الصحة هي الثروة الإنسانية، وهي وقود النفس والروح والجسد الإنساني مركبة عبور دنيوي إلى الحق، وفي إهمال المركبة تكون الرحلة في غاية السوء، وقد قيل قديماً «العقل السليم في الجسم السليم»، ويؤكد الطب هذا القول. بهذا يمكن القول: ان الجسم السليم من العقل السليم، لأن العقل هو الذي يقود الجسد ويسيره.
كلمة «صحة» من أصل سنسكريتي ha-soh وتعني النفس، والتنفس الصحيح، فالهواء يدخل الجسد شهيقاً بصوت soh ويخرج زفيراً بصوت ha وازدواجية التنفس تتكامل في توازن عمليتي الشهيق والزفير، وهنا يكمن سر الصحة وهذه الكلمة soh - ha تشعبت نغماتها الصوتية فاستخدمها المتأملون واليوغيون في تدريباتهم في علية التنفس ووعي مسرى الهواء داخل أجسامهم.
ان القصد من كلمة «صحة» هو صحة الكيان الإنسان ككل متكامل، من جسد ونفس وعقد، ومن هنا تأتي أهمية الغذاء وأثره ليس على الجسد وحسب، بل في النفس ونشاط الفكر إذ ان أبخرة الغذاء لا تتفاعل مع الأجهزة العضوية الداخلية فقط، بل تتفاعل مع الجوانب غير المرئية في الكيان الإنسان. أي في مراكز وعيه ودون أن يعي الإنسان ذلك، وإذا ما أولاها الإنسان الاهتمام الكافي من خلال الغذاء فإنه يستطيع التحكم بأمور كثيرة داخل كيانه.
وينسب إلى الطبيب العربي المشهور «الكندي» قوله: المعدة بيت الداء وهو قول يقدم نصف الحقيقة، فكما هي بيت الداء يمكن ان تكون أيضاً بيت الدواء، وهنا يقول الرازي «حين تستطيع ان تشفي المريض بالحمية أو بأنواع معينة من الطعام لا تصف له دواءً آخر».
كيف يؤثر الغذاء في الجسد سلباً وإيجاباً..؟
إن الغذاء الذي يحتاجه الجسم البشري يتكون من ستة عناصر، وهي البروتين والدهون والكربوهيدرات «سكر ونشاء» والفيتامينات الطبيعية والأملاح المعدنية والماء. والإنسان بحاجة لكل هذه العناصر الغذائية بشكل يومي وبنسب متفاوتة. وفي حالة نقصانها أو زيادتها فإن خللاً يطرأ على الجسم.
ويدق ناقوس المرض الذي يكون على نوعين: النوع الأول ناتج عن خلل صحي بسبب نقص أو زيادة في نوعية أو كمية الأغذية، وعلاج هذه الحالة سهل وسريع، أما النوع الثاني فينتج عن النفس البشرية، وأسبابه تعود إلى صحة الإنسان النفسية أو قانون الثواب والعقاب «ميزان الأعمال» على الشخص نفسه،.
وهذا النوع يمكن علاجه وتخفيف معاناته بواسطة طريقة حياة معينة مدعمة بنظام غذائي خاص، إذا إن كل غذاء يحتوي على عناصر حياتية محددة، ذبذبات من الطبيعة، من الهواء والشمس والطاقة الحياتية التي يحتاجها الجسم والعناصر التي يحتويها الغذاء تقوم بدور فعال في تغذية الهالة الأثيرية أو الحقل الكهرطيسي المحيط بالجسد، فالهالة لا تمثل صحة الجسد فقط، بل هي معيار الصحة المتكاملة للإنسان.
وتنتقل المكونات الغذائية من الجسد إلى الهالة الأثيرية عبر الطحال وهو أحد مراكز الوعي الداخلية في الإنسان، فالكيان البشري مترابط، والكل يؤثر في الكل، وبصحة أجساده في أبعادها الأثيرية والكوكبية «المشاعر» والعقلية فتتفتح الحاسة السادسة، ويصبح تلقي الأفكار والاستلهام أقوى، لأن الهالة الأثيرية هي بوابة عبور لذبذبات الأفكار.
وكذلك الحال بالنسبة للجسم الكوكبي «المشاعر والعواطف» فأي خلل يطرأ على الجسم الأثيري يؤثر سلباً في صحة الإنسان النفسية ومن الملاحظ ان هناك أغذية تسبب الكآبة للنفس، كما أن هناك أغذية تسبغ على النفس الهدوء والراحة، ويرجع السبب إلى إفرازات معينة تؤثر في الجهاز العصبي، والذي بدوره يسبب حالة نفسية إيجابية أو سلبية.
مفهوم الغذاء الصحي
الغذاء الصحي هو كل غذاء طبيعي لم تدخل في تركيبته المواد الكيماوية أو المواد المصنعة، وهو المتمثل بالهرم الغذائي الذي تمثل قاعدته من الأسفل إلى الأعلى الحبوب والخضار والفاكهة الطازجة واللبن الرائب ومشتقاته. وصولاً إلى الأغذية الحيوانية، وكلما قل تناول الإنسان للحوم صارت نفسه أقرب إلى الطبيعة.
وتناغم معها بهدوئها وحيويتها، واحتوت أبعادها جسده الطاقة الطبيعية لانتظام حياته، ومال تفكيره نحو القوة والصفاء حين يكون فكر الإنسان سليماً نشيطاً، يستطيع ان يفكر باتزان ومنطق وايجابية، وعندها يوجه النفس توجيهاً ايجابياً ويجنبها الحالات النفسية السلبية التي تضر بالصحة لأنه ما من شك ان الغذاء الصحي عنصر جوهري للوعي وحين يحتفظ الإنسان بتوازنه الغذائي تتجه النفس إلى عملها وكذلك العقل.
الطبيعة سخية، معطاءة، وعطاؤها متنوع من حيث المذاق واللون والشكل وكل نوع من عطائها يتشرب كميات محددة من ذريرات الهواء والشمس، ومن الجدير بالملاحظة ان عطاء الطبيعة يتمايز بشكل جلي، فهناك ما ينبت على الأشجار أو ما ينبت على وجه الأرض او ما ينبت في جوف الأرض.
فالثمار التي تنبت في جوف الأرض كالبطاطا والجزر والفجل وسواها تكتسب من جوف الأرض الذرات الأولية التي ظهرت إلى الوجود مع عملية خلق الإنسان، فتزامنت جذورها مع جذور الإنسان الأول وتناول هذه الثمار يغذي مراكز الوعي عند الإنسان وتساعده في تطوره الروحاني كما انها تنطوي على خصائص التكوين المادي التي تساعد المرء على الاكتمال بوعيه الجسدي. فهي تكسبه قوة ونشاطاً مميزاً لأعضائه الداخلية.
فالجزر يجعل البصر حاداً ويكسب العينين عنصر المقاومة ويقي من الجراثيم المؤذية مما سيجعل النظر عند الأجيال المقبلة لمشاهدة أبعد وشفافية أكثر أما بعض الحشائش التي تنبت على وجه الأرض كالنعناع والبقدونس والكزبرة ورغم انها تعلو لبضعة سنتيميترات عن سطح الأرض غير انها تستقبل مباشرة كمية من أشعة الشمس لتزود جسدنا ببرودة داخلية تساعد على التركيز الذهني والتأملي.
وبالعودة إلى التاريخ البشري نجد ان إنسان الزمن الأول كان بحاجة إلى البنيان الداخلي والى الصفاء النفسي وشفافية المشاعر والإنسان الذي كان يتناول ثمار جوف الأرض بكثرة وباستمرار كان يحصل على الرهافة والشفافية لكونها لذيذة المذاق فهي تجلب الفرح اللاشعوري إلى مراكز الوعي.
أما النبات الذي يحمل اللون الأخضر فهو الأكثر فائدة لعمل شاكرا الضفيرة الشمسية مركز الوعي الثالث «مركز المشاعر» حيث يتنوع عمل هذا المركز على الجسد بكل أبعاده.
والنبات ذو اللون الأخضر الفاتح كالملفوف مثلاً فانه يعمل على تنقية الدم من الشوائب ويعدل أنواع البكتريا اللازمة في حين ان الثمار التي تنبت على الأشجار فهي تستمد الكثير من أشعة الشمس وتتشرب بسائر أنواع العناصر الجوية المفيدة للصحة من نسيم وريح وأشعة حارقة صيفاً ولطيفة حيناً آخر ومطر ورذاذ فكل هذه العناصر تكسب الثمار ذبذبات وذريرات مفيدة للكيان الإنساني.
أما النباتات التي تنبت بجانب السواقي والأنهار ومواقع المياه فتساعد على تطهير الجسد من ترسبات الطعام وعفن الأمعاء لأن أشعة الشمس تصل إليها بصورة برودة بسبب الرطوبة.
أما الفاكهة فتعتبر غذاءً كاملاً بحد ذاتها إذا ما اقتات الإنسان بمعظم أنواعها لأن لكل نوع خصائص وميزات معينة فمنها ما يستمد من الشمس لونه ومنها ما يستمد من الشمس ذبذبات لونية أخرى لما لكل لون فائدة خاصة للإنسان ولمراكز وعيه.
وأكثر أنواع الفواكه فائدة هي تلك التي تستقبل الأشعة فوق البنفسجية لأنها تكون قد أكملت مرحلة استقبال جميع ألوان أشعة الشمس وتجاوزتها لاستقبال الأشعة فوق البنفسجية التي تنبثق من قلب الشمس وليس من محيطها كالخوخ والكرز والعنب الأحمر والأسود.
ان الطبيعة السخية المعطاءة تتعدد ألوانها ومذاقاتها واشعاعاتها المرادفة لإشعاعات شاكرا الضفيرة الشمسية مركز الوعي الثالث تتغلغل في بعض أنواع الثمار التي تنمو في المناخ المعتدل والمناطق المرتفعة عن سطح البحر كفاكهة الدراق فهي إحدى الثمار التي تتفاعل محتوياتها مع تلك الأشعة المميزة.
وتناول هذه الثمرة يوفر العناصر الغذائية الناقصة في الجسد ويضفي عليه الحيوية والنشاط لمدة طويلة وكذلك ثمرة الجوز الأخضر فاللب يفيد الجهاز الهضمي ويزود المعدة بمادة خاصة تمتص ما قد تجمع فيها من عفونة وتشكل حاجزاً واقياً حول غلاف المعدة من الداخل.
أما زهرة الزعتر الأخضر فتقوم بدور التنظيف الداخلي وتوجه عصارتها إلى الغدد الصماء وتتفاعل مع إفرازاتها فتساعد مراكز الوعي على اجتذاب الذبذبات العليا من الفضاء الخارجي وتوزيعها عبر قنوات الاتصال في الجسد وإبعاده في حين ان فاكهة الموز تبعد الإرهاق عن الجسد والسكر الطبيعي في الموز يجلب الدفء الداخلي إلى الجسد ومن هنا تأتي ضرورة تناوله شتاءً.
ان المعرفة والوعي بحوزة الإنسان بما منحه الخالق له من إدراك وقدرة خلاقة ومحبة وحكمة وعاطفة سامية وبصفاته التي جبل عليها وبتناسق صحته الجسدية والنفسية يتناسق قوام الطبيعة ويتناغم الكون بمكوناته.
فالطبيعة بحاجة إلى من يفهمها ويدرك واجباته تجاهها وبذلك تزيده عطاء وتفيده بخيراتها.. حينها يكون الإنسان قد أدرك الغاية من وجود الطبيعة والتي هي بالتالي تصب في هدف وجوده.
سعاد غانم مدربة معتمدة في الريكي والبرمجة العصبية
