السير في طريق الحق وخدمة البشر رسالة إنسانية، والمرض وفقاً لما يقوله الامام الغزالي هو خبرة البشرية لتصل إلى معرفة الحق (الله) ويقول أيضا: «الأمراض خدامي، عبرها أتواصل مع أصدقائي المصطفين». هكذا لا يمكن اعتبار المرض عدو الإنسان، بل هو ميكانيكية الجسد، والواسطة التي تصلنا بالطهارة والنقاء والتوازن بين الجسد والعقل والروح.

قد يكون من السهل معرفة وفهم المستوى الجسدي للأمراض، فعندما نشعر بخطأ ما في حالة الجسد، فإننا نتنبه له فوراً. ووظائف الجسد الفيزيائية مرجعها النفس، والنفس إنما تمثل الجسد برغباته وغرائزه، فكل أمراض الإنسان إنما ترتبط بأبعاد الجسد الثلاث: النفس والعقل والروح.

مراتب النفس

ان النفس الإنسانية عبر مراتبها إنما تسعى للتسامي من حالة النفس الأمارة إلى النفس المطمئنة حيث تمر بمجموعة من المراحل والمجاهدات كي تحقق التسامي، وكلمة النفس تعني النفس، الحياة الحيوانية، الروح والجواهر. فالنفس الإمارة بتحريكها للرغبات والشهوات والإلحاح عليها، توسع من حقل الأنا الرغائبي للانسان، مما يقود إلى اعتلال الجسد والنفس.

وتظهر آثارها السلبية في السلوك البشري كالإدمان والإجرام والعنف وأمراض العين المختلفة والأزمات القلبية وأمراض الشرايين والأمراض الخبيثة. أما سبل التخلص من سيطرة الانا الرغائبي إنما يتم من خلال تدريب الذات، وتعويد الانا على الانضباط من خلايا تعزيز حس المسؤولية والاحترام، واظهار العاطفة والشغف بالقيم العليا، التي تشكل سلم ارتقاء، أو معراج سمو إلى مقامات النفس العليا.

الإسلام والنفس

لهذا اهتم الإسلام بتهذيب النفس، والحث على مجاهدتها، وقيادتها في مسار الارتقاء ليحمي المجتمع من الآثار السلبية للنفس الأمارة.

اما البعد الآخر للإنسان المتجلي في صورته الفيزيائية فهو البعد الشعوري أو ما يدعى بالبعد العاطفي الانفعالي والبعد العقلي، وهما يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بصلة عميقة مع وظائف الجسد.

فمشاعر الغضب والسخط من أكثر الأمور المؤثرة في حقل الجسد بمنطقة القلب، حيث الجوهر والنقاء والمركز والترتيب والبداية. فالقلب يعني كل الأحوال الواردة والتحولات، وأجمل ما أطلق على هذا المقام: (البيت المعمور)، موطن الحب والأمن والسلام والإيمان، فالذين يستوطنون هذا المقام انما يحملون الخير لذاتهم وللعالم.

قد يتخيل للبعض انه ما من مرض يظهر على الأشخاص الذين وصلوا إلى هذا المقام، لكن في حقيقة الأمر يحصل الضد تماماً، فقد ينزع هذا الإنسان لحالة عدم التوازن ما بين الجسد والشعور. وقد يفقد الانسجام مع محيطه، مما يترتب عليه مشاكل في الاتصال وأخرى مالية، بالإضافة إلى عدم القدرة على التلاؤم مع المتغيرات التي يمر بها الأصحاب، فتبدأ خسارة الأصدقاء. وعلى العموم فإن خسارة الأصدقاء طبيعية جداً في هذا المقام.

الأثر الخالد

أما البعد الثالث لوجودنا فهو الروح، أثرنا الخالد بعد الفناء، وهو المحرض للجسد والعقل، فالروح منشط النفس في نقطة النفس، ووحدة النفس من شهيق وزفير هي الخط الفاصل بين الحياة والموت.. اننا نستطيع العيش دون أنشطة فكرية ودون حركة فيزيائية، لكن دون النفس فلا وجود لنا. والإسلام يعتبر ان نفس الحياة يوجد ويستمر بإذن الله الخالق الواحد الأحد، (أما الروح فعلمها عند ربي).

مركز الروح هو قلب الإنسان، الذي يتغذى بالحب والعاطفة والرحمة والعطف وباقي القيم الايجابية، وعند فقدان عزيز يمتلئ هذا القلب بالحزن فتظهر الأعراض المرضية في الجسد الفيزيائي كالذبحة القلبية، وكل ما يخص أمراض القلب، الذي لا يمثل في الإسلام مضخة للدم بل هو مستودع السر المقدس وبذرة النفس التي تنشط مع كل نفس.

وعندما يصدر الإذن من الخالق إنما يتموضع في القلب لينشط الخصائص القدسية التي خص الله تعالى بها الإنسان دون سواه. وخصائص قدسية الخالق تتجلى بصفاته المتمثلة بأسمائه الحسنى، وبذكرها يحيي هذا القلب ويعمر البيت المعمور (ألا بذكر الله تطمئن القلوب).

لقد أكدت كل العلوم والمعارف الشرقية على وحدة هذا الجسد وتناغمه وهو ما أكدته من قبل الأديان السماوية، ومن خلال الانسجام بين ابعاده يحقق الإنسان التوازن في الحياة، أما العقل فقد عول عليه الإسلام بالميزة التي خصها الله سبحانه وتعالى للإنسان وحده وجعله متفرداً وسيداً، فبالعقل ندرك الوجود.

ونحيط بالكون ونتأمل ما وراءه انه القلب السماوي الذي يصلنا بالخالق وقد أكدته النصوص القرآنية في مخاطبة العقل وتوجيه الحديث إليه مباشرة (هو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع، قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون).