لكل إنسان شخصيته الخاصة به فهناك من تظهر عليهم صفات القوة والعزم والقيادة وهناك من يبدو عليهم الانعزالية والانقيادية والخجل، ولعل الشخصية القوية من الشخصيات المحببة والمفضلة. في المقابل تعد الشخصية الخجولة من الشخصيات المنتقدة من أفراد المجتمع، فهل يعد هذا الخجل مرضا يعاني منه بعض الناس ويسبب لهم آلاما قد لا تكون جسدية ولكنها نفسية ومضاعفاتها خطيرة جدا.
أيمن إبراهيم شاب في الخامسة والعشرين من عمره قوي البنية والعقل، أنهى دراسته الجامعية ويعمل حاليا محاسبا في إحدى الشركات، عرفه الجميع بأنه الشاب الخجول وذلك لأن أعراض الخجل كانت ترافقه أينما ذهب فباتت السمة المميزة له، التقته الـ (صحة أولا) وبصعوبة كبيرة في الكلام وخجل زائد عن الحد سرد حكايته مع ذلك المرض قائلا:
منذ طفولتي وأنا أفضل الوحدة، كانت ألعابي وحاجياتي هي صديقتي التي تلازمني وأمضي معظم وقتي برفقتها، أما أبي وأمي فكانا الدرع الواقية التي أحتمي بها دائما من الوجوه الغريبة التي أصادفها والتي كنت أشعر بمجرد توجيه بعض الأسئلة لي أو مداعبتي يقتحمون عالمي الخاص.
بقيت على هذه الحال لا أعرف غير غرفتي وأبي وأمي ومحيط بيتنا حتى جاء ذلك الضيف الذي طال انتظاره، فقد أنجبت أمي أخي الوحيد بعد أن أتممت السادسة من عمري، كان بالنسبة لي مجرد إزعاج عكر صفو البيت وهدوءه، وبعد فترة أصبحت أقضي بعض الوقت في مراقبته وتتبع خطواته.
في المدرسة
كان اليوم الأول لي في المدرسة هو المواجهة الحقيقية للعالم الخارجي من دون حماية، فقد انتابني شعور غريب وأنا أرى ذلك العدد الضخم من الأطفال يملأون ساحة المدرسة. فبعد أن اقتادتني والدتي للفصل ودعتني للمرة الأولى منذ عرفتها. كان عدد من الأطفال يبكي وآخرون يلعبون ويتحدثون مع بعضهم، أجلستني المدرسة التي لم أقو على النظر إلى وجهها،
لا أدري ربما خجلا أم خوفا منها على المقعد الذي لم أبارحه حتى رأيت جميع الأطفال يخرجون من الفصل فتبعتهم، شعرت بفرحة شديدة عندما رأيت والدتي وكأنني فارقتها منذ سنين، سألتني عن يومي الدراسي الأول جاوبتها بكلمات معدودات كعادتي بأنه جيد، وفي الحقيقة أنني لم أنطق بكلمة واحدة طوال الساعات التي قضيتها في المدرسة، فرغم محاولات الكثير من زملائي الحديث معي إلا أنني لم أتجاوب بل كان نظري مركزا على الأرض خشية من نظرات من حولي.
مواجهة
لم تكن مواجهتي للعالم الخارجي بالأمر السهل، فاعتمادي واتكالي الكبيران على أبي وأمي خلق مني شخصا عديم الفائدة، أنتظر المساعدة حتى في أبسط الأمور المتعلقة بحياتي، فقد كنت دائم الشكوى من زملائي في المدرسة لمضايقتهم لي وكذلك من مدرساتي اللاتي فقدن الأمل من اندماجي مع جو المدرسة وبقيت على هذه الحال حاصرا نفسي في بوتقة خاصة بي، لي عالمي الخاص وأحلامي التي أحيا بها .
لم يكن والداي يعيران أي اهتمام لما أنا عليه في بادئ الأمر، لكن بعد ازدياد شكوى من حولي من انعزاليتي وخصوصا المدرسين والمدرسات بدآ بدفعي للخروج والاختلاط مع الناس لكن الوقت قد فات فقد أصبحت أرفض ذلك بكل جوارحي فلا قدرة لي على مواجهة من حولي،
فشعوري الدائم بالاختلاف والنقص وعدم الوعي اللازم بأمور الحياة هز ثقتي بنفسي. وبعد تكرار محاولاتهما معي للاختلاط وفشلها الدائم، أخذا بنصيحة أحد الأقرباء بتركي على ما أنا عليه، فهذه فترة مؤقتة ستنتهي مع تقدمي بالعمر، لكن هذه الفترة امتدت لسنين، فقد وصلت الجامعة ومع ذلك لم يختلف الأمر علي كثيرا، فأنا مازلت الشاب الخجول الانطوائي، أتابع محاضراتي وانسل إلى البيت مسرعا هاربا من ذلك العالم الذي لا أقوى على مواجهته.
صعوبات العمل
كان تخصص المحاسبة الذي اختاره لي والدي أفضل شيء اتخذه بحقي، فبعد تخرجي لم أواجه أي صعوبات في إيجاد فرصة عمل ولعل أصعب ما في الأمر كان المقابلة الشخصية التي لو اعتمدوا عليها لقبولي لما نلت تلك الوظيفة، فخلالها كان المدير يحاول سحب الكلام من فمي وانشغل أكثر بالتهدئة من روعي، لكن إجاباتي المميزة في الاختبار العملي هي التي أهلتني للحصول على الوظيفة .
وكعادتي كنت انهي عملي وأعود إلى البيت ذلك الملجأ الآمن الذي لا أتخيل أن حياتي ستكون ممكنة خارجه.
تفسير طبي
وعن تلك الحالة التي يعاني منها أيمن حدثنا د. محمد سامح اختصاصي الطب النفسي في مستشفى بلهول التخصصي قائلاً: إن هذه الحالة تدعى بالخجل المرضي وهو ذلك النوع من عدم الارتياح والشعور بالكبت وعدم القدرة على الانطلاق والافتقار إلى العضوية في المواقف الاجتماعية، مما يتعارض مع قدرة الإنسان على تحقيق أهدافه الاجتماعية أو المهنية،
وفيه يزداد تركيز الفرد على نفسه فينشغل بأفكاره وشعوره والتفاعلات العضوية التي تحدث له مثل حمرة الخجل والتعرق والخفقان وبرودة الأطراف والرعشة، ويشعر أنه مراقب كل الوقت وأن الآخرين يتابعون ما يحدث له مما يزيد من ارتباكه، والمؤثرات التي تظهر هذا الخجل كثيرة منها مقابلة شخصية مهمة مسؤولة
أو ذات نفوذ أو محاولة التعرف على شخص من الجنس الآخر أو في العلاقات الحميمة أو مقابلة الأغراب أو عند وجود ضرورة لعمل شيء ما أمام مجموعة من الناس أو عمل مبادرة اجتماعية بشكل غير مرتب ومفاجئ، وردود الأفعال التي تحدث مع الخجل قد تحدث على المستوى الفكري أو الشعور أو السلوك أو التغيرات الفسيولوجية.
و هناك أسباب وراثية للخجل المرضي كون هذا الخجل موجودا في الأسر بشكل كبير وأيضا هناك أسباب بيئية واجتماعية مثل طريقة التربية وعدم تعلم الطفل كيف يكتسب المهارات الاجتماعية بالمحاكاة والتدريب وأيضا القسوة الشديدة والقهر وعدم إعطاء الطفل الثقة الكافية في نفسه وإشعاره بالدونية، وأيضا هناك الأطفال الذين ينشأون في أسر كبيرة العدد لا يكون للأبوين فرصة لمصاحبتهم وإدخالهم لعالم الكبار بشكل تدريجي.
ولعلاج ذلك يجب البحث عن الأسباب ونوعية هذا الخجل ومن ثم علاجه. أما طرق العلاج فهي إما علاجات دوائية مثل مضادات الاكتئاب والتي تساعد في زيادة الثقة بالنفس وعدم التفكير بطريقة سلبية، والمهدئات والتي تقلل من الإحساس بالخوف عند المواجهة، وهناك العلاج النفسي بطرقه المختلفة
وخاصة العلاج السلوكي وهو أكثرها نجاحا، وهناك درجات مختلفة من الخجل المرضي، فالبعض لديه خوف من شيء معين واحد مثل الخوف من مقابلة مسؤول أو من الكلام أمام جمع من الناس أو من تناول الطعام في مكان عام أو استخدام دورات المياه العامة، والبعض يتجنب كل هذه المواقف مجتمعة، وهناك من يتحمل الضغط النفسي المصاحب للخجل خصوصا إذا كانت هناك صحبة تفهم في المواقف الاجتماعية ومنهم من لا يستطيع تحت أي ظرف
