نسافر عبره، نتجاوز الأمكنة والأزمنة من غير بطاقة تعريف ولا جواز سفر، يأخذنا إلى البعيد والسحيق، نتوحد به ونطوف في دائرة قطرها الكون، طاقة تخترق كياننا، توقظ وعينا العتيق.. وفي البدء كانت الكلمة والكلمة كانت الإنسان.

مدربة معتمدة في علوم الريكي والبرمجة اللغوية العصبية

الصوت العنصر الوحيد الذي بقي بدائياَ فينا، لأنه حافظ على تناغمه مع الصوت الكوني خارج الزمان. فالصوت ولد من الفراغ، كان نوراَ وبيقظته نستعيد ارتباطنا بالكوني والمقدس، وإن يقظة الصوت الداخلي تسمح بالعودة إلى جوهر الكون. إن المعرفة لم تجرد الإنسان من فطرته الطبيعية، وعلاقته بصوته الداخلي والمعبر عنها بالصوت الخارجي (نطقاَ وغناء)، بل كانت تتحد بالمعرفة الكونية المقدسة، التي تملك السطوة على المعرفة العقلية.

يتم التواصل بين الكائنات البشرية بواسطة الصوت الداخلي ومن دون كلام منطوق، أو من خلال النطق (الصوت الخارجي)، وهذا ما يمنح الكلام أهمية وحياة. فالكلمة هي شهادة الكائن على تفرده، ومرافعة لأفكاره ومعتقداته، الكلمة صورة ناطقة لقائلها ولكنها ليست أرفع شأناَ منه.

فكما أن لكل لون من الألوان رنينه الخاص الذي يؤثر على أجسادنا في أبعاده نرى أن اللون الليلكي أو البنفسجي بالتحديد يعبر بنا حاجز المرئي وينقلنا إلى عالم الأصوات الحادة، التي تربطنا بالعالم الآخر. وهل ينسى الإنسان تهويدة الأم والجدة في طفولته الشفيفة، وكلنا يرددها لأبنائه تهويدة تسافر بنا إلى اللامرئي حيث نحط الرحال ونغفو في حضن الكون بسلام، طاقة تتعمق في اللاوعي، نستحضرها حتى ونحن كبار، نرددها في غيبة الأحبة.

الطقوس الدينية والصوت

تشكل التراتيل والأغاني المقدسة وسيلة مألوفة ومريحة للتواصل بين المؤمنين وأسرار الدين، كما أن هناك علاقة بين الطقس والإيقاع، فلكل طقس إيقاعه الخاص، وإيقاعات الصوت في التراتيل الدينية تؤمن للمسكون فيضان الطاقة، التي بدورها تجعله يعبر عتبة الإشراق والوعي. حيث الانسجام وانعدام التناقضات كما هو الحال في التراتيل وحلقات الذكر عند المتصوفة، وبتكرار الصوت المرتبط بذكر الله يتوحدون مع المتناهي بحركتهم اللولبية.

ويربط المؤذن المستمعين بالمقدس، يشركهم بعالم شفاف ماورائي بعد أن تعلم المؤذن أصول الصوت الحجابي. فنقطة انطلاق الصوت في الحجاب الحاجز تصلنا بالكون واللامتناهي.

وبما أن الرنة أساس الصوت وجوهر الكون نجد أن اللغة العربية هي لغة التواصل الطبيعية بين الإنسان وخالقه، وهي لغة الحوار الدائم بين الروح والمادة. فكل كلمة تحمل رنيناً روحياَ، وهذا مستمد من طبيعة اللغة ذاتها، فلكل حرف من حروفها أبعاده الثلاثة المتمثلة في النطق. مثلاَ ألف

(أ - ل - ف) ب (ب - ا- ء) وهكذا.

وفي التجويد القرآني والإنشاد الديني يتم تحرير النطق، وبالتالي تحرير الذات، وهو شكل من أشكال العلاج والكل منا يعرف صدى التلاوة في نفسه حين يستمع إليها. ولا ننسى ما يوجه به الكثير من المهتمين بعلوم الطاقة إلى الاستماع إلى سورة الرحمن بصوت الشيخ عبدالباسط عبدالصمد، لما يحمله صوته من طاقة قادرة على منح السكينة والهدوء للنفس الإنسانية.

فمن خلال هذه التلاوة يتوحد الصوت الخارجي مع الصوت الداخلي، في رحلة الارتقاء والتوحد والبحث عن الذات. عندها يعيش الفرد حالته الجسدية والنفسية بتاريخها وتعقيدات الحياة بسلام وهدوء، ويتوحد بالصوت مع الكلمة والجوهر.

إن النظرية الجسد نفسية تأخذ بعين الاعتبار تأثير النفس والكلام في الجسد، وهي نظرية حديثة، غير أن امتدادها قديم جداً. والنَفَسُ هو مصدر الصوت، فجسم الإنسان هو سلم نغمي وقد يفتقر هذا الجسد إلى التناغم بسب ضغوطات الحياة والممنوع. فتحرير النَفَس والصوت وإطلاق اللسان يحرر النفس ويريحها لأن الكلمات المخنوقة تعذب الجسم، فيظهر المرض.

والصوت من رقائق الطبيعة البشرية يكشف الانفعالات والأحاسيس، وهو الحصيلة المباشرة للطبيعة المادية (الصوت الخارجي)، واللامادية (الصوت الداخلي). وكي تعبر الطبيعة عن ذاتها، يجب أن يكون جهاز الصوت سليماَ، لما للصوت من قدرة على إحداث التنشيط للجسد عبر النَفَس الحجابي، لتحرير مجرى الهواء.

وبما أن الرنين يبدأ بحركة اهتزاز تحدث في مكان ما، كذلك الصوت. فانطلاق ذبذباته من خلال ما تزفره الرئتان يلعب دور المحرض على الاهتزاز، ودور الوسيلة التي تبث من خلال الموجات الصوتية. ومما هو جدير بالذكر ما يحمله هذا التنفس من قدرة تعبيرية عن الحالة الشعورية المعبر عنها، فمشاعر الغضب تخنق الصوت من جهة الحلق، ومشاعر الفرح تنشط جريان الهواء وتريح النفس، مما يجعلنا نولي الحواس أهمية كبيرة،

فهي مصدر ملذاتنا وآلامنا، ولها السطوة والقوة في توجيه حالتنا وإيقاع صوتنا. وبالعودة إلى التنفس الحجابي (تنفس الطفل) نجد أن الحجاب الحاجز هو المركز العاطفي للانفعالات الخارجية، مركز الكبت أو الانشراح (شاكرا الضفيرة الشمسية- الجسم الكوكبي). فالأماكن التي تهتز بفعل الصوت هي المتأثرة بالإحساس العاطفي للجهاز العصبي الودي. كما يرتبط الصوت بحاسة السمع، وهذه الحاسة هي الأقوى، وهي التي تسير بقية الحواس لارتباطها بالجسم العقلي (منطقة الرأس).

العلاج بالصوت

ترتكز محاور تطبيق العلاج الصوتي على التواصل الأفضل مع الآخرين والبيئة عبر التواصل الشفوي، والوصول من خلال هذا التفاعل إلى أبعد من حدود الكلمة، لفهم حقيقة وجوهر الآخر، ونسافر عبر الصوت إلى أبعاد هذا الكائن الجسدية والنفسية بكل تفاصيلها بغية توحيدها، وانطلاقاَ من الرنة الكونية نركز على تقنية الرنين، من خلال تحرير الصوت بالتثاؤب والضحك والكلام والغناء وحتى الرقص، لأنها بمجموعها تعبر عن أصواتنا الداخلية.

إن شحن هذا الجسد بطاقة الصوت يجدد الخلايا، لأنه يتخطى الزمان واللامرئي، ولأن الصوت مرآة الشخصية، وهو على هيئة الجسد والنفس، فمن خلال النَفَس (الصوت) يمكن المعالجة بالموسيقى بإيقاعاتها المختلفة لإطلاق الصوت الذي تكبحه العقد (الضغوطات الجسدية والنفسية بالإضافة إلى أهمية تمارين التنفس البطني (الحجاب الحاجز)، فالنفس هو سر التواصل مع الذات، كما يمثل الصوت الداخلي فينا.

وتعمل تمارين الاسترخاء على إيقاعات موسيقى ما بإجبار الإيقاع الغريزي، وتحريضه للتوافق بين الصوت الداخلي والصوت الخارجي، أي بين الإنسان ومحيطه. وبفعل طاقة الصوت يمكن العودة إلى حالة الصفر (خارج الزمن)، وهذه الحالة تساعد على تحرير الإنسان من المشاكل الزمنية وجذورها المتعمقة في الماضي، فتكشف إيقاعات الصوت العقد والأوجاع الجسدنفسية التي غابت في غياهب الصمت ومناحي الحياة.

فما تعجز الكلمة عن البوح به، يفصح عنه الصوت (فالصوت السليم في الجسم السليم)، فهو يملك القدرة على التعبير عن الجسد بحال تناغمه أو تعارضه. والصوت المريض هو الصوت الذي لا يعبر عن كل طاقاته، فيأتي حبيساَ غير منطلق، لأننا ومن غير أن ندري نرتمي في أحضان صوتنا الداخلي، حيث الماضي والحاضر والمستقبل.

ولأن الوجه هو باب الصوت، لابد من تحرير الوجوه المغلقة من خلال التدريب على الاسترخاء وتحرير العضلات، بالتثاؤب والضحك، ولأن للأنا أهمية خاصة في العلاج الصوتي، لذا يعتبر الصراخ أحد تقنيات العلاج، ولكنه صراخ محدد. صوت ونفس وحياة.. أي العودة إلى البدائية.

وهناك حالات فيزيولوجية تعيد الإنسان إلى بدائيته وفطرته كالصراخ الناتج عن الخوف، والسعال من البطن وليس من الرئتين، والضحك من البطن والمناداة بصوت مرتفع، والقدرة على التقاطه عن بعد. ومما هو جدير ذكره هنا توازن الطاقة عند الكثير من القبائل الإفريقية والماوري، بسبب حرصهم على التمسك بهذه الحالة البدائية والعفوية.

ولا يفوتنا في هذا السياق ما يرويه لنا أجدادنا وجداتنا عن سبل تواصلهم، وكيف كانوا ينادون أبناءهم من قراهم ولمسافات بعيدة، وقدرة الأبناء على السمع والاستجابة، وفي حالهم هذا يتحول الصوت في الطبيعة إلى رنة كونية تحمل عناصر الطبيعة، يتوحدون بالصوت ويتفاعلون معه.

إن طاقة العلاج بالصوت وسيلة لإتمام رحلة الكيان البشري، وإعادة تناغم الإنسان مع محيطه، ليحقق ذاته عبر صوته. ولتحقيق الاهتزاز الداخلي يجب أن يتناغم مع الرنة الكونية، بدءاَ من الأذن التي هي أكثر من أداة إصغاء وتوازن.. إنها جسم المعرفة العقلي، فهي تعيد شحن قشرة الدماغ بالكهرباء وبالطاقة، وتوزع قشرة الدماغ بدورها هذه الطاقة على كل الجسم لتقوية الكائن وتنشيطه.

إن الأصوات الحادة تضخ المزيد من الطاقة في الدماغ، لذلك فهي أصوات شحن (طاقة يانغ)، أما الأصوات الخفيضة فهي أصوات تفريغ (طاقة ين). ومن هنا نلاحظ أن الأشخاص الذين يميلون للاكتئاب والتعب هم أصحاب الأصوات الخفيضة. أما أصحاب الصوت الصادح فيتميزون بالقوة والحيوية والنشاط.

إن البحث في الإنسان وطاقاته وما يرتبط به في ظاهره وباطنه ضروري لتحقيق الذات، وإدراك مكونات النفس البشرية وذبذباتها الصوتية واللونية والإدراكية، وتأثير هذه الذبذبات في عالم الإنسان الداخلي الذي هو مرآة لعالمه الخارجي، يربطه بحقيقة كيان وأبعاد هذا الكيان.

ما أحوج إنسان اليوم إلى المعرفة الأزلية لهذه النفس، وما يتوارد عليها من ذبذبات. فإنسان اليوم يتأرجح بين حالتين تلغي إحداهما الأخرى، وهما (التشنج والاسترخاء) والتي تتجلى حياتياً في حالتي (الصلابة والانحلال أو اللامبالاة) وفي تقنيات الصوت يعاد التوازن لحالة الصوت والجسد، ويصبح الاسترخاء هادفاَ ممزوجاَ بحيوية ومرونة بصلابة الحياة والتحديات، بهدف الوصول إلى خلق حالة جديدة قوامها استقرار الإنسان في كونه، وشفافيته في تعامله مع محيطه، وقدرته على التقاط ذبذبات الكون، وتفتح مسارات وعيه لكون آمن عبر الكلمة ببعدها التجاوزي، ونداء الكينونة الإنساني

سعاد غانم