كانوا يتقاسمون الرغيف الواحد، ويتمتعون بالصحة رغم قساوة الحياة في الماضي. كانوا يتبادلون الألبسة، ويفرحون بمناسبات كثيرة، رغم القلة والشح. كانوا يتجاذبون الأحاديث والنوادر، ويقصون الحكايا، رغم صراعاتهم الحياتية المتكررة. كانت مساحة صغيرة تجمعهم، بآلامهم وأحلامهم. كانوا يفرحون بألعاب من صنع أيديهم، أو ذويهم رغم بساطتها. عفوية كانت الحياة، دافئة رغم صقيعها القارص.
أما اليوم.. فقد تاهت السفينة، وبدأ الدفء من الحياة العائلية، ينسل. لقد أصبح البيت بارداً بعواطفه، بعلاقاته التي تفصل بينها الجدران الصلدة. قد نقنع أنفسنا بأن مشاغل الحياة وعمل الزوج أو الزوجة، أو كليهما قد باعدت المسافة بينهما، ولكننا لا يمكن أن نقتنع بحال من الأحوال بتلك المسافة التي صنعتها أيدينا، والتي باعدت ما بين أطفالنا وأفراد العائلة داخل المنزل الواحد.
كان أفراد العائلة فيما سبق يجتمعون حول مائدة الطعام، البسيطة بمحتواها، الغنية بمشاعرها. كان وقت تناول الطعام فرصة لجمع الشمل، والوالدان يتجاذبان أطراف الحديث، يتناولان لقمة واحدة. أما اليوم فمطاعم الوجبات السريعة، ومشاغل الحياة، قد أفقدت هذا الجمع متعته الحقيقية التي لا يدرك ماهيتها، إلا من جربها وما زال.
رفاهية مزيفة.. قد يكون توفير غرفة خاصة لكل طفل واجباً، ولكن ليس بالضرورة ذات جدران عالية جداً. قد يكون توفير جهاز كمبيوتر ضرورة في عصر باتت الرقمية مسيطرة حتى على علاقاتنا ومشاعرنا.
هي عزلة أخرى.. إن توفير جهاز كمبيوتر وتلفزيون، وربما هاتف نقال لكل طفل، قد عزز من حالة الاغتراب بين الإخوة، فكل واحد يمضي جل وقته قابعاً في مملكته الصغيرة، وربما اعتاد على تقليد الكبار، والتواصل مع أفراد عائلته داخل المنزل من خلال الـ «SMS» أو الـ «CHAT»، هذا النوع من التواصل قد يكون مهماً للتواصل مع أعزاء تفصلنا عنهم مسافات كبيرة جداً، وليس مع أفراد العائلة الذين يقطنون في بيت واحد.
قد يجتمعون مع بعضهم لوقت قصير، ولكن الوقت الطويل يفرقهم، إذ كل واحد منهم غارق في بحر أحلامه، في عالمه الخاص. إنه الاغتراب حقاً.. حال أفراد هذا البيت، كحال العديد من البيوت التي توفر لأبنائها كل شيء. إلا الأمن النفسي، فهي تفتقد التواصل، العاطفة، المشاعر الدافئة، كما يفتقد الصوت للحناجر. فتتعاظم النزعة الفردية العمياء، التي إذا تمكنت من النفس جعلتها تحطم كل ما يعيقها.
كم نحن بحاجة إلى ترميم علاقاتنا العائلية، وإزالة جدران الإسمنت الصامتة. كم نحن بحاجة إلى تلك المساحات والفضاءات الرحبة لكي نحلق جميعاً في أجواء من المحبة والاحترام، والدفء. كم نحن بحاجة لتغيير مقولة: «نجاح أخي يعني فشلي».