للموسيقى إيقاع ونبض يتماثل مع دقات قلوبنا، حيث الحياة واستمراريتها وتمتاز الموسيقى بقدرتها على تهدئة انفعالاتنا أو إثارتها، فقد ترفع من ضغط الدم أو تخفضه، وكما لها القدرة على التحكم بأبعادنا الجسدية والعاطفية، كذلك تذهب بعيداً لبعدنا العقلي، فهي تؤثر على خلايا أدمغتنا إيجاباً وسلباً.
تنتقل الأصوات إلى الدماغ بطريقتين: يؤدي الأول على المركز السمعي على جانب الدماغ، ومنه يتم إدراك الأصوات وفهم مدلولاتها، بينما يؤدي الثاني إلى قاعدة الدماغ حيث مركز التحكم بالجهاز العصبي اللاإرادي المرتبط بعمل الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية والجهاز الهضمي وغيره.. كما يرتبط بعمل الغدد الصم والعضلات اللاإرادية.
تثير الأصوات المرتفعة المفاجئة الخوف، فتسرع من دقات القلب وتحبس الأنفاس، وهذه تتمثل في ردود الفعل القوية تجاه المواقف العصبية التي تتطلب المواجهة أو الهرب. إن للجهاز السمعي تأثيراً على الفص الأمامي من الدماغ الذي يلعب دوراً مهماً في تكوين الشخصية بكل أبعادها، حتى ان بعض مدارس الطب التقليدي والطب النفسي يعزو حالات انفصام الشخصية إلى خلل أو علة في مجاري السمع.
يعتبر فقدان السمع من أكثر العاهات الحسية صعوبة، لأنه يؤثر في القدرة على التفاهم الشفوي الضروري للتقدم الاجتماعي والبيئي، كما إن الضغط النفسي الناجم عن عدم القدرة على السمع بصورة جيدة يسبب إزعاجاً عقلياً، ويؤدي أحياناً إلى العزلة ونفي الذات والاكتئاب.
الحالة المزاجية
إن للموسيقى تأثيراً كبيراً على الحالة المزاجية للإنسان، وإن نتائج اختبارات وبحوث الكثير من العاملين في هذا الحقل أثبتت ذلك، وفي اختبارات الدكتور ليوشايتن أستاذ علم النفس السريري تبين أنه من خلال تطبيق جلسات العلاج بالموسيقى، إن الأفراد الذين استمعوا إلى موسيقى بطيئة وحزينة حمل كلامهم بعدها شيئاً من الغضب والعدائية، أما من استمعوا إلى الموسيقى الصاخبة والسريعة تكلموا بصورة ودودة مع الآخرين.
ويعتبر شيلي كاتش الأخصائي المعتمد في العلاج الموسيقي، إن تغيير الحالة المزاجية عبر الموسيقى أمر منطقي جداً، كما يعتقد بأن بعض القدرات الموسيقية كالغناء تكمن في نفس الجانب الذي يحتوي مركز المشاعر والعواطف وهو الجانب الأيمن من الدماغ. وتعتبر الموسيقى في العلوم الحديثة وسيلة لتطوير وصيانة الوظائف الجسمية والدماغية، وقد تبين مدى فائدتها في نمو العضلات والتنسيق البدني والتركيز العقلي وقوة الذاكرة، وهي تعتبر وسيلة فعالة من وسائل تنمية القدرات الإدراكية والجسدية.
وقد عرف قدماء اليونان هذه الحقائق واتخذوا من أبولو إلهاً للشفاء والموسيقى، وكانوا يعتقدون ان لكل نغمة موسيقى، ولكل إيقاع، ولكل أداة تأثيرا خاصا في النفس، ولقد بدأ اليوم الكثير من المعالجين يعتمدون الموسيقى في مساعدة المعوقين والأصحاء بهدف تطوير الأداء الوظيفي لمختلف أعضاء الجسم. وتؤثر الموسيقى في المخيخ وتؤدي إلى تعديل طبيعة الوظائف العصبية لدى الأصحاء، وتعويض أي خلل أو عجز في تلك الوظائف نجم عن تآكل أو اهتراء مع الزمن.
ونظراَ لما تحققه الموسيقى من تأثيرات إيجابية ومحفزة على الصعيد الإدراكي والنفسي والعصبي نسمع اليوم أصوات الموسيقى تصدح في أماكن البيع، موسيقى صاخبة محرضة تشعر المستهلك بالحيوية والنشوة والرغبة العارمة في الشراء وهو ينتقل بين المعروضات، يختار ويجرب ويقرر الشراء، وهو سعيد مما ينفقه. فبطاقة الاعتماد كفيلة بتلبية رغباته غير مكترث بالديون المصرفية.
إن تعديل الحالة المزاجية عبر الموسيقى نجحت كثيراً في مجالات التسوق والاستهلاك والسبب يكمن في إيقاعاتها المتناغمة مع نبضات قلوبنا.
كما تعتمد شركات الإعلان وعلى وجه الخصوص قسم الإبداع الموسيقى الصاخبة التي تضج بالحياة وفوضى الفكر لتحقيق ما يدعي بـ (العصف الذهني) لبناء فكرة إعلانية تروج فيها للمنتج. دائرة مغلقة من المنتج إلى المعلن وبينما هذا المستهلك يدور في فلكها ملبياً لحاجاته ومنفذاً لرغباتهم. إن التأثر بالموسيقى ظاهرة موروثة تولد معنا، وقد أثبت ذلك من خلال التجارب التي أجريت على الأطفال الحديثي الولادة وعلى الأجنة.
وفي مركز مونمارث الطبي في نيوجرسي يستخدم قسم الحضانة المؤلفات الموسيقية لباخ وبيتهوفن وبرامز لاستثارة وتحريض الأطفال الحديثي الولادة، وكذلك موسيقى فيفالدي، لأن نغمات الكمان المتأرجحة بين الارتفاع والانخفاض تناسب سمع الصغار.
وتوصي الباحثة ألين نيكولاس الآباء بالغناء لأبنائهم وهم في بطون الأمهات لأن صوت الأب الجهور يصل إلى الجنين عبر السائل الرحمي بصورة أفضل من صوت الأم الحاد. وتبين ان برامج التحريض الموسيقية التي تقدم للأطفال الحديثي الولادة تؤدي إلى زيادة ناتج الذكاء بمعدل يتراوح بين 27 إلى 30 نقطة يحرم منها الأطفال الذين لا تقدم لهم هذه البرامج الموسيقية.
وقد عرفها الأقدمون بالفطرة فغنوا لأطفالهم في المهد تهويدات كبرت معهم شحنوها بالحب والحنان وحكايات الأساطير والتراث.
تحفيز على الإبداع
بالإضافة إلى قدرة الموسيقى على توليد الشحنات العاطفية المحفزة فإنها تساعدنا على تطوير قدرتنا على التفكير، ولا يخفى ان هناك فرقاً بين الاستماع للموسيقى والإصغاء لها، في الإصغاء يكون التفكير منهمكاً كلياً في متابعة الأصوات الموسيقية، ويتجاوز الأبعاد السطحية إلى الماوراء، وهذا يعبر عن الجهد والتركيز الواعي للفكر. إن التغذية الراجعة التي تحصل عند مستمع الموسيقى أو العازف تمنح الشعور بالقدرة على إنجاز الأعمال العظيمة والتصدي للأعمال الصعبة وتحقيق الذات.
والتعامل مع الأصوات الموسيقية يتم في الجانب الأيمن من الدماغ، حيث يؤكد الكثير من أطباء النفس ومنهم أينسون في زيادة احتمال الشفاء من أشد حالات البكم صعوبة، وهي الحبسة الصوتية الناجمة عن الخلل الدماغي، وكثير ممن يتلعثمون في الكلام يستطيعون الغناء بسهولة دون تلعثم مع الموسيقى، هذا يبين التأثير المفيد للغناء والموسيقى على الدماغ، لأنه يجعل تذكر الكلمات أكثر سهولة، كما توفر للإنسان متنفساً للتخفيف من الشحنات الانفعالية التي تعتمل في داخلنا.
إن الغناء هو من أفضل أساليب العلاج لكل الأبعاد من جسد وشعور وفكر، كما ان للموسيقى أثراً فعالاً في تحرير الإنسان من إقامته الجبرية ومنفاه الذاتي الذي يؤثر سلباً على قدراته الإدراكية.
ولكن السؤال هو كيف يختار الإنسان الإيقاع المناسب لحالته المزاجية؟
إذا كنت في حالة عصبية وغضب وهياج ابدأ بسماع الموسيقى الصاخبة السريعة تم تدريجياً تحول إلى الموسيقى الهادئة. أي ابدأ مع الإيقاع الذي يتناغم مع حالتك المزاجية، حتى تتوحد أنت مع النغمة ثم انحدر بالإيقاع نحو الهدوء مع هدوء النفس للتناغم معها.
أما في حالة الخمول والاكتئاب فاستمع إلى الإيقاعات الهادئة المتناغمة مع حالتك المزاجية، أي موسيقى بطيئة فيها بعض الحزن، ثم تحول تدريجياً إلى الموسيقى المرحة والحيوية، وسترى مدى تأثير ذلك عليك. وستكون النتائج مذهلة وستعترف بقدرة الموسيقى في تغيير الحالة المزاجية، أما بالنسبة إلى الزمن المتاح للاستماع إلى الموسيقى يجب ألا يزيد عن عشرين دقيقة في كل مرة حتى لا تجهد حاسة السمع.
أما عند أداء عمل فكري شاق يفضل عدم الاستماع للموسيقى لأنها قد تؤثر على مستوى الأداء. كما أن من المفيد الاستماع إلى الموسيقى لخلق أجواء حميمة في المكان، وكذلك لتحقيق الاسترخاء يمكن الاستماع للموسيقى أثناء النوم
سعاد غانم
مدربة معتمدة في علم الريكي والبرمجة اللغوية العصبية

