رغم أن الحياة تتجدد كل صباح حيث تنشر الشمس أشعتها الدافئة لتعلن ولادة يوم جديد، إلا أنه يفضل البقاء في الفراش، ويبدي صعوبة في الاستيقاظ، ويشعر بفقدان النشاط، وعدم الرغبة في العمل، أو حتى التواصل مع الآخرين، ويرافق ذلك إحساس بالفراغ، وعقل متعب، ومزاج مضطرب، وانفعالات لأتفه الأسباب.

انه يعاني من الوهن الناجم عن الضجيج الذي يهدد حياتنا اليومية ويؤثر في صحتنا النفسية والجسدية، ويضعف الإنتاج ويقضي على روح الإبداع أيضا.

الضجيج الخارجي مهما كان مصدره سواء أكان في البيت أو الشارع أو العمل لا يقل عن الضجيج الداخلي الذي يقبع في كل واحد منا، ويمكن أن يؤدي لحالة من الانفجار غير المعلنة سلفا، أو دمار تدريجي تظهر آثاره بإعلان الطبيب عن حالة مرضية تهدد صحة الجسم.

ومن المعروف أن الطب قديماً كان يهتم بالمريض من جميع جوانبه الجسدية والنفسية والاجتماعية والمادية. أما اليوم فالطبيب يهتم بحالة المريض المادية قبل أي شيء آخر، رغم تأكيد الكتب الطبية على أهمية التعامل مع المريض على أساس «جسدي نفسي»، لا من حيث كونه يتكون من مجموعة من الأعضاء.

وتشير الدراسات القديمة منها والحديثة إلى أن الكثير من الأمراض العضوية ذات منشأ نفسي، وأن العديد من الأمراض النفسية تؤدي إلى اضطرابات جسدية، ومن بين هذه الاضطرابات ما يعرف بالوهن العصبي الذي يبدأ بالتعب والإرهاق وينتهي بالانهيار العصبي، الذي يعد ضريبة العصر الحديث الذي قضى على الهدوء النسبي الذي كان آباؤنا وأجدادنا يتمتعون به، فاليوم ضجيج المدن الكبيرة يؤدي للتوتر ويرهق أعصابنا المشدودة.

ووفقا لما تشير الدراسات فإن الضجيج يزيد من إفراز الهرمونات الكظرية التي تؤدي للإصابة بارتفاع ضغط الدم وتصلب الشرايين وأمراض القلب والأوعية الدموية والسكري.

ومن الهرمونات التي يزداد إفرازها الهرمونات الكورتزونية التي تضعف من مقاومة الجسم تجاه الأمراض المختلفة وتجعله فريسة سهلة بين أنيابها. وبالإضافة إلى ذلك فإن التعرض للضجيج المستمر يؤدي لحدوث الأذيات المختلفة في الأذن والأعصاب، ومن أهمها ضعف السمع والصمم التام والطنين.

ويؤكد الباحثون على أن القدماء كانوا يتمتعون بقدرات سمعية خارقة جداً بسبب الهدوء الذي كان سائدا في تلك البيئة. وللدلالة على مخاطر الضجيج الذي يحيط بنا نشير إلى مصادر الضجيج. ففي المنزل يعتبر كل من هدير المكيفات والأجهزة الالكترونية المختلفة كالتلفزيون والمكنسة الكهربائية ومعدات الطبخ الكهربائية وغيرها من مصادر الضجيج التي يمكننا التحكم بها إن أردنا، ولكن للأسف فقد اعتاد الكثير من الأشخاص على تشغيل التلفزيون بمجرد دخولهم المنازل، حتى وإن لم يكن هناك ما يستحق المشاهدة.

أما في أماكن العمل فقد كرّس نظام المكاتب المفتوحة الضجيج. فرنين الهواتف الذي لا يهدأ والأحاديث الجانبية وأصوات بعض الأجهزة تعتبر من مصادر الضجيج التي تضعف الإنتاج والقدرة على الإبداع. وضجيج الشارع يفصح عن نفسه دون استحياء.

وللحد من مصادر الضجيج في أماكن العمل والمؤسسات المكتبية يمكن وضع حواجز عازلة للصوت بين المكاتب، مع تنظيم آلية العمل واحترام الوقت، وخفض رنين الهواتف، ويمكن منع استعمال الهواتف المتحركة داخل أوقات العمل ووضع الهواتف الثابتة على جهاز التسجيل الآلي للمكالمات والاستماع إليها في أوقات معينة. وتؤكد الدراسات أن التعرض المستمر للضجيج لا يؤدي فقط إلى ما سبق ذكره من اضطرابات، إنما يصيب المرء بالاكتئاب الذي يدفعه للانتحار.

ولأن الضجيج والتوتر وجهان لعملة واحدة فإن هذه الحالة تؤدي لحدوث مشكلات عديدة في البيت ومكان العمل مما يهدد الحياة العائلية والعلاقات مع الرؤساء والزملاء والمراجعين أيضا.

لهذا كله ننصح بالابتعاد عن مصادر الضجيج والحرص على تنظيم أوقات العمل والراحة والتمتع بالاسترخاء وممارسة رياضة التأمل إضافة إلى التمارين الرياضية في الطبيعة، وسماع الموسيقى الهادئة التي تعيد للجسم توازنه المفقود، والحرص على العمل في مؤسسات تطبق قواعد الصحة العامة وتلتزم بشروط السلامة للعاملين لديها، وان لم يتوفر ذلك، فسدادة طبية للأذن أو الإصغاء للموسيقى الهادئة بوضع سماعات الأذن خير ما يمكن أن يلجأ إليه الإنسان للحد من الاضطرابات الناجمة عن الضجيج الذي يهدد حياتنا جميعا.

همسة..

تذكر أن الخدر الطويل يزيد من حدة الوجع، وأن الموسيقى الهادئة غذاء الروح في عصر طغت فيه المادة على كل شيء