من المفترض أن يكون عالم الطفولة بريئاً وخالياً من المنغصات ومشكلات الحياة اليومية التي تخطف الابتسامة من العيون التي تنتظر الفرح. الأطفال يتعرضون إلى ضغوط نفسية عديدة منذ الصغر، كالبيت والمدرسة ووسائل الاتصال المتنوعة. أطفال يعانون من فرط الرعاية بهم، وآخرون يفتقرون لأدنى مقومات الرعاية الصحية والنفسية. نتغنى بالطفولة وأحلامها الوردية، وننسى أو نتناسى المعاناة النفسية المحيطة بهم.
إنه الجانب الآخر الذي نغفله بقصد أو دون قصد. يميل الطفل للجلوس في غرفته صامتاً، متأملا، مستدعيا شريطاً من الأحداث التي يحاول أن يجد تفسيراً لها، تمهيداً للمساهمة في حلها، وفي كثير من الأحيان تعجز الكلمات ويبدو الصمت عنواناً بارزاً في حياته اليومية. حزن عميق وشعور بالألم، عدم الرغبة في مشاهدة التلفزيون، أو اللعب مع أقرانه.
وبسبب فقدان الأمل الذي يتملكه يبدو غير مبال، ولا يتناول طعامه، وتظهر عليه علامات الشعور بالوهن وانخفاض الوزن، وقد يكثر من تناول الطعام للتعويض عما يفتقده من الحب والحنان والشعور بالطمأنينة، وينخفض تحصيله الدراسي، بسبب الشرود الذهني، وقلة التركيز، وتداعي شريط الذكريات أمام عينيه.
اضطرابات جسدية وأخرى ذات منشأ نفسي. يبدو الطفل وكأنه فقد شخصاً عزيزاً عليه، أو شيئاً ثميناً كان يمتلكه. إنه الاكتئاب الذي يعد ضريبة الإهمال العاطفي وعدم الرعاية النفسية للأطفال منذ المراحل العمرية الأولية من حياتهم. إذ يعتقد الآباء والأمهات والقائمون على رعاية الأطفال أن تأمين الاحتياجات المادية للأطفال هي الجانب الأساسي، ويغفلون تلبية الحاجيات النفسية التي ينبغي عدم إغفالها، مهما كانت المبررات.
فالطفل بحاجة إلى أبويه، وإلى من يلعب ويتواصل معه، ومن يشبع تلك الحاجات الضرورية. غالبا ما يقع الطفل ضحية المشكلات العائلية داخل البيت، خصوصاً إذا كانت هناك حالة طلاق، سواء أكانت معلنة أم لا. ويعاني العديد من الأطفال من قلق الانفصال الذي ينجم عن التصاق الطفل بأبوية وانزعاجه البالغ لأي افتراق عنهم. وقد يقلق الطفل عند مرض أحد الأبوين أو حصول أي مكروه لهما - لا سمح الله -. وقد يكون هذا النوع جزءاً من حالة قلق عام عند الطفل، أو حالة مستقلة ناجمة عن تجربة مؤثرة مثل دخول أحد الأبوين للمستشفى أوالتهديد بالطلاق.
ونشير هنا إلى أن المبالغة في حماية الطفل قد تولد عنده قلقاً تطول آثاره، وتصاحبه فترات زمنية قد تطول أو تقصر. ومن الأعراض والأمراض التي يعاني منها الطفل اضطرابات جسدية ذات منشأ نفسي، مثل آلام في البطن، الصداع والغثيان وفقدان الشهية، وقلة النشاط، واضطرابات النوم، وفقدان الرغبة بالمدرسة، والميل إلى العزلة، والشعور بالضياع.
ووفقا لما تشير إليه الدراسات، فإن الكآبة زادت في صفوف الأطفال حتى بلغت نسبة الأطفال المكتئبين % 2-1، علماً أن هذه الظاهرة تختلف من مجتمع إلى آخر بحسب المناخات، والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تسوده.
وتشير الدراسات إلى أنه على الرغم من أن آثار الطلاق تكون صعبة عاطفياً على الأبناء فإن النتائج الحالية تظهر أن وضع العائلة قبل الطلاق يمكن أن يكون مؤذياً بنفس القدر او بشكل اكبر. لهذا يجب أن نولي اهتماماً أكبر لما يحدث للأطفال في الفترة المؤدية إلى طلاق الوالدين بدلاً من توجيه جل جهودنا لمساعدة الأطفال بعد وقوع الطلاق،
ولا بد من العمل على توفير الرعاية الصحية والنفسية للطفل من أجل استئصال المشاعر السلبية التي يعاني منها مهما كان سببها، سواء أكان الطلاق أم غيره. الطفل بحاجة إلى من يعتني به، ويقترب منه، ومن يلامس همومه ويقارب آماله.
همسة: متى ننظر إلى دواخل الطفل قبل الاهتمام بمظهره الخارجي ؟