لا يخفى على أحد الروتين الذي يعيشه الزوجان، فالزوج يأتي إلى البيت من العمل ويشغل جهاز التلفاز ويحاول تغيير المحطة التلفزيونية تحقيقا لرغبته في مشاهدة مواد تلفزيونية تروق لمزاجه أو ذائقته، ولكن الزوجة، بالمقابل، تعتبر هذا الموقف تحديا لها.
يكتشف الزوج تلك الانفعالات وخيبة الأمل المرسومة على ملامح زوجته فيهرع مبتعدا وانفعالات غاضبة ترتسم على قسماته وفي تلك اللحظات تقوم باتهامه بتجاهلها وإهمال وجودها. ويتكرر السيناريو أسبوع بعد أسبوعاً وفي النهاية يصل الزوجان إلى حافة الطلاق.
الطبيبة النفسانية مارشال روزنبرغ تصف الموقف بالموضوعية، فقامت برسم سيناريو يشارك فيه الزوجان وطلبت منهما أن يعبرا عن مشاعرهما حول تلك المشكلة والنتائج التي يرغب كل منهما في الإفصاح عنها. وعقب انفراد كل من الزوجين في الحديث عن انفعالاته ورأيه في المشاحنات بينهما. طلبت روزنبرغ من الطرف الآخر أن يكرر قول ما سمعه من الطرف الآخر. وكان هدفها التأكد من أن يفهم كل وجهة نظر الآخر. وسرعان ما يتبين أن الزوجة تعاني من الوحدة بينما الزوج محبط، ويتضح أن الزوجة ترغب في إقامة علاقة حميمة مع زوجها رغم كل الخلافات. والزوج من جانبه يأمل في أن يكون مطلق الحرية ويتصرف على هواه.
ويهدف هذا التدريب كشف حقيقة الاحتياجات والمشاعر التي تتيح الفرصة أمام الزوجين كي يقيما الاتصال مع بعضهما مع توفير الاعتبارات والوضوح. ويمكنهما الآن وضع خطة للوسائل التي من خلالها أن يشبعا احتياجاتهما.
ومن جانبها تقوم الزوجة بتخصيص جدول لقاءاتها مع صديقاتها للاجتماع بهن من حين لآخر في فترات ما بعد الانتهاء من العمل. ولكن ما ان يتأكد للزوج أن بإمكانه تقاسم الاختيار معها دون أن يشعر بأن أمرا ما فرض عليه، عند ذلك يصبح التلفاز خيارا أقل قهرية. وعندما يشعر الزوجان أن احتياجاتهما مهمة للآخر عند ذلك ستصبح العلاقة بين الطرفين بناءة بصورة مثيرة للدهشة.
وتقول الدكتورة روزنبرغ ولكن عندما تبدأ العلاقة بالتدهور فإن الأسئلة التي تسود بين الطرفين هي الخلاف هو رغبات انتقائية تقيد العلاقة بينهما فهو يقول «أرغب في هذا» أما هي فتقول «لكنني أرغب في تلك»، عند ذلك فقط يمكن تصوير العلاقة بين الزوجين أنها تعتمد على ميزان الربح والخسارة.
إصغاء واهتمام
يطلق على مقاربة روزنبرغ «الاتصال المتعاطف» أو «الاتصال غير العنيف» وتؤدي الكلمات على الأغلب إلى خلق شعور بالألم والضرر، لكن الجدول الإرشادي للاتصال غير العنيف يوجهنا إلى إعادة رسم الإطار الذي يرتب الطريقة التي نعبر فيها عن أنفسنا ونصغي في الوقت نفسه للآخر. وبدلا من أن يكون رد الفعل آلياً ينبغي أن تستند كلماتنا الواعية إلى أسس قوية من الوعي ومعرفة ما ندركه وما نشعر به وما نرغب به أو نريده.
ويبني الجدول الإرشادي الخاص بالاتصال غير العنيف كتابا يحتوي على (الاتصال غير العنيف: لغة الحياة)، ولنتخيل أهمية وجود هيئات تعمل على التقريب بين الزوجين في حال الخلاف وتباعد المواقف التي تؤدي بالزوجين إلى الوصول لمرحلة الطلاق أو اللاعودة وسنرى انعكاس ذلك على إنهاء النزاعات بين الزوجين. ومثال تلك المؤسسات مركز الاتصالات غير العنيفة في لندن الذي يعمل فيه ما لا يقل عن 200 مدربة ومدرب.
وهؤلاء متخصصون في علاج المشكلات الخاصة بالعنف اللفظي والبدني في أنحاء العالم.
في جوهر الاتصالات غير العنيفة يبرز نموذج الخطوات الأربع التالية:
1- انتبهي إلى وضعك بموضوعية ودون إعطاء أحكام.
2- اشعري بالعواطف التي يكتنفها كل موقف.
3- وحددي احتياجاتك.
4- عبري عن احتياجاتك بدقة وبوضوح.
ويعرف هذا النموذج بالكلمات التالية: الملاحظة والمشاعر والاحتياجات والالتماس، ويمكن استخدام النموذج للمساعدة على إيجاد حلول لكل شيء من سوء الفهم بين الزوجين إلى صراعات القوى في مكان العمل، ويشمل ذلك أيضا المفاوضات السياسية.
ويعرف أن مفتاح الاتصال بحميمية وعاطفة قوية هو التقمص العاطفي وهنا لا بد أن يقوم الزوج والزوجة بالاعتراف بوجود مشاعر واحتياجات شخصية لك طرف، وكذلك الاعتراف بأن الطرف الآخر له عواطفه ومشاعره الخاصة وشخصيته المتفردة، من خلال التبادل والتنسيق العاطفي كأن يسأل أي من الطرفين: «هل أنت بحاجة إلى أن أصغي إليك؟ هل تحتاج إلى الحنان والعاطفة؟» حتى لو كان ذلك التخمين خاطئا فإن محاولة الفهم تميل إلى جعل الطرف الآخر يشعر بالدفء والحميمية.
4 خطوات لتعزيز العلاقات الزوجية غير العنيفة من الصعب جدا أن يفكر الإنسان بالمنطق والعقل عندما يكون مجهدا ولذلك فإن تكرار التدريب الذي يتراوح ما بين الشعور والاحتياجات والالتماس هي مسألة جوهرية بالنسبة لهذا النموذج الذي يحتوي على كل تلك الأنشطة. وتاليا تلخيصا للنموذج:
الملاحظة: صف ما تراه أو تسمعه دون إضافة أية تفسيرات. وبدلا من قول إن مزاجها مشحون بالغضب قل بينك وبين نفسك أنها ترمي نفسها على الأرض باكية وهي ترفس بقدميها. وفي حال كنت تشير إلى ما يقوله شخص يفضل أن تقتبس منه أو منها كلماتها بدقة بدلا من إعادة صياغة جملها أو كلماتها.
الشعور: عبر عن عواطفك تجاه ما يفعله الآخر بدلا من الحكم عليه. وسترى أن قول أشعر بالضيق هي عبارة مناسبة أكثر من أشعر بأنني مستغلة وهي عبارة تتضمن تفسيرا لسلوك الطرف الآخر. وتجنب بشكل عام القول إنني أشعر كما لو.... أو أشعر أنني والحقيقة فإن الكلمات التي تعقب ستصبح أفكارا لا مشاعر.
الحاجة: المشاعر في عمومها ناتجة عن احتياجات وهي مشاعر موجودة في كل مكان ومستمر وليست معتمدة على أي أشخاص بعينهم أو محددين. تحدث عن احتياجاتك بدلا من إلقاء اللوم على تصرفات الشخص الآخر. وعلى سبيل المثال يمكنك القول «أشعر بالضيق لأنني أحتاج إلى المساندة، بدلا من القول أشعر بالضيق لأنك لم تغسل الأطباق».
الالتماس: اطرح سؤالك بوضوح وبجدية إزاء ما تحتاجينه بدلا من الرفض وإبداء عدم الرغبة في الحصول على أشياء مثل: أليست لديك رغبة في العودة إلى البيت في الموعد المتفق عليه؟ وقارن مع هل أنت متأكد من أنك ستتأخر الليلة؟
في التعريف البديهي عندما تقدم التماسا فإن الرد المحتمل هو لا، ولكن انتهز الفرصة لخوض المزيد من الحوارات.
وفي الوقت الذي يمكن أن تجعل من هذا النموذج جزءا من تفكيرك يمكنك التدرب على الأفكار التالية:
1- امسك بقلم وقطعة من الورق وسجل ما قاله شخص ما سبب لك الضيق أو سبب لك الإزعاج. ومن الناحية المثالية فإن ذلك هو منتصف المسافة على الميزان ما بين السطحية والتسبب في كارثة.
2- كون عامودين على الصفحة. ضع على العمود الأول حرف م إشارة إلى المشاعر واكتب تحت الحرف م قائمة بمشاعرك التي خضت تجربتها ولا تزال تمر بها حتى الآن. مجرد سماعك لتعليق مثل آلمتني ومقدس أو حزين.
3- أما العمود الثاني فضع حرف ن على رأسه وتحت هذا العنوان دون الأشياء التي احتجتها عند سماعك لملاحظات مثل « حب تفاهم أو نراك
4- أغلق عينيك وخذ نفسا عميقا للتأكد من أن ما كتبته لا يتنافى مع الواقع. وإذا كنت ترغب، بعد المزيد من التفكير، بإضافة أو شطب شيء ما فيمكنك القيام بذلك في الحال. ولكن إذا لم تقم بذلك يفضل انتقالك للخطوة التالية.
5- كون عمودين آخرين وضع حرفي م ون على كل عمود. تحت حرف م تخيل ماذا كان يشعر ذاك الشخص عندما كان يتحدث إليك. تحت الحرف ن دون ما تعتقد أنه لم يلب احتياجاتك. ولا يمثل ذلك
القدرات النفسية بل الاتصال من خلال التقمص العاطفي الواعي.
6- أغمض عينيك الآن وتنفس بهدوء وعمق، ولاحظ إذا كنت تشعر بأدنى تغير في عاطفتك تجاه الزوجة. والحقيقة أن 80 في المئة من أولئك الذين مارسوا هذه التجربة شعروا بتغير وذاك هو المذاق الذي ستشعر به عندما تبني العلاقة بينكما على أسس بعيدة عن العنف
محمد نبيل سبرطلي
