البيت هو الوعاء الذي يترعرع فيه كل شخص، ففيه يتعلم الكلام والمشي باختلاطه وتعامله مع أفراد أسرته، ومن خلال هذه الأسرة يكتسب الطفل معلوماته الأساسية التي تؤهله لخوض غمار الحياة في المستقبل، لكن ماذا جرى لهذه الأسرة في وقتنا الحاضر؟ هل مازال أفرادها يتحادثون ويتسامرون ويكتسب كل واحد منهم من الآخر ؟

أم أن الحياة المعاصرة بكل ما أتت به من تقنيات غزت البيوت والعقول والقلوب، حدت من دور الأسرة ومن ترابط وتعايش أفرادها مع بعضهم، فالفرد بات اليوم يعيش مغتربا بين أفراد أسرته حيث أخذ الإنترنت والهاتف المحمول والساتلايت جل وقته وراحته وإعطاه كل ما يشغل باله ويقلق راحته وقد أصبحت هذه التقنيات هي وسيلة التواصل بين أفراد الأسرة وغابت معها الجلسات الأسرية الحميمة.

ولكي نتعمق أكثر ونضع أيدينا على تلك المثالب التي خلفتها التقنيات الحديثة على كيان الأسرة كان لـ «الصحة أولاً» هذا التحقيق:

عالم آخر لقد أصبح لكل منا عالمه الخاص هكذا بدأ علي مبارك كلامه عن الاغتراب الذي بات يعيشه أفراد أسرته بعد أن تسللت التقنيات الحديثة إلى بيته وتابع :

قبل بضع سنوات كنا نجتمع يوميا بعد انتهائي وزوجتي من العمل وقدوم الأولاد من المدرسة على مائدة الطعام وبعد ذلك نقضي بقية النهار أمام شاشة التلفاز التي في حينها لم تكن تضم سوى بضع قنوات، لكن الأمر الآن تغير، فلدى كل واحد من أبنائي جهاز كمبيوتر شخصي لا يكاد يفارق أيديهم إلا عند دخولهم الحمام.

كذلك زوجتي أصبح التنقل بين المحطات التلفزيونية والقنوات الفضائية وظيفة يومية تقوم بها إلى جانب عمل البيت الذي باتت تسعى للخلاص من أعبائه عن طريق إحضار خادمة،فكل فرد من أسرتي أصبح له اليوم عالمه الخاص وأن أي تدخل من قبل أحد أفراد الأسرة به يعتبر انتهاكا للخصوصيات.

عواطف محطمة

سمية محمد كان للتقنيات الحديثة التي باتت تملأ أرجاء بيتها دور كبير في حدوث فجوة عاطفية بينها وبين زوجها حيث قالت : لقد كان زوجي قبل أن يحضر الخلوي والكمبيوتر الشخصي عندما ينتهي عمله في مكتبه في المؤسسة التي يعمل بها، يعود للبيت لكي يعطيني ويعطي أبناءه جزءا من وقته.

حيث يتابع أخبارنا وما نحتاج إليه. أما بعد أن أحضر تلك الأجهزة أصبح البيت بالنسبة له مكتبا آخر للعمل، حيث الاتصالات التي لا تنقطع وعمله المتواصل على الكمبيوتر الذي بات يتعدى حدوده باقتحامه سرير الزوجية الذي أصبح يضم جسدين لم تعد تربط بينهما أية عواطف.

غربة

إسماعيل خالد شاب جامعي حدثنا عن التقنيات الحديثة وعن دورها ومكانتها في حياته قائلا: إن جهاز الكمبيوتر الخاص بي هو كل حياتي، فأنا أحتفظ به بكل أعمالي وأسراري،وعن طريقه أبقى على اتصال دائم بأصدقائي إلى جانب أنه وسيلة الترفيه الأهم عندي.

فبالإضافة للمجموعات الغنائية والأفلام التي يحتويها فبه أتعرف على العوالم والأفراد من كافة الجنسيات عن طريق صفحات الدردشة، فأنا بمجرد وصولي البيت أتجه لغرفتي وأعيش مع جهازي الذي بات يوفر لي كل شيء أحتاجه حتى أني لم أعد بحاجة للخروج، فأنا وأصدقائي على لقاء مستمر عن طريق الإنترنت الذي لا ينقطع بيننا.

تواصل مزعوم

وعن دور التقنيات الحديثة في نشوء الاغتراب الأسري بين أفراد الأسرة الواحدة حدثنا د. عامر سعد الدين اختصاصي الطب النفسي في مركز دبي لصحة المجتمع قائلاً:

لم تسبب هذه التقنيات كثيرا من الاغتراب الأسري فحسب بل الاغتراب المجتمعي أيضا، فهي على الرغم من أنها في الظاهر تدعو إلى التواصل وتقريب المسافات، إلا أنها في الوقت ذاته تقضي على أواصر العلاقات بين الأسر والمجتمعات،فأنا تلقيت خلال شهر رمضان ما يقارب من الـ 100 رسالة على جهازي الخلوي للتهنئة برمضان ومعظم من راسلوني لم أرهم منذ سنوات، فنحن نتواصل بهذه الطريقة .

وهذا جيد ولكن بعد فترة من الزمن سنجد أن كل شخص منا يعيش في واد بمعزل عن الآخر.بالإضافة إلى أن الجلوس لفترات طويلة أمام هذه التقنيات يجعل الشخص يعيش في عزلة عمن حوله حتى أن الوقت الذي يقضيه مع أخوته وأهله يكون مشوشا لأن تفكيره مرتبط بتبعات تلك الأجهزة.

ومن الأمور السلبية الأخرى أن بعض الأشخاص يعانون من أمراض نفسية كالخجل المرضي والخوف الاجتماعي وغيرها ومع ارتباطهم وإدمانهم على استخدام تلك التقنية، فإن انعزاليتهم ستزيد وسيعتقد المحيطون بهم أن هذا أمر طبيعي، فهم كغيرهم ممن يقضون معظم أوقاتهم أمام الحاسوب وهؤلاء مع الوقت سيسوء عندهم المرض.

وفي اعتقادي أن الوسطية والاعتدال هي الحل الوحيد في هذه المسألة فلو قسمنا الأوقات التي نقضيها مع هذه التقنيات والأوقات التي نقضيها مع الأهل والأبناء فسنمارس حياتنا بشكل صحي سليم بحيث لا يطغى شيء على حساب شيء آخر.

كرم أحمد