تبلغ هانا الـ 16 من عمرها. وليس هذا اسمها الحقيقي، فهي لا تريد أن تُغضب شركة التأمين. ورغم قدرتها على التأمل والتعبير، إلا أنها لم تستطع أن تفسر إصابتها بالغثيان على نحو مستمر أو فقدانها السريع للوزن، وهو ما بدأ يزعجها خلال عام 2005.

كورتني إي مارتن

وصل وزنها ذات مرة إلى 98 رطلا. غير أن هذا التشوش كان في حد ذاته مجرد واحد من الأعراض. فالكثير من النساء الشابات لا يدركن ما يحدث لهن في بداية الأمر ويُصبن بالخلط جراء أسلوبهن الخطر في الأكل.

والدتها كاي اختصاصية تغذية ووالدها ستيف طبيب (والاسمان مستعاران أيضا) قاما بتوجيهها عبر طائفة من الفحوص المكلفة للاطمئنان على أنها غير مصابة بداء معوي. وبعد إنفاق آلاف الدولارات، كانت هانا تخضع لعلاج أسبوعي لمرض فقدان الشهية.

وبعد أسبوعين من علاجها كمريضة خارجية، أشار طبيبها إلى ضرورة أن يصل وزنها إلى مستوى معين قبل السماح لها بدخول العيادة كمريضة مقيمة. وسألت هانا: هل يتعيّن عليّ أن ينخفض وزني إلى ذلك الحد؟ إنني أفضل دخول العيادة الآن. وقد كان سؤال هانا يحمل في طياته أكثر مما كانت تعرفه.

اضطرابات الأكل

قبل 20 سنة، كان المكان الوحيد الذي يمكن أن تلجأ إليه فتاة مثل هانا تعاني من اضطرابات الأكل هو المرافق النفسية حيث كان المرضى في كثير من الأحيان يُطعمون بقوة أو يُخضعون لنظام دوائي معين أو يُخضعون حتى للعلاج بالصدمة.

وحين افتتح مركز رينفرو في فيلادلفيا أبوابه عام 1985، فإنه كان المرفق الداخلي الوحيد الذي يعالج هذا الاضطراب في الولايات المتحدة. وقد افتتحت مئات المراكز منذ ذلك الحين ما أدى إلى ظهور قطاع حديث متخصص في علاج اضطرابات الأكل ويقدم العلاج لنحو 10 ملايين فتاة وامرأة يعانين حاليا من فقدان الشهية أو من مرض النُهام ونحو 25 مليون أميركي يعانون من الإفراط في الأكل.

وقد ظهرت هذه المرافق الراقية، حين بدا واضحا أن المستشفيات العامة غير مؤهلة للتعامل مع تعقيدات هذا المرض. ففقدان الشهية، على وجه الخصوص، يصعب علاجه ويتطلب استشارات غذائية ونفسية، وفي كثير من الأحيان عقاقير لا تُوصف إلا بموجب وصفة طبية.

وحتى مع أساليب العلاج هذه، فإن عدد من يتعافون بالكامل من هذا المرض يبلغ 60 في المئة فقط في حين أن 20 في المئة يتعافون بشكل جزئي والبقية لا تتعافى منه.

مرض يطال الجميع

ورغم أن مرض اضطراب التغذية كان يُعتقد أنه مرض يصيب النساء البيضاوات الثريات، فإن د. روث ستريغل-مور من جامعة ويزلين في مدينة ميدلتون، كناتيكت، قدّم دراسة موثقة عام 2000 جاء فيها أن النساء السود يمكن أن يعانين مثل النساء البيض من الإفراط في الأكل والإسهال المتعمد، وربما حتى أكثر من نظيراتهن البيض من حيث الاستخدام السريع والمفرط للمسهلات أو المواد المدرّة للبول.

والعلاج الفعّال لاضطراب التغذية تفوق كلفته ببساطة الإمكانيات المالية لمعظم الأميركيين من أصحاب الدخل المحدود والمتوسط الذين يعتمدون على منافع تأمينية غير كافية وعلى الأقارب وعلى رهنيات عقارية ثانية لعلاج أحبائهم في عيادات خاصة، أو يتعيّن عليهم القبول بالبرامج العلاجية في المستشفيات العامة العالية الكلفة والتي لا يُنظر إليها على أنها الأفضل.

وتقدر الجمعية القومية لأمراض فقدان الشهية ومقرها هايلاند بارك، إلينوي، تكلفة العلاج الداخلي في عيادات خاصة بـ 30 ألف دولار في الشهر في المتوسط.

إضافة إلى ذلك، تفرض معظم شركات التأمين حدا أعلى سنويا على الأيام التي يمكن للمريض أن يقضيها في عيادة ما لتلقي العلاج كمريض مقيم. وغالبا ما تتراوح هذه الفترة بين 15 يوما و30 يوما في حين أن متوسط فترة العلاج لهذا الاضطراب يتراوح بين خمس وسبع سنوات.

الإقامة القصيرة

قبل ظهور منظمات إدارة الخدمات الصحية وبرامج الرعاية الصحية المُدارة من قبل الشركات والحريصة على الحد من الإنفاق، كانت فترة الإقامة في مركز رينفرو تتراوح في المتوسط ما بين سبعة وتسعة أسابيع. أما الآن، فتتراوح هذه الفترة بين أسبوعين وأربعة أسابيع.

وكثيرا ما تجادل شركات التأمين بأن من صالحها خفض التكاليف قدر الإمكان خاصة في مجال علاجي ما زال غير فعّال إلى حد كبير وباهظ الثمن. ويقدم مركز رينفرو برامج علاجية تختلف كلفتها من حالة لحالة حسب احتياجات المريض ووضعه المالي.

وقد وجد استطلاع أُجرى عام 1999 من قبل الجمعية القومية لأمراض فقدان الشهية ومجلة غلامور وشمل أشهر 109 خبراء في هذا المجال في الولايات المتحدة، أنهم جميعا يؤمنون بأن بعض مرضاهم يتعرضون لانتكاسة في أحوالهم الصحية كنتيجة مباشرة أو غير مباشرة للحدود التي تفرضها برامج الرعاية المُدارة من قبل الشركات.

دون علاج

ويلقى ما يصل إلى 20 في المئة من المرضى المصابين بحالات خطرة من اضطراب التغذية حتفهم إذا ما تُركوا دون علاج. أما حين خضوعهم للعلاج، فإن العدد ينخفض إلى 2 في المئة أو 3 في المئة.

ورغم أن مرضى الإفراط في الأكل وفقدان الشهية يُعرّفون على أنهم مرضى نفسيون، فإن شركات التأمين تقوم بسداد تكاليف العلاج أو بالامتناع عن سدادها وفقا لمعايير فيزيولوجية مثل الوزن وضغط الدم ومستوى الإلكتروليت وهو مؤشر للمستويات الصحية من الصوديوم والبوتاسيوم والكالسيوم في الجسم.

وحين يستعيد مريض ما 75 في المئة من وزنه، فإنه قد يُعتبر أنه ما زال مريضا جدا. تقول مديرة شؤون التأمين في مركز رينفرو ليزا مان: قد يشعر أطباؤنا ولأكثر من سبب أن هذا المريض بحاجة لمواصلة العلاج.

وتشير مان إلى أن مديري الرعاية الطبية في شركات التأمين مجبرون على تجاهل العوامل النفسية المعقدة أثناء المراجعة الطبية الضرورية للحالة لتحديد ما إذا كان المريض يحتاج للعلاج أم لا.

وقد أخذ والدا هانا ابنتهما إلى مركز رينفرو بعدما وافقت شركة التأمين التي ينتسبان إليهار وهي واحدة من كبريات الشركاتر على سداد تكاليف ثلاثة أسابيع من العلاج بكلفة 1,100 دولار في اليوم الواحد. وقالت الأم: اعتقدنا في ذلك الوقت أن هذا أمر رائع. لم تكن لدينا أدنى فكرة أن هذا المبلغ مجرد قطرة في بحر.

وبعد قضاء هانا 17 يوما في مركز رينفرو، سحبت شركة التأمين عرضها الخاص ببقائها في المركز ل21 يوما، زاعمة أن هانا لم تعد في وضع طبي طارئ إذ أنها استعادت 75 في المئة من وزنها.

تكاليف العلاج

وبدلا من ذلك، عرضت الشركة أن تتحمل تكاليف بعض خدمات العلاج الداخلي على أن يتحمل والدا هانا البقية الباقية وهي 300 دولار يوميا لإبقائها هناك. واستمر هذا ل10 أيام، وبدا أن هانا تحقق تقدما. غير أن الأطباء المشرفين على علاجها اعتقدوا أنها ما زالت بحاجة ل10 أيام أخرى لضمان استقرارها النفسي. لكن شركة التأمين توقفت عن السداد كلية بعد اليوم ال27 من العلاج.

ولم تكن هانا تعرف أن والديها كانا يدفعان 1,100 دولار في اليوم أثناء البقية الباقية من إقامتها في المركز. تقول الأم: كانت تدرك ذلك، لكننا حاولنا إخفاء الأمر عنها. فآخر ما كنا نحتاج إليه هو مشاعر الذنب بسبب المال.

وحين عادت هانا إلى البيت، كان وزنها أعلى، وكذلك شعورها بالقلق، إذ شعرت بأنها لم تكن مستعدة للخروج من المركز. كما كان يتعيّن عليها أن تنتسب لبرنامج علاجي خارجي في مانهاتن يديره مركز رينفرو وبكلفة 800 دولار يوميا مقابل وجبتين وبرامج دعم نفسية مختلفة.

لكن سرعان ما بات جليا لأسرتها أن حالة هانا لم تكن تتحسن. فقد شعرت بأنها تعاني بسبب خيارات الأكل في العالم الواقعي، وبأنها غير قادرة على التعامل مع كل مشكلاتها العاطفية الطاغية، كما تقول هي.

وقد تعيّن أن تعود هانا مرة أخرى إلى العلاج. لكن الأسرة تناقشت هذه المرة حول المكان الذي يجب أن تذهب إليه. فالأم، وهي من أنصار الأطعمة الطبيعية، لم تكن مرتاحة للنظام الغذائي في مركز رينفرو حيث كان على المرضى تناول الكربوهيدرات المكرّرة والسكريات.

وقد جذب مركز ماريسول في توسون أريزونا، وهو برنامج جديد نسبيا للمراهقين، الأم بفضل فلسفته الخاصة بنمط التغذية الكامل. وكانت التكلفة 57 ألف دولار لفترة إقامة حدها الأدنى شهران. ولحسن حظ الأسرة التي حوّلت نحو 15 ألف دولار من مدخراتها إلى العلاج، تطوعت جدة هانا بسداد التكاليف.

ومازالت هانا تتلقى العلاج في مركز ماريسول بعد مرور خمسة أشهر ونصف على تشخيصها الأولي. وتكافح الأم من أجل التعبير عن مخاوفها، قائلة: إنه لأمر غير مقبول أن تكون غارقة في هذا القدر من الألم. إنه أمر لا يُطاق. ثم تتوقف وتقول بشكل مدروس: لا بد أن يكون الأمر قابلا للتحمل لأنه يتعيّن عليّ تحمله.