على الرغم من أن متلازمة المباني الحديثة حالة غير معترف بها لكنها على الأغلب تستخدم لوصف حالة أناس صحتهم ليست على ما يرام يعملون في مكاتب مغلقة. ولكن حالما يغادر الناس تلك المكاتب أو المباني سرعان ما يشعرون بتحسن وبأن الأعراض التي كانوا يعانون منها قد زالت،
الأعراض الشائعة لتلك الأماكن، الشعور بحكة في الجلد أو ظهور طفح جلدي، فضلا عن الشعور بجفاف وبحكة في العينين والأنف والحنجرة. كما يعاني الذين يعملون في تلك الأماكن من الصداع والشعور بالكسل والخمول أو بعدم القدرة على التركيز ويمكن أن يسيل أنفهم أو يشعرون بجفاف وتصلب داخل الأنف.
لقد تناولت «الصحة أولا» هذه المشكلة الشائكة من جوانب صحية ونفسية وعصبية للتعرف على حجم المشكلة التي يعاني منها الموظفون وهم يقضون سحابة طويلة من أوقاتهم داخل تلك المكاتب المغلقة كما الهواء دون تغيير أو تجديد طوال اليوم.
يقول الدكتور عامر سعد الدين اختصاصي الأمراض النفسية في دبي إن هناك اختلافا كبيرا بين حال الموظف عندما يحضر للمرة الأولى للعمل في مكاتب مغلقة وأحواله الصحية بعد مرور نحو سنة أو سنتين من العمل. ويعاني الموظف الذي يعمل في تلك الأماكن المغلقة من مشكلتين. المشكلة الأولى المعاناة من رهاب تلك الأماكن أو الكلستروفوبيا، حيث يشعر بأن المكان ضيق عليه، ويضيق صدره وتبدأ أعراض القلق بالظهور عليه، وهي تترافق ما بين الخوف والشعور بأن شيئا ما على وشك الحدوث. وقد يصاب الموظف بصداع ليس له تفسير وبمشكلات في الجهاز التنفسي.
ويرافق تلك المشاعر النفسية أعراض جسدية، منها ضيق النفس وتسارع في ضربات القلب، وشعور بالدوخة وبأنه سيفقد السيطرة على نفسه أو يمكن أن تصل حالته إلى مرحلة الهلع، حيث يشعر بأنه على وشك الموت. والحقيقة أن جملة ظواهر تتجمع لتترك ذلك الأثر البشع على الموظف مثل إحساسه القوي بسوء التغذية وتأثير روائح الأثاث والدهانات عليه. وتزداد الأمور تفاقما، إذا كان الموظف يعاني من مدير دكتاتور يفرض الأوامر بصرامة.
وتبدأ تلك المشاعر باجتياح الموظف منذ ساعات الصباح الأولى أي مع بداية العمل، ويبدأ نهاره بوضع سيناريوهات مخيفة تمسه شخصيا، مثل فقد عمله، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تراجع أدائه. ويرافق ذلك أعراض مثل القلق، ويأتي القلق أيضا نتيجة الجهد المبالغ فيه وللأسف فإن كثيرين ينوؤون بتلك الأعباء، ولكنهم لا يشتكون، بل إن الموظف يردد عبارة أخاف من مديري، أنا متضايق، أشعر أني غير سعيد في عملي وتتحول تلك المشاعر المتكدرة إلى أعراض جانبية.
والحقيقة أننا ننصح الأطباء دائما خاصة الأطباء العامين أن يخصصوا وقتا جيدا للإصغاء لمرضاهم للتعرف على معاناتهم جيدا ويسألونهم عن حدوث أي تغيير في حياتهم جعلهم يتضايقون، وذلك للاقتراب أكثر من حقيقة تأثير المكان على حياتهم النفسية. كما على الطبيب أن يتحرى ما إذا كان الموظف يعاني من إجهاد العمل الذي يؤدي إلى القلق. ويشتكي كثيرون من الإحباط، وهي مرحلة ما قبل الاكتئاب، حيث تتلاشى حماسة العمل، كما تتلاشى الشعلة المتقدة وتذوي لتختفي تماما بعد مدة، بعد أن تكون احترقت لفترة طويلة.
وفي الحقيقة أن الحماس يمكن أن يختفي تماما إذا ما تدارك الموظف نفسه، وقد يؤدي عدم العلاج إلى الدخول في مرحلة مرضية من القلق أو الاكتئاب. ومن العوامل التي تعكر صفو حياة الموظف نقله إلى مكان غير مريح أو أن الأشخاص الذين سيتعامل معهم في المكان الجديد لا يشعر بألفة أو ارتياح تجاههم. كما أن أماكن العمل هي مواقع خصبة لإثارة الكثير من المشكلات النفسية التي إن لم يتم تداركها أو إيجاد حل لها فإن الأمور تزداد تعقيدا بالنسبة للموظف حتى يصل به القلق إلى مراحل متقدمة.
إن أعباء العمل المتزايدة يمكن أن تترك لدى الموظف شعورا بضيق الصدر وصعوبة في التنفس وهي جوانب من حالة القلق النفسي. ويؤدي هذا إلى تراجع إنتاجه، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى قرارات خاطئة،مثل ترك العمل رغم كونه جيدا. وقد يكون كل ما في الأمر هو إعادة جدولة العمل والأوقات، ومصارحة المدير المسؤول عنه.
وفي ضوء ذلك نؤكد دائما على ضرورة أن تبقى الأبواب مفتوحة بين الرئيس والمرؤوسين، حتى لا تحدث أجواء للتوتر وسوء الفهم بين الجانبين. ويمكن للموظف بعد ذلك أن يبحث عن مكان عمل آخر يناسبه ويناسب أموره وطموحاته.
وهكذا نرى أن لغة الحوار هي الوسيلة الأفضل التي تساعد على الانسجام. ويحبذ تنظيم جلسات اجتماعية واحتفالية صغيرة والقيام برحلات جماعية.
الشكل الجمالي للمكتب
هناك أمور بالغة الأهمية تؤدي إلى التخلص من الضيق أثناء العمل في المكاتب المغلقة، فالديكور وتغيير ترتيب المكتب يمكن أن تكون له آثار بالغة الأهمية على نفسية الموظف. والحقيقة أن تلك التغييرات مهمة خاصة وأن الإنسان يقضي نحو ثلث عمره في المكتب، فإذا لم يكن مرتاحا في مكتبه فإن مشكلات نفسية كثيرة قد تترتب على ذلك.
وعلى هذا فإن الموظف إذا تضايق من مكان عمله فإنه يفقد متعة الحضور إلى مكتبه. ولذلك لا بد من الوصول إلى درجة المتعة حتى نجد الراحة الكاملة أثناء العمل وحتى يكون لذلك مردود مهم للإنتاج. إننا ننصح دائما أرباب العمل أن يوفروا الراحة لموظفيهم أو عمالهم، لأن الإنتاج سيكون أفضل بكثير مما هو عليه في السابق ويصبح المكسب إنسانيا وماديا أيضا.
ومن المقترحات الممكنة وضع نباتات خضراء أو أحواض أسماك زينة والقليل من الورود التي يمكن تغييرها كل أسبوع، فيبقى المكان قريبا من المشهد الطبيعي في الحدائق الخارجية. ونقول إنه لا بد من العمل في أجواء نفسية جيدة، وعندها تنتهي المشكلات الصحية والنفسية والبدنية.
محمد نبيل سبرطلي