توبيخ، وتهديد، وكبت لحرية الطفل.

عوامل اجتماعية، وأخرى اقتصادية، وظروف معيشية قاسية، قد تساهم في تكريس الإساءة اللفظية للأطفال. ورغم أننا ننتظر بفارغ الصبر سماع صرخة الوليد الأولى، إلا أننا سرعان ما نسقط قسوة الحياة على أطفالنا، ونجسدها في كثير من الأحيان في سلوكنا الخاطئ تجاههم.

يؤكد خبراء الصحة النفسية أن الأفكار التي يزرعها الآباء في أطفالهم منذ الصغر، والتنشئة الاجتماعية الخاطئة تؤدي لاضطرابات نفسية، قد تظهر في مرحلة ما من مراحل حياتهم، وقد تبدو واضحة جليّة في الكبر. والإساءة اللفظية هي شكل من أشكال التنشئة الخاطئة، التي تهدد صحة الأطفال النفسية، وهي قد تكون أشد قسوة من الإساءة الجسدية.

فمن المعروف أن الضرب أو الإساءة الجسدية تظهر آثارها الواضحة مباشرة، أما الإساءة اللفظية فهي تترك في النفس جرحاً قد لا يندمل، وردة فعل الطفل تجاهها تظهر بعد فترة قد تطول أو تقصر، على شكل اضطرابات سلوكية وأخرى نفسية.

ألم وحزن ممزوجان في كثير من الأحيان بالشعور بالعجز، والميل إلى الوحدة. ضغط نفسي قد ينفجر لأتفه الأسباب، وشعور بالضيق.مما لا شك فيه أن تكرار الإساءة اللفظية يعني معاناة يومية قد لا يشعر بها إلا المقربون من الطفل. وبسبب عجز الطفل عن التنفيس عن مكنونات صدره تزداد معاناته، واضطراباته، وكثيراً ما تصطدم صورة الأب أو الام المثالية بالواقع القاسي، فتتكسر الصورة، وتجف العاطفة.

الإساءة اللفظية تتفاوت من مجتمع إلى آخر، ومن بيت إلى آخر. ووفقاً لما تشير إليه الدراسات تلعب عوامل عديدة مثل الغضب، والشعور بالإحباط، والحالة المادية، واضطراب شخصية الأبوين، والإدمان، والظروف العائلية، وطبيعة العمل دوراً مهماً في تكرار الإساءة اللفظية، التي تعد تنفيساً للضغط النفسي من قبل الكبار والذي يفرغ نحو الصغار، وغالباً ما يكون الأطفال ضحية تلك الظروف الصعبة التي يعاني منها الأبوان، ويؤكد الخبراء على أن تلك الإساءة تؤدي إلى تدني مستوى مفهوم الذات لدى الطفل، وهي ترتبط بالإهمال العاطفي.

فالبيت الذي يخبو فيه نور العاطفة تبدو جدرانه متصدعة، وتسبب قسوة نفسية على الطفل، وتزرع مفاهيم اجتماعية تترسخ داخل بنيان الطفل، وتشكل ذخيرة لغوية، تنعكس بشكل سلبي في سلوكه اليومي، مع أفراد أسرته، أو أقرانه في الجوار، أو زملائه في المدرسة، ولأن الإساءة اللفظية للآخرين مرفوضة، فالطفل يعاقب على ذلك، رغم أنه قد اكتسبها من أبويه دون أن يعاقبهما أحد. وكثيراً ما تؤدي إلى العدوانية، التي قد يصعب التخلص منها.

الإساءة اللفظية تثير لدى الطفل الإحساس العميق بالحرمان، والشعور بعدم الاطمئنان. والمشكلة.. ليست في ارتكاب الأبوين للأخطاء، وإنما في جهلهما لهذه الأخطاء. فهل نعيد التفكير بطريقة تربيتنا لأطفالنا، وسلوكنا داخل البيت، الذي ينبغي أن يبقى دافئاً بمشاعره رغم الصقيع.

bassam@albayan.ae