يبدآن أولى خطواتهما ملتصقين متقاربين، ومع مرور الأيام تبدأ الهوة بالاتساع. أهكذا هي الحياة، أم أن هناك خللاً ما؟ أي نجاح في العمل مهما كان باهراً، سرعان ما يتلاشى لدى الشعور بالعجز عن تلبية احتياجات العائلة العاطفية. قد تفرح المرأة بزجاجة عطر، والطفل بلعبة، لكن هذا الفرح سرعان ما يتلاشى، فالزوجة بحاجة إلى من يستمع إلى آهاتها، إلى من يلامس همومها، إلى من يشاركها طعم الحياة بحلوها ومرها.
والطفل بحاجة إلى من يلعب معه. العمل لا ينتهي، ورنين هاتف العمل ليس له حدود. كما للعمل قواعد، للأسرة أسس لاستقرارها المادي والعاطفي. فهل نضحي بالأسرة مقابل العمل، أم بالعمل مقابل الأسرة؟ سؤال لا نريد الإجابة عنه بكلمة نعم أم لا، لأن الجواب واضح. ضغط في العمل، هموم عائلية، ومتاعب مادية، يبدو أننا محاصرون كالقلم في المبراة.
الضجيج الخارجي يشعر به كل واحد منا، أما الضجيج الداخلي، رغم حدته وأهميته، فإننا لا نشعر به، إلا إذا منحنا أنفسنا دقائق معدودات كل يوم لإعادة ترتيب أوراقنا القديمة المهملة، والحديثة منها. الشعور الذي يتسلل إلى الداخل يخترق الحواجز، قد يجعلك أسير وحدتك، إحساس بالفراغ لا يخفف من حدته ضجيج العالم من حولك. رغم الازدحام وتهافت الأشخاص من حولك على العمل والتسوق والتسكع، إلا أن الوحدة هي الحد الفاصل بين هذا وذاك. أسباب نفسية، وأخرى اجتماعية.
عوامل مادية، وأخرى غير محسوسة، جميعها تساهم في الشعور، ليس بالوحدة فحسب، وإنما بالعزلة التي صنعها كل واحد منا بيديه. مثل هذه العزلة تحطم القلوب، وتطفئ لظى العواطف، التي تشعرنا بقيمتنا كبشر وتمنحنا الدفء في زمن الصقيع، وتوقظ حنايا القلب. مثل هذه العزلة تجعل جذوة العاطفة تفتر في البيت، وتقلل من الإنتاجية في العمل، وتضعف الجسم، وتدخل المرء في مشكلات نفسية وأخرى جسدية.
جدال عائلي، واختلاف في وجهات النظر، سواء فيما يتعلق بتربية الأولاد، أو توزيع المهام، أو جدولة الديون والميزانية، مثل هذا الاختلاف الذي قد يتكرر يومياً يصبح وقوداً لمعارك حقيقية يتابعها الأطفال بعيون ملؤها الحزن والكآبة. مثل هذه المعارك، إذا ما تكررت تزيد عزلة الشخص تجاه من ذا الذي أمسك بيده ذات يوم، وانطلقا يداً بيد ليواجها مصاعب الحياة بعزيمة منبعها الحب.
حينما يشعر المرء بأنه غير محبوب من قبل شريكه الآخر، يتولد في النفس جرح قد لا يندمل. ورغم أن العديد من الدراسات النفسية، والتجارب الشخصية، تؤكد على أن العلاقة بين الزوجين تتأرجح حدتها من حين إلى آخر، مثل أسواق الأسهم، إلا أن كل شريك يمكن أن يساهم في استقرارها على الأقل، أو في تأجيج نار الرومانسية التي يشع نورها ليس على الزوجين فحسب، وإنما على أفراد العائلة ككل فهي بمثابة الوقود الذي يمدنا بالدفء كلما تقدم بنا العمر.
إهمال المشاعر، والانتقادات المتكررة، وعدم الشعور بالآخر، كلها عوامل تؤجج نيران الخلافات والمشكلات التي ما إن تعشش في أي بيت حتى يهجره الحب، كما تهجر الطيور أوكارها. الزواج اتحاد روحي، والاحترام المتبادل هو الأساس المتين للعلاقة السعيدة والمديدة. النجاح في العمل قد يحقق لك الجاه والمال، ولكنه لن يمنحك السعادة التي يحققها لك البيت الآمن.
إن بيتاً صغيراً يفيض بالفرح، أفضل كثيراً من قصر كبير يضيق بمن فيه. باقة ورد طبيعية يفوح منها أريج الود والتقدير تترك في النفس أثراً جميلاً، وتخط على شغاف القلب أجمل الذكريات، التي لا تمحوها الأيام والسنون. أما زجاجة العطر، فمهما كانت ثمينة، فهي قد تجذب الآخرين إليك لبرهة قصيرة ولكنك لن تشعر بأثرها المديد، مثل باقة من الفل أو طوق من الياسمين، يقدمها الزوج لمن يحب. أخيراً أود أن أهمس لكل زوجين عاشقين لم تباعد بينهما الأيام القاسية... كم نحتاج لكلمة رقيقة ليستيقظ الصباح فينا. ياسمينة بيضاء.