يعتبر يواجه أهالي ذوي الاحتياجات الخاصة سلسلة من التحديات، البعض منها مادي والآخر عاطفي. ربما تتشابه معظم هذه التحديات في تأثيرها على أهالي ذوي الاحتياجات الخاصة بشكل عام، لكن أهالي الأطفال المصابين باضطراب التوحد لهم همومهم وتحدياتهم الخاصة.

تلقّي الوالدين نتيجة التشخيص المؤلمة والتي تشير إلى أن طفلهما يعاني من إعاقة طويلة الأمد نقطة تحول جديدة في حياتهما لما يترتب على ذلك من تغيير في نمط معيشتهما حتى يلائم متطلبات الطفل المعاق. وكجميع الآباء والأمهات التي كانت لديهم أحلام بحياة سعيدة ومستقلة لطفلهم تبددت أحلامهم وأمنياتهم ليصبح مستقبل طفلهم ومستقبلهم على طريق آخر.

ربما يراود الوالدان الإحساس بالذنب، والذي من شأنه انهاك الطاقة الذهنية التي يمكن أن تستغل بشكل أفضل، يمكن للخبراء المختصّين أن يساعدوا في التخفيف من هذا الشعور وتوجيهه بشكل ايجابي وبنّاء. في بعض الحالات تكمن المشكلة الكبرى في التشخيص الخاطئ،

فعند فشل الطبيب في التعرف على اضطراب التوحد ينسبه إلى سوء تعامل واقع من قبل الوالدين مع الطفل، أو أن بعض الفاحصين يتعرف على الاضطراب ويلقى اللوم على الوالدين، مما ينعكس بأضرار جسيمة تخيّم على حياة الوالدين وعلى حياة الطفل. هذه المشاكل على العموم، أصبحت أقل انتشاراً لكنها مازالت تحدث.

إن اضطراب التوحد في الطفل يسبب للوالدين مشاكل عاطفية خاصة. هذه الاعاقة ليس من السهل التعرف عليها وقت الولادة، ونادراً ما تظهر أعراضها في التشخيص قبل الشهر الثامن عشر. يدخل الوالدان في دوامة من المشاعر المتناقضة، فأحياناً يظنان أن هناك شيئاً خطأ، وأحياناً أخرى يحاولان اقناع نفسيهما أن كل شيء على ما يرام.

يأتي هذا الشعور بالطمأنينة عند مشاهدة طفلهم وهو ينمو طبيعيّاً بدون أي مؤشر للخطر من الناحية الظاهرية، وأحياناً يقوم بعمل شيء بمهارة عالية تدل على ذكاء متوقع، لكن ومن جهة أخرى، بمجرد ظهور انعزاله الاجتماعي يضعهم ذلك في حيرة مؤلمة. ومن الحقائق الشائعة أنه يظل لدى الآباء شعور بوجود علاج يسير يمكن إن وجد أن يحل كل المشاكل. وفي النهاية، يجدون احساسهم السابق بالقلق شيء مبرّر، ويصبح البحث عن رأي المختصين حاجة ماسة. وفي هذه الأثناء يكون الوالدان قد طافوا كثيراُ بين الأمل واليأس مما قد يجعل تقبل الحقيقة ليس بالشيء السهل.

غالباً ما يطغى على الآباء شعور بأنهم من دون العالم هم الوحيدون الذين لديهم طفل يتصرف بسلوكيات غريبة، لكن معرفتهم بوجود العديد من غيرهم ممن يحملون نفس المعاناة تكون بمثابة الإغاثة العظمى لهم. إن الالتقاء بالآباء الآخرين من خلال الجمعيات المحلية للتوحد يعتبر دعماً عاطفيّاً وعمليّا مفيداً. أصبحت تجربة العزلة العاطفية للطفل خلال السنوات الأولى من حياته أقل حدوثاً وذلك بمعرفة تنامي اضطرابات التوحد ، لكنه مازال يحدث. وهنا تكمن أهمية التشخيص الدقيق والمبكر.

ما زالت البحوث جارية للتعرف على أسباب حدوث هذا الاضطراب في بداية حياة الإنسان ويلاحظ تقدم مستمر في هذه الدراسات.يؤدي تعلق الآباء بأبنائهم في السنوات الأولى من عمر الطفل المصاب بالتوحد إلى مثابرتهم في الرعاية الشاملة له، حتى إن كان تجاوب الطفل ضئيلاً أو غير موجود أصلاً.

على الرغم من كل الصعوبات، يظل الطفل المعاق بضعفه وحاجته إلى والديه مؤثراً على تعلقهم الزائد به. هذا الارتباط له ايجابياته كطفل يتلقى حبّاً وعناية. فالطفل عندما يقوم بأي تقدّم ولو بسيط جدّاً يجب أن يكافأ لأن هذا التقدم الذي جاء بعناء متأخراً. أما الآثار السلبية لهذا الارتباط تكمن في عدم اعطاء أفراد العائلة الآخرين حقهم من الرعاية والحب. إن رعاية الطفل المصاب بالتوحد لتطوير مهاراته والاستمتاع بالنشاطات عملية صعبة وتستهلك الكثير من الوقت.

يعتبر مقارنةً برعاية الأطفال الطبيعيين الآخرين عملاً بطوليّاً مستحيلاً. الحل الوحيد هو تنظيم جدول روتيني ليكون لكل فرد في العائلة نصيب من اهتمام الوالدين. إن جلسة قصيرة منتظمة مع الوالدين يوميّاً أفضل من جلسات مطولة لكنها غير منتظمة. لا يجب على الوالدين أن ينسوا أنفسهم في جداول مواعيدهم، فهم يحتاجون للراحة بعيداً عن بقية العائلة محتفظين بحصتهم من الوقت. وإن كان اهتمامهم مقصوراً فقط على الطفل المعاق، فلن يجدي ذلك نفعاً على الأسرة ككل.

إن اضطراب التوحد لدى الأطفال يمكن أن يسبب حِملاً ماديّاً ثقيلاً على الوالدين خاصة إن حدث اتلاف للأدوات المنزلية، أو الملابس، أو الأثاث، أو النوافذ، أو لوحات الحائط وهكذا. ويحتاج البعض من هؤلاء الأطفال غير المدربين على استخدام المرحاض إلى تغيير مستمر للحفائظ والحفاظ على نظافة السرير بشكل دائم. اعتماداً على دخل الوالدين ومستوى خطورة حالة الطفل من الإعاقة، يمكن أن يحصلوا على نوع من الدعم المالي من الحكومة.

إن الحياة الاجتماعية للأسرة تميل إلى التقيد بالطفل المعاق، خصوصاً المصاب باضطراب التوحد. وعندما يكون سلوك الطفل مزعجاً، فإنه من الصعب ايجاد مربية تعتني بالطفل مما يجبر الوالدين على عدم القدرة على الخروج سويةً. توجد هناك بعض المجموعات التي لديها برنامج لرعاية الطفل بالمنزل. اذا لم توجد هذه الجماعات، فإنه يمكن أن تطرح أفكار جديدة مبتكرة من قبل بعض الأفراد المهتمين. فما كانت برامج الرعاية الحالية إلا أفكارا ناتجة من مبادرات فردية.

غالباً ما يسبب الطفل المصاب بالتوحد متاعب كثيرة عند خروجه من المنزل مع أسرته. وأغلب هؤلاء الأطفال لا يبدو عليهم أي علامات الإعاقة البدنية، وإن تصرف هذا الطفل بغرابة اعتقد البعض أن هذا الطفل «مفرط التدليل». هناك من الآباء من يتجنب الخروج مع طفلهم المعاق حتى في الفسح الممتعة.

ومن أجل هذا الطفل وكل أفراد العائلة، يجب على الآباء أن يضغطوا على مشاعرهم وأن يخرجوا مع الطفل قدر الإمكان، متجاهلين تحديق بعض الجاهلين من المارّة. إن تعليم الأطفال سلوكيات الأماكن العامة الذي يبدأ في سن مبكرة يساعد كثيراً في التقليل من حدوث المشاكل الأساسية، خاصة بتواجد الوعي العام والتّفهم الواضح لحالة المصابين بالتوحد والذي يشهد تنامياً مستمر بين أفراد المجتمع.

يرغب معظم الآباء في أن يرزقوا طفلاً آخر، خاصةً اذا كان الطفل الأول مصاباً بالتوحد. بهذا يوجد الآن سبب لعدم المجازفة وحصولهم على أكثر من طفل مصاب بالتوحد مالم يتم التأكد من أن اصابة الطفل الأول بالتوحد لم تكن مسألة جينية. ويتعين على الوالدين أن يقرروا آخذين بالاعتبار الحقائق المرتبطة بهم وبأسرهم.

يفضل قبل الزواج، وعند طرح الطرفين أسئلة حول تواجد اضطراب التوحد في العائلة والمخاطر المتوقعة بالحصول على طفل مصاب بالتوحد، أن تكون هناك شفافية بالاجابة بكل صراحة في كل ما يتعلق باحتمالات انتقال «التوحد».

وللأسف، يتصرف بعض الأقارب بطريقة مزعجة غير بنّاءة، حيث أنهم يعتبرون الطفل المعاق علامة سلبية تؤثر على كل الأسرة، متناسين الحقيقة بأن جميع الأسر بلا استثناء لديها أفراد يعانون من اعاقات سواء في الحاضر أو في الماضي، وربما يلقون باللوم على أحد الوالدين غير منتسب للعائلة بأنه هو من نقل الاصابة، ويقوموا بنبذ الطفل ومحاولة عدم رؤيته لهم أو المشاركة بشؤونهم، أو الخروج معه، أو حتى الزيارة.

ويزيد من الأسى، أن بعض الأقارب يصرون على أن الطفل سليم وأن ما به هو جراء عدم تفهم والديه لسلوكياته والتعامل معه بشكل ملائم، والتصرف المناسب في مثل هذه الاتهامات هو التحلي بالهدوء والحكمة، مقدماً المعلومات ورافضاً الخوض في جدال لا طائل منه. إذا لم يوجد أي حل آخر، فلا يجب قطع التواصل معهم ولكن الزيارات مطلوبة مع هؤلاء الأقارب ولو بشكل قليل نسبيّاً.

لا يمكن الجزم بأن الأطفال المصابين بالتوحد بمختلف شدة حالات إعاقتهم المتفاوتة بشكل واسع يمكنهم احراز تقدم على حد سواء، ويعتبر التقدم في التوحد نسبياً بحيث أن تحقيق استقلالية العيش كأشخاص بالغين يعتبر إنجازاً كبيراً. وعلى آباء الأطفال المصابين بالاضطراب الحاد أن يتحملوا الحزن عند رؤية تحسّن بسيط في حالة طفلهم بينما قد اجتاز أقرانه من المصابين بالتوحد شوطاً كبيراً من التقدم.

عندما يتم تشخيص الطفل للمرة الأولى، يتمنى جميع الآباء بأن يكون طفلهم واحداً من أولئك الذين لديهم تنبؤ جيد بالتحسن، لكن الدراسات والبحوث أظهرت بأن عدداً كبيراً من هؤلاء الأطفال لا يشخصون كذلك. وهذه واحدة أخرى من التحديات الصعبة التي لا بد أن يمر عليها الآباء.

إن من عدم الفائدة إضاعة الوقت في لوم الآباء لأنفسهم لما حصل لطفلهم. والتصرف البنّاء هو ايجاد طريقة يتمكن فيها ابنهم من العيش بسعادة قدر الإمكان، مهما كانت حالته صعبة. كما يجب على آباء الأطفال الذين تتحسّن حالتهم بشكل أفضل أن يراعوا شعور أولئك الآباء بتجنب التعامل معهم من موقع الأفضلية.

فعندما يكبر كل من الأطفال ذوي الحالات المتحسنة والحالات الصعبة، يصبح التحدي بالنسبة لأهاليهم أكبر، فالأطفال المصابون بإعاقة حادة سيعتمدون اعتماداً تامّاً على غيرهم طيلة حياتهم، على خلاف الأطفال المصابين بإعاقة قابلة لتحسّن بارز، فهم يستطيعون العيش باستقلالية لكن مع معاناة مصاحبة للنشاط الذي يقومون به.

بذلك يتركز قلق آباء الأطفال ذوي الإعاقات الحادة حول مستقبلهم الغامض والمتعلق على استمرارية بقائهم بجانبهم. والخطوات العملية التي يمكن أن يقوم بها الآباء هي أن يتأكدوا من أن الطفل سيحظى بخدمات اجتماعية محلية، وأن يتم البحث عن سكن مناسب لهم، وعن المشورة المفيدة حول مدى الإرادة والثقة المطلوبة والمناسبة لإمكانيات الأسرة المادية.

إن تماسك الأسرة يعتبر عاملاً أساسياً لرفع وتيرة عملية تربية الطفل بنجاح. من المهم تفادي لوم كل من الوالدين الآخر، حيث لا جدوى من الخوض في جدال حول سوء تربية جرّاء ما يقوم به الطفل من سلوكيات. الحوار حول العوامل الوراثية في العائلة الذي يقوم على روح التفاهم والاستفسار مهم، ولا يكون الهدف منه هو اللوم والجدال.

سلسلة الليالي المؤرقة وتلك الأيام الفظيعة تعتبر امتحاناً صعباً حتى على صبر ذوي الإيمان القوي، لكن السيطرة على الهدوء والتزام المسؤولية أمر مفيد جدّاً، فعملية ضبط النفس وعدم التسرع بالغضب تصبح أمراً يسيراً مع مرور الزمن. إن علاقة العائلة الجيدة لها مردودها الإيجابي على سلوك الطفل جزئيّاً لأن أي طفل يمكن أن يصبح سعيداً ومتعاوناً اذا عملت الأسرة بوتيرة واحدة. أيضاً من الأمور المهمة للسيطرة على متطلبات سلوك الطفل الصعبة طريقة دائمة من خلال تأجيل الوالدين الخلاف أمام الطفل وطرحه بعد ذلك بمنهجية النقاش العقلي بإنفرادهما عنه.

هناك آباء يكون طفلهم المعاق سبباً في اقترابهم أكثر من بعضهم البعض، وبالمقابل هناك من الآباء ممن يكون طفلهم هو سبب تفرقهم بسبب اعاقته. يساعد دعم الأقارب من كلا الأسرتين، والمتخصصين والتبادل في رعايتهم في المراكز التأهيلية، والمدارس وخدمة مصابي التوحد من الراشدين، كلها تساهم في تقليل الهوة بين العائلتين. روح الفكاهة لها دور كبير أيضاً فعال، كثير من الأمور التي يفعلها الأطفال تكون مضحكة، وعلى الأهالي مسايرة تصرفات أطفالهم بالضحك وتجنب تكدر الأجواء المحيطة بالطفل.

غالباً ما يكون هناك أقارب بمثابة الملجأ المفيد. فمثلاً، الأجداد هم أفضل مصدر للمساعدة الحسية والمعنوية، بما في ذلك الحضانة. يمكن لهؤلاء الأجداد أن يتمتعوا بعلاقة خاصة مع الطفل المصاب بالتوحد، وفي طريقة ما وضمن انعزاله الاجتماعي يتمكنون من التواصل معه.

قد تواجه عائلة لديها طفل من حين لآخر احتمال إصابته باضطراب التوحد لكن والديه غافلون عن ذلك أو أنهم غير راغبين في مواجهة ذلك الاحتمال. إن كان الوالدان لا يعرفان ما هو التوحد، فإن حرصهم بالسؤال والاستفسار سيكون دليلهم في إيجاد المساعدة، بالمقابل فإن الآباء الغير راغبين بمواجهة هذا الاحتمال، فلا شيء يمكن عمله غير الانتظار حتى يدركوا أن هناك مشكلة حقيقية تواجه طفلهم وبعدها يقوموا بالبحث عن مساعدة في تلك اللحظة

ميناكشي شاندراسيكر

مدرسة تربية خاصة - مركز دبي للتوحد