إن نجاح العلاج الدوائي يعتمد عادة على عوامل عدة من بينها دقة التشخيص ومعرفة أسباب المرض، وعلى تفاعل المريض مع طبيبه بصورة ايجابية بحيث يعكس الصورة الصحيحة في استجابته للعلاج، وهنا تكمن أهمية التواصل بين الطبيب المعالج ومريضه حتى يتسنى له علاج المرض وليس العرض،

حيث أن هذه الجزئية من الصعوبة بمكان في حالة الإصابة بالتوحد، لأن الشخص المصاب بالتوحد لا يستطيع التواصل مع المحيط الخارجي فضلا عن الطبيب المعالج وبالتالي فإن استقراء النتائج العلاجية محفوف بالعديد من الصعوبات من بينها تحديد العلاج المناسب وتقييم آثاره الجانبية، ومدى تأثيره على المدى الطويل، ومدى تفاعله مع العقاقير الأخرى وما إلى ذلك من الأمور التي يجب أن تؤخذ في الحسبان، لذا لابد من الاعتماد على عوامل أخرى للدلالة على نجاح العلاج مع تلك الحالات.

يتصف التوحد Autism بقصور في نمو الإدراك الحسي واللغوي وبالتالي ضعف القدرة على التواصل والتخاطب والتعلم والتفاعل الاجتماعي والتعبير عن الذات بصورة صحيحة، يصاحب هذه الأعراض نزعة انطوائية تعزل الطفل الذي يعاني منها عن وسطه المحيط بحيث يعيش منغلقا على نفسه لا يكاد يحس بما حوله وما يحيط به من أفراد أو أحداث أو ظواهر. ويصاحبه أيضا اندماج في حركات نمطية أو ثورات غضب كرد فعل لأي تغير في الروتين.

ويعتبر التوحد من أكثر الإصابات صعوبة من حيث تأثيره على سلوك الفرد وقابليته للتعلم أو الاندماج مع المجتمع أو التدريب أو الإعداد المهني أو تحقيق درجة ولو بسيطة من الاستقلال الاجتماعي والاقتصادي والقدرة على حماية الذات إلا بدرجة محدودة وبالنسبة لعدد محدود من الأطفال.

أما الصعوبات الأخرى فهي تتعلق بالتشخيص والتدخل لتعديل السلوك أو التأهيل الاجتماعي والمهني، وربما مما زاد من صعوبة هذه المهمة أنه حتى الآن لم يصل المهتمون إلى اتفاق عام على العوامل المسببة له، هل هي وراثية جينية أو بيئية اجتماعية أو بيوكيميائية أوهي نتيجة العاملين أو نتيجة لعوامل مسببة أخرى غير معروفة حتى الآن.

وترجع هذه الصعوبات أيضا إلى ثلاثة عوامل: الأول: هو أن أعراض التوحد تشترك أو تتشابه مع أعراض أو أمراض أخرى مثل التخلف العقلي والاضطرابات العاطفية الانفعالية وحالات الفصام لدرجة أن كثيراً من علماء النفس كانوا يعتبرونها حالة فصام مبكرة يبدأ ظهورها في مرحلة الطفولة. والثاني: هو أن البحوث التي تجري على التوحد حديثة نسبيا بدأت بدرجة محدودة في الخمسينات وبدرجة أكبر في السبعينات.

أما الثالث: فهو المسؤول عن صعوبات التشخيص والتأهيل: والقصور الشديد لنمو قدرات الاتصال بين الطفل الذي يعاني من التوحد والبيئة المحيطة وبالتالي يترتب على ذلك توقف القدرة على تعلم اللغة أو النمو المعرفي ونمو القدرات العقلية وفعالية عملية التطبيع الاجتماعي ومن الطبيعي أن يترتب على ذلك القصور في نمو قدرات الطفل وتعذر التفاعل والاتصال بين الطفل والبيئة المحيطة ببطء.

ومن المتعارف عليه أنه لا توجد طريقة أو دواء بعينه يساعد بمفرده في علاج حالات التوحد، لكن هناك مجموعة من الحلول مجتمعة مع بعضها اكتشفتها عائلات الأطفال والمتخصصون، وهى حلول فعالة في علاج الأعراض والسلوك الذي يمنعهم من ممارسة حياتهم بشكل طبيعي. تمثل علاجا ثلاثي الأبعاد نفسيا واجتماعيا ودوائيا.

وبينما لا يوجد عقار محدد أو فيتامين أو نظام غذائي معين يستخدم في تصحيح مسار الخلل العصبي الذي ينتج عنه التوحد، فقد توصل الآباء والمتخصصون بأن هناك بعض العقاقير المستخدمة في علاج اضطرابات أخرى تأتى بنتيجة إيجابية في بعض الأحيان في تحسين درجات من السلوك المتصل بالتوحد. كما أن التغيير في النظام الغذائي والاستعانة ببعض الفيتامينات والمعادن يساعد كثيراً ومنها فيتامينات B12&B6 كما أن استبعاد الجلوتين (Gluten) والكازين (Casein) من النظام الغذائي للطفل يساعد على هضم أفضل واستجابة شعورية في التفاعل مع الآخرين، لكن لم يجمع كل الباحثين على هذه النتائج.

الدواء

هناك العديد من الأدوية التي لها تأثير فعال في علاج سلوك الطفل الذي يعانى من التوحد كفرط النشاط، والقلق الزائد، ونقص القدرة على التركيز، والاندفاع وغيره، والهدف من الأدوية هو تخفيف حدة هذا السلوك حتى يستطيع الطفل أن يمارس حياته التعليمية والاجتماعية بشكل سوي إلى حد ما.

أنواعه

يمكن تقسيم العقاقير المستخدمة في حالات التوحد إلى أنواع عدة:

1- الأدوية المضادة للذهان

حيث تعطى هذه الأدوية لتقلل من عمل الدوبامين في الدماغ ( وهى مادة كيماوية عصبية) ويستخدم هذا النوع من الدواء للمصابين بالتوحد حيث أن هناك دلالات وجود زيادة لدى بعض المصابين بالتوحد بنسبة الدوبامين عن معدلها الطبيعي. وتشمل هذه الأنواع الهالوبيريدول والكوزابين والريسبريدول والاولانزابين والفينوثيازين والبيموزايد والكتيابين.

2- الأدوية المضادة للاكتئاب. ويستخدم هذا النوع من الأدوية للتقليل من السلوكيات الوسواسية القهرية ونوبات الغضب والعدوانية وفي تحسين المهارات الاجتماعية، ومن الأمثلة عليها، الكلوميبرامين والفلوفوكسامين.

3- الأدوية المضادة للقلق وتستعمل هذه الأدوية عادة مع علاجات أخرى، ومن هذه المضادات الكلوريلهيدريت والبوسبيرون.

4- الأدوية المضادة للتشنج تستخدم للمصابين بالتوحد الذين يعانون من نوبات صرع أو الصداع النصفي والشقيقة وتقلبات المزاج ونوبات الانفعال والعدوانية. ومن أشهر هذه الأدوية الكاربامازيبين وأسيد الفالبوريك.

5- الأدوية المنبهة واستعمالات هذا النوع يكون في علاج اضطرابات الانتباه والحركة المفرطة والاندفاع ومن أمثله المنبهات ريتالين والديكسدرين وسبانكاب.

6- محصرات الأفيون وقد استخدمت في خفض إيذاء الذات والنشاطات المفرطة لدى بعض المصابين بالتوحد ومن أمثلة هذه الأدوية النالتريكسون والنالوكسون.

7- محصرات البيتا ويجدر بنا أن نذكر أن العديد من الدراسات والأبحاث مازالت تجري لتقييم مدى فعالية هذه العقاقير وغيرها، ودرجة الأمان أو في حالة العلاج على المدى الطويل، ويقوم المعهد القومي للاضطرابات العصبية (وهو معهد حكومي بالولايات المتحدة الأميركية) بعدد من الدراسات في مختبراته كما يقوم برعاية ودعم الأبحاث المتعلقة والخاصة بالمخ والأعصاب بالتعاون مع عدد من مراكز الأبحاث.

هذا وإن نجاح أي عقار طبي مع أحد الحالات لا يعني بالضرورة نجاح تأثيره مع فرد آخر، وعلينا أن نراعي الحذر من إعطاء طفل التوحد أدوية كثيرة أو بكميات كبيرة. فقد يكون في ذلك خطورة عليه، كما أن استخدام أكثر من عقار طبي في وقت واحد يجعل من الصعب تقييم فائدة هذه العقاقير. وعموما حتى عند اكتشاف فاعلية أي عقار يستخدم ويحقق الفائدة المرجوة علينا استخدام أقل جرعة ممكنة.

فالزيادة عن الحد المؤثر قد تصبح ذات تأثير عكسي ضار، ولابد من الأخذ في الاعتبار أنه لا توجد طريقة واحدة سحرية تناسب كل أفراد التوحد فكل حالة فريدة في نوعها تتطلب ما يناسبها من الأدوية والعقاقير مع الحرص على عدم استخدام أي منها إلا بموافقة ومعرفة الطبيب المختص والالتزام الدقيق بتعليماته من حيث نوع العقاقير المناسبة للحالة وحجم الجرعة وتوقيتها والمدة التي يستمر فيها تعاطي هذه الأدوية علما بأنه حتى الآن لا يوجد من تلك العقاقير ما فيه شفاء ناجح للتوحد ولكن هناك فقط ما يخفف من حدة الأعراض وتساند وتسهل عملية التعليم، ومن واجب القائمين على رعاية المصابين بالتوحد أن يقدموا ملاحظاتهم للطبيب المعالج لأنهم بذلك سيسهمون في عملية تقييم ومتابعة الحالة بصورة أفضل

مريم صالح خليفة

بكالوريوس علوم تمريضية