الهندسة الوراثية تعني تخليق أغذية جديدة بمواصفات استثنائية تشمل تعزيز القيمة الغذائية والجودة باستخدام تقنيات علم الأحياء وهندسة الجينات، بحيث نجد أغذية وفيرة كما وكيفا ومقاومة للآفات الحشرية وعوامل البيئة التي كانت تفتك بالغذاء وتسببت في مجاعات عالمية مازالت صورها واضحة في إفريقيا وآسيا والعديد من دول العالم.
وقد دعت الأمم المتحدة في تقريرها حول التنمية البشرية الدول الغنية إلى تجاوز مخاوفها من المواد المعدلة وراثيا لمساعدة الدول النامية في الاستفادة من تقدم التكنولوجيا الحيوية.
وأكد تقرير الأمم المتحدة أن التكنولوجيا الحيوية تقدم الأداة الوحيدة والأمثل في الوقت الحالي لمساعدة المناطق البيئية التي لم تصلها الثورة الخضراء، والتي يعيش فيها نصف سكان العالم الأكثر فقرا.
وقال التقرير إن النباتات الجديدة المعدلة وراثيا لمحاربة الجفاف والأمراض والآفات يمكن أن تساهم في انحسار سوء التغذية الذي يعاني منه مليون شخص في العالم.
وأضاف التقرير الذي يعتبر أهم منشورات برامج الأمم المتحدة للتنمية أن الأولوية يجب أن تعطى لإنتاج أنواع جديدة من الحبوب والنباتات الأخرى الأساسية التي يعيش عليها سكان إفريقيا جنوب الصحراء.
وذكر التقرير أن التقدم التكنولوجي في مجال زراعة النباتات والسماد والمبيدات ساهم في مضاعفة المحصول العالمي من الحبوب خلال السنوات الأربعين الماضية.
لكن الإمكانيات التي توفرها التكنولوجيا الحيوية والتي تتيح تسريع عملية تزاوج النباتات عبر نقل المورثات (جينات) من نوع إلى آخر ليست مستغلة سوى بصورة طفيفة في الوقت الحالي، فمناطق زراعة النباتات المعدلة وراثيا انتقلت من مليوني هكتار في 1994 إلى 98 مليونا في العام الفائت، لكن %98 من هذه المساحات تتركز في ثلاث دول هي الولايات المتحدة وكندا والأرجنتين.
وأشار التقرير إلى جهود البرنامج والحكومة اليابانية لإنتاج نوع جديد من الأرز بالتزاوج بين أنواع آسيوية عالية المردود وأنواع إفريقية مقاومة للجفاف والحشرات، وقال إن الأرز المعدل يوفر إمكانيات كبيرة لصغار المزارعين في المنطقة بأكملها.
ويقر تقرير الأمم المتحدة بأن أثر الزراعات المعدلة وراثيا على البيئة لا يزال غير معروف، فمثل هذه التعديلات قد تؤدي إلى تغيير النظم البيئية ونقل مورثاتها إلى أنواع مجاورة لها أو حتى ترك أثر سلبي على نباتات أو حيوانات أو حشرات أخرى مثل الفراشات.
المزيد من الأبحاث
وأكد التقرير على ضرورة إجراء مزيد من الأبحاث حول آثار التكنولوجيا الحيوية حتى يمكن فهم المخاطر التي تنطوي عليها، وإن كان عدد الدول القادرة على القيام بذلك محدودا جدا، وخلص إلى قدرة الدول الغنية على مساعدة الدول الفقيرة عبر مشاطرتها نتائج أبحاثها.
مشيرا إلى أن بروتوكول قرطاجنة حول الأمن الحيوي أوجد آلية تتيح للدول تبادل المعلومات حول النباتات المعدلة وراثيا، ووقع البروتوكول حتى الآن 103 دول، ولكن لم تصادق عليه سوى 5 دول، في حين يحتاج إلى تصديق خمسين منها ليصبح ساري المفعول.
ففي بريطانيا ما زالت المعارك مثارة على أكثر من جهة بين العلماء والمنتجين من جهة والحكومة والشعب من جهة أخرى، وأدت نتائج هذه المعارك إلى انشقاقات في الصفوف، فالحكومة انقسمت عن الشعب والعلماء انقسموا إلى جبهات متضادة.
ومن أبرز هذه الجبهات الجبهة التي تطالب الحكومة باتخاذ رأي واضح حول تصنيف الأغذية المعدلة وراثياً وذلك بوضع عبارات صريحة على العبوات المحتوية على هذه الأغذية تؤكد وجود (ام. جي) بها، سواء كان محتواها من هذه المواد الغذائية جزئياً أو كلياً.
ورغم أن العلماء ما زالوا يؤكدون أن استخدام الهندسة الوراثية سيشهد فائدة تعم البشرية جمعاء، إلا أن الناس مثارون من العبارات التي يطلقها إعلام الإثارة (الغذاء المدمر)، الحكومة البريطانية من جهتها تؤكد أن للمواطنين الحق في مطالبهم.
وهناك لجنة خاصة تسمى لجنة التعامل مع الأغذية جديدة التصنيع ضمت صوتها لمطالب الناس، وطالبت الجهات التصنيعية بوضع ملصق على العبوات المحتوية على أغذية (ام. جي) إلا أنها استدركت مطالبها بالقول إن المقصود أن يوضح على الملصق إن كانت العبوة تحتوي على نباتات (ام. جي) .
ولكنها لا تحوي مواد معالجة جينياً تساوي في ذلك المواد التي جاءت من المصادر التقليدية. فالمنظمات المعارضة تتهم العلماء بإخفاء الحقائق، وتتهم الشركات المتبنية لهذه التقنيات بأنها تشتري الإعلام والأقلام لتحقيق أرباحها التجارية، وهي كذلك تتهم الحكومات بالدعم غير المحدود لشركات هندسة الجينات.
وفي المقابل مازالت المنتجات تنتج ومازالت الأغذية المعدلة وراثياً تغزو الأسواق، ومن هنا فإن هناك وجهة نظر للمعارضة لهذه التقنية بجانب السيل المندفع من الآراء المعارضة الأخرى.
وتتمثل وجهة النظر المعارضة هنا في عدم تمكن الباحثين من وصل الجين المنقول ومكان وصله في المستقبل واحتمالية أن هذا الجين المنقول قد يؤثر سلباً على فاعلية ودور الجينات الأخرى في الكائن المستقبل.
