، واضطرابات الغدة الدرقية الناتجة عن نقص اليود وغيرها من الأمراض.

يعتبر اكتشاف المبيدات الحشرية واحداً من تلك النجوم المضيئة في سماء الطب الوقائي وواحداً من روافده المهمة. وقد كان لتلك المبيدات الحشرية مثل أل د.د.ت دور في تغيير استراتيجيات التحكم في الأمراض المنقولة عن طريق الحشرات مثل الملاريا، والطاعون وغيرها والتي كانت تشكل إلى وقت ليس بالبعيد هاجسا صحيا عالميا.

وكما السيل الجارف تسارعت إضافات أفرع الطب المختلفة لتضيف العديد من الروافد لنهر الطب الوقائي، فقد أدى التطور في علم الأدوية والعقاقير إلى اكتشاف العديد من المضادات الحيوية مثل السلفا، ومضادات الملاريا ومضادات الدرن ومضادات الصرع، مما فتح الباب للعلاج الدوائي الوقائي بصورة فردية أو جماعية.

ونتيجة لكل تلك الإضافات ابتدأ الشكل الوبائي للعديد من الأمراض بالتغير و ذلك نتيجة تفعيل برامج الوقاية و العلاج و لعل إطالة العمر المتوقع للفرد بمشيئة الله لهو ابلغ دليل على نجاح سياسات الطب الوقائي خاصة في الدول النامية.

ولعل هذا الوضوح في أهداف الطب الوقائي، أعلن البدء لولادة عصر و مفهوم جديد للطب الوقائي يرمي إلى الاستئصال الجذري للامراض و ليس التحكم فيها فقط. وما أن بدأ القرن العشرون، حتى أضيف رافد جديد للطب الوقائي و هو الاستقراء المبكر للامراض في مرحلة ما قبل ظهور المرض، ففي العام 1933 كان أكثر الاختبارات شيوعا و استخداما هي اختبارات الدلائل المصلية للزهري واستخدام الأشعة السينية للاستقراء المبكر للتدرن الرئوي.

وعلى الرغم من العديد من أصوات الاعتراض على زيادة استخدام مثل هذه الاختبارات، إلا أنها تبقى و واحدة من أهم الإضافات في مجال الطب الوقائي، وقد كانت لمشكلة التضخم السكاني الأثر البالغ على مسيرة الطب الوقائي، حيث أدت إفرازات الانفجار السكاني و ما نتج عنه من مشاكل اجتماعية، اقتصادية، سياسية و بيئية إلى ظهور و انتشار أشكال و أنماط وبائية جديدة.

إن التطور في مجال العلاج الدوائي والجراحي بالرغم من التطورات المذهلة التي أصابته، إلا أنها اعتبرت إضافات في مجال الطب الوقائي بمفهومه الواسع ولم تعتبر بديلا له. كما أدى تغير الأنماط المعيشية إلى ظهور نوعيات جديدة من المشاكل الصحية مثل مشكلات الأمراض المزمنة غير المعدية كداء السكر و ارتفاع الضغط وأمراض نقص التروية القلبية. كما أدى التطور المذهل في علم الإعلام و الوسائط التعليمية وارتفاع نسبة التعليم إلى فتح أبواب جديدة للطب الوقائي.

تمتد مظلة الطب الوقائي لتشمل ثلاثة مستويات:

1) مستوى الوقاية الأولية: وتهدف إلى منع ظهور المرض بين الأصحاء.

2) الوقاية الثانوية: وتهدف تحجيم المرض بين المصابين به

3) الوقاية الثالثة: وتهدف تقليل الإعاقة الناتجة عن المسار المزمن للمرض وقد نتج عن ذلك إعادة تعريف الطب الوقائي ليصبح ذلك الفن أو العلم الذي يهدف إلى تطوير الصحة و الوقاية من الأمراض و تحديد الإعاقة و إعادة التأهيل.

ويحقق الطب الوقائي هذا التعريف بتطبيق ثلاثة مستويات للرعاية الصحية:

1) الرعاية الصحية الأولية: وهي أول مستويات الاحتكاك بالخدمات الصحية من قبل أفراد المجتمع. وتعتبر هذه النوعية من الخدمات الصحية هي الخدمة الصحية الأساسية التي يقوم عليها هرم الخدمات الصحية. و يمكن على هذا المستوى حل العديد من المشكلات الصحية في مهدها.

2) الرعاية الصحية الثانية: و تمثل هذه النوعية أول مستويات الرعاية المتخصصة وأول مستويات الإحالة الطبية من مستوى الرعاية الأولية.

3) الرعاية الثلاثية : وتمثل هرم الخدمات الصحية ، حيث تمثل هذه الرعاية المستوى فائق التخصصية والعقل المفكر ومركز اتخاذ القرار للخدمات الصحية.

كان أول ظهور لمفهوم الرعاية الأولية في العام 1978 عقب مؤتمر( الماراتا) بالاتحاد السوفييتي السابق. وقد عرفت الرعاية الأولية بأنها الرعاية الصحية الضرورية التي تقوم على طرق عملية وعلمية واجتماعية مقبولة، قائمة على أساس تكنولوجي يمكن الوصول إليها عالميا بواسطة الأفراد والأسر في المجتمع عن طريق المشاركة الكاملة وبتكلفة يمكن للمجتمع و البلد توفيرها.

إن مفهوم الرعاية الأولية يمتد ليشمل ذلك المجهود المتناسق لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الصحية لسكان المناطق الريفية. وهذا لا يعني تكرار كافة آليات الرعاية الأولية في كل البلدان. ولكن تقوم كل دولة بتحوير تلك الآليات بما يتناسب مع إمكانيات تلك الدول وطبيعة المشكلات الصحية التي تواجهها.

إن المفهوم الصحيح للوقاية يقوم على معرفة المسبب، وحركة انتقاله، ومعرفة عوامل الخطر والمجموعات المعرضة له ووجود عناصر الوقاية والاستقراء المبكر ومعايير العلاج ووجود آلية إدارية لتنسق وترتب تواتر تلك العناصر وتوجه تلك المنظومة نحو الشريحة المستهدفة من المجتمع.

ولا يكفي تسيير المنظومة فقط بل ينبغي وجود آليات أخرى تتابع وتقيم عمل تلك المنظومات لتكفل المتابعة المستمرة والتطوير لتلك الآليات.

ويمكن للطب الوقائي التفاعل من خلال المستويات التالية ليحقق الأهداف المطلوبة منه:

1) الوقاية في المرحلة حول الإصابة بالمرض: لعل هذا هو أحد المفاهيم الجديدة المضافة إلى نهر الطب الوقائي. ويهدف هذا المفهوم إلى معالجة و منع ظهور تكون عوامل الخطر ضمن النطاق الجغرافي أو البشري ذلك قبل ظهور مرحلة المرض. لعل هذا هو أحد المفاهيم الرفيعة في الطب الوقائي والذي تتركز حوله الكثير من الدراسات الحديثة. ويتم الوصول لتطبيق هذا المفهوم عن طريق نشر الثقافة والتعليم الطبي وذلك عن طريق التواصل الفردي أو التواصل من خلال المجموعات.

2) الوقاية الأولية: و تعرف بأنها تلك المجموعة من الإجراءات المتخذة قبل حدوث المرض والتي تهدف إلى منع ظهوره. وهذا المستوى من مستويات الوقاية يتناسب ومرحلة التغيرات الباثولوجية المرتدة للمرض.

ويتم ذلك عن طريق تصميم معايير عامة تهدف إلى الارتقاء بمستوى الصحة العامة ونوعية معيشة أفراد المجتمع أو تصميم معايير خاصة لمواجهة مشكلات محددة. ويتجاوز مفهوم الوقاية الأولية منع حدوث الأمراض بل أيضا إلى مفهوم دعم الصحة الايجابي. وهذا المفهوم يعني تشجيع اتخاذ ودعم الحفاظ على مستوى مقبول من الصحة بحيث يمكن لكل شخص العيش في حياة منتجة اجتماعيا واقتصاديا.

امتدت مظلة الوقاية الأولية لتشمل الوقاية من الأمراض المزمنة غير المعدية مثل امرض نقص التروية القلبية، ارتفاع الضغط الشرياني و داء السكر و الأمراض السرطانية. ويتم ذلك بوضع آليات تسمح بمحو أو تقليل التعرض لعوامل الخطر المختلفة التي تؤدي إلى ظهور مثل تلك الأمراض.

وقد اعتمدت منظمة الصحة العالمية مستويين لتطبيق مفهوم الوقاية الأولية نحو الأمراض غير المعدية:

1) تطبيق الاستراتيجيات الشاملة وعن طريقها توجه معايير الوقاية لكل المجتمع بغض النظر عن درجات التعرض لعوامل الخطر.

2) تطبيق الاستراتيجيات التي تستهدف الأفراد المعرضين لعوامل الخطر. وهذا الأسلوب يعتمد على توفر آليات مخبرية أو سريرية تسمح بتحديد تلك الفئات.

3) الوقاية الثانية: تعرف بأنها مجموعات الآليات التي تهدف إلى وقف مسيرة و تطور المرض بعد حدوثه و قبل ظهور المرحلة السريرية للمرض وذلك لمنع حدوث مضاعفات المرض.

ويتم ذلك بتفعيل منظومة الاستقراء المبكر للمرض، و التدخل العلاجي الصحيح والكافي لمواجهة المرض. ويمتد الدور أيضا إلى حماية المجتمع من تفشي المرض ليصيب الآخرين. وبذلك يكون الأفراد المصابون قد تلقوا الرعاية الثانية وتلقى باقي أفراد المجتمع وقاية أولية.

وتمثل الوقاية الثانية عصب الطب السريري ، لذلك تقوم معظم استراتيجيات الحكومات على توفير كل الدعم لهذا المستوى وإن كنت أحبذ التركيز على مستوى الوقاية الأولية التي لا تكلف الكثير مثل مستوى الوقاية الثانية. إن هذا المستوى من الوقاية أكثر تكلفة من مستوى الوقاية الأولية و أقل فعالية.

4) الوقاية الثالثة: يهدف هذا المستوى من الوقاية إلى تقليل الآثار الناتجة عن المضاعفات أو الإعاقة الناتجة عن مسيرة المرض. وتتناسب هذه المرحلة مع مرحلة التغيرات الباثولوجية غير المرتدة. و تشمل هذه المرحلة الدعم النفسي، الاجتماعي، المهني والطبي للأفراد ويتم ذلك عن طريق التنسيق الكامل لفريق عمل يتعامل مع الفرد من كل النواحي.

حقيقة، إن الطب الوقائي هو العامود الذي يرتفع بمظلة الحياة وتصب به كل روافد العلوم الطبية المختلفة. لعل هذه الكلمات قد ألقت الضوء على أحد أفرع الطب المهمة التي في اعتقادي تستحق منا كل التقدير والامتنان لما يقدمه لنا من خدمات جليلة مرتبطة بواقع معيشتنا اليومي

د. المعتز الخير أحمد

مستشفى الملك فيصل التخصصي