لقد عرف البشر الصيام منذ فجر البشرية، وبالنسبة للجسد هو حالة الامتناع عن تناول الطعام والشراب بمكوناته المعروفة، وبمعنى آخر هو الامتناع عن تناول مولدات الطاقة التي يحتاج إليها الجسم.
ويأتي الصائم بالطاقة من مخزونه، حيث يعمل الكبد كمدير في هذه الحالة، وعليه تقع مسؤولية تزويد أجهزة الجسم بالسكر والطاقة في أثناء الصيام، فهو يستحدث الطاقة من تحلل الدهون ومن البروتينات التي تطلقها العضلات، أن يركب الكمية المطلوبة من السكر الضروري للطاقة.
إن آليات ضبط السكر والطاقة وإنتاجهما معقدة جدًا، ولكن جسم الإنسان السليم يتكيف بسهولة مع التبدلات الغذائية في حالة الشبع والصيام.
فوائد جمة
لقد لجأ الإنسان البدائي للصوم عن الطعام والشراب كوسيلة للتداوي من الأمراض. إننا نستطيع القول بكل ثقة إن فوائد الصيام قد عرفت منذ القدم، وقد ذكرها الأطباء والحكماء في مدوناتهم منذ آلاف السنين. لقد أكدت التجربة أن الصوم يمثل سلوكًا غريزيًا لدى الإنسان وحتى الحيوان للتخلص من العلل والتخفيف منها.
لقد أوصى أبقراط بالصيام كعلاج، وازداد الاهتمام بذلك كوسيلة علاجية بعد ميلاد المسيح عليه السلام، ففي السنة العاشرة من الميلاد لاحظ الحكيم «كونيلوس» سرعة شفاء العبيد مقارنة بالأحرار، وعزا ذلك لأنهم أكثر صومًا والتزامًا بالصوم كعلاج، وفي تراث العرب شواهد كثيرة على أن الصوم وسيلة من وسائل الوقاية والعلاج، فقد قيل قديما:
«المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء». لقد عنيت معاهد ومراكز البحث الطبي الغربية بالصيام كعلاج، وأدى ذلك إلى اعتماده وسيلة للتداوي في العديد من الحالات.
فالصيام يصل نفعه لكل خلية من خلايا الجسم، فلقد ثبت أن الصيام يريح الجهاز الهضمي من عبء الوجبات المتكررة وثقلها، ويساعد على الاسترخاء، وعلى التخلص من الفضلات والشحوم الزائدة ليستعيد نشاطه وحيويته بقية العام.
يشكل رمضان فرصة رائعة كي نغير من سلوكنا الغذائي، إنه فرصة حقيقية لمرضى البدانة وارتفاع شحوم الدم وارتفاع ضغط الدم والمصابين بأمراض الكبد والكلية وأمراض الشرايين وخناق الصدر، فلقد أثبتت الدراسات فعاليته في خفض نسبة الكولسترول في الدم، وخفض نسبة ترسبه على جدران الشرايين الدموية، وهذا يقلل من الجلطات القلبية والدماغية، ومن ارتفاع ضغط الدم، ويقلل من حصيات المرارة والطرق الصفراوية.
تهذيب للنفس والجسم
إن الصيام الذي يهذب النفس والروح يهذب الجسم ككل أيضًا، فالصيام يساعد على تنشيط وظائف الكبد البيولوجية، ويخفف العبء عن المعدة والأمعاء والبنكرياس والمرارة والكبد، فبالصيام يقل كثيرًا الطعام وعدد الوجبات، ويساعد هذا على تنظيم التنفس لأن الأمعاء بطابعها تضغط على الصدر والقلب، وبالصيام يصبح التنفس مريحًا.
ويقل عدد ضربات القلب وحركات التنفس لأن الجسم تقل حاجته لكميات الدم الكبيرة اللازمة للجهاز الهضمي في أيام الإفطار العادية، كما يقل العبء الواقع على جهاز القلب والدوران حيث تقل كمية الطعام المهضوم المتبقي والذي يحمله الدم عبر العروق إلى كل أجزاء الجسم، كما تنقص الفضلات الناجمة عن استقلاب الغذاء وبالتالي ترتاح الكليتان وفي الوقت نفسه تزداد عملية التخلص من سموم البدن في القولون والمثانة والكلية والرئة والجيوب والجلد.
وذلك على شكل مفرزات مثل المواد المخاطية من القناة الهضمية أو حتى من الطرق التنفسية كالقصبات أو الجيوب. يعمل الصيام أيضًا كمهدئ للجسم والأعصاب ويخفف من شعور الإنسان بالألم، ومن الجدير ذكره أن أول خلايا الجسم التي تستهلك كغذاء خلال الصيام هي الموجودة في الأماكن المصابة بالأمراض والشيخوخة والالتهابات، وبهذا يتخلص الجسم منها بإذن الله.
ومن الحالات التي تستفيد من الصيام أيضًا بعض الأمراض التي يحدث فيها احتقان وزيادة في المفرزات مثل التهاب القصبات الهوائية وحالات النزلات التنفسية مثل الرشح والانفلونزا، وكذلك الصداع والإمساك وعسر الهضم والإسهال والحساسية أو الأرج الغذائي، وحالات الحساسية تجاه العوامل الطبيعية والربو والحالات الجلدية المختلفة، وحالات ارتفاع درجة حرارة البدن، وآلام الظهر والأمراض العضلية، والأمراض المفصلية، والتهاب المعدة.
إن مجمل تأثيرات الصيام تنعكس على الجسم نضارة وحيوية ونشاطًا وشبابًا وبعدًا عن الشيخوخة ـ بإذن الله ـ مع زيادة المقاومة للأمراض، وإن مما يجدر ذكره أن المعايرات الهرمونية قد بينت أن هرمونات الشدة لا تتأثر بالصيام، وبالتالي فالصيام حالة غير مجهدة للجسم.
معالجة نفسية
مع التقدم في العمر يصبح الشخص أقدر على الصبر، ويتخلص بعملية النضج هذه تدريجيًا من حاجته للإشباع الفوري، وهذه ميزة أساسية من ميزات النضوج.
إن الصيام هو امتناع عن إشباع بعض رغبات النفس وبعض حاجات الجسم في وقت معين، وفي هذا تدريب للنفس على ما يدعوه علماء النفس (تأهيل الإشباع) وهذا هو ما قصدناه بمعيار النضج عند البشر، فالصيام بذلك هو دورة تدريبية فعالة وحيوية تتكرر كل سنة يستخلص منها الإنسان كل فوائد الصبر، وبما يدفعه نحو المزيد من نضج الشخصية وتكاملها.
يعتبر صيام رمضان أكبر فوز في حياة الإنسان كونه انتصارًا للإنسان على نفسه وشهواتها، وكونه بحد ذاته تربية للنفس على الإخلاص في كل شيء، وبطبيعة الحال إحياء الضمير والحفاظ على يقظته.
يعمل الصيام كعامل مهدئ فعال للإنسان، وهو بمجمل تأثيراته ينفع في الوقاية من حالات التوتر النفسي والجسدي وعلاجها، وحالات الأرق، واضطرابات النوم المختلفة، وحالات التعب والإرهاق، وحالات القلق والاكتئاب وحتى الفصام (الشيزوفرينيا). ويفترض أن أجواء رمضان الروحانية تخفض من نسبة الأمراض النفسية العضوية إلى حد كبير.
كما يشكل الصيام أيضًا فرصة رائعة للمدخن كي يقلع عن سجائره المدمرة، كما أنه فرصة ممتازة لأن نخلص أنفسنا وأبناءنا من أقنية تلفازية لا تراعي ذوقًا ولا أخلاقًا.
وكذلك فإنه من المعروف أن الصيام علاج لتخفيف الرغبة الجنسية وضبطها، وينصح به للذين لم يتيسر لهم أمر الزواج بعد، وكذلك فإن الصيام مدرسة للتعليم على الصبر والنظام في الحياة، وللتعود على استرخاء البدن وتقوية الإرادة وزيادة الاستقرار النفسي والعاطفي.
د. عبدالمطلب السح
