عبر النافذة المطلة على السهوب المترامية تداعى شريط الذكريات أمام عينيه، وهو ينظر من خلال نافذة القطار، الذي يشق طريقه باتجاه الشمال. تذكر كيف دفن أحزانه، وطفولته كانت غائبة عنه منذ الصغر، لأنه لم يعرف طعماً للطفولة بهنائها وشقائها. بين مد وجزر كانت الذكريات تقبل وتدبر ما بين الشرود والاسترخاء.

جراحه النفسية لم تندمل بعد، أي فائدة ترجى من استرجاع الماضي، لا شيء يوقف هذا الانهيار النفسي. هذا ما كان يقوله بينه وبين نفسه، وكأن شخصاً آخر يخاطبه أو يحاوره بهدوء نسبي. حاول التركيز في صفحات كتاب بين يديه، لكنه لم يفلح. أصوات الكبار، وبكاء الصغار، وأبواب تفتح، وأخرى تغلق. هكذا هي الحياة، كما القطار بكل تفاصيله، ينتقل الإنسان من محطة إلى أخرى، ولكل واحدة منها خصوصيتها.

إذ ان عبور القطار بين السهوب المترامية يولد صوراً واسترجاعات، وأحلام يقظة، وقائع ولحظات وأوقاتاً تأتي وترحل، كما الطيور في مواسم هجرتها نحو الشمال. كل واحد منا لديه قصة، كل واحد من ركاب هذا القطار لديه حكاية، قد تبدو متشابهة، ولكن لكل واحدة منها طعم مختلف.

الأمكنة قد لا تكون تماماً كما الأخرى، وكذلك الزمان، كما الأسماء قد لا توحي بمعانيها. في هذا القطار الذي يتجه نحو الشمال أملاً بحياة أفضل، عجائز حالت الظروف القاسية دون تحقيق أملهم بالسعادة والفرح كما غيرهم. وصغار لا يدركون معنى هذه الرحلة.

ضوضاء القطار لا تسمح للذاكرة والجسد بالصفاء والتمتع بالهدوء رغم الحاجة للتركيز. يراقب هذا المسافر الوجوه المتعبة الشاحبة، التي يبدو أن الضيق هو عنوانها البارز. أثناء شروده حيناً وتركيزه حيناً آخر، تعب الراكبون، وتململ البعض منهم بسبب رتابة الرحلة، ورغم أن القطار بهديره كان يواصل طريقه نحو الشمال، إلا أن بعض الركاب نام هروباً من الوقت الممل.

إنه الإحساس بالفراغ الذي يدفعنا نحو الانزواء ضمن دائرة صغيرة، فيصيبنا بالإحباط والاكتئاب والمشاعر السلبية التي إن وجدت طريقها إلى دواخلنا، قد يصعب التخلص منها بسهولة. هذا الإحساس يولد أيضاً شعوراً بالوحدة والغربة حيناً والاغتراب أحياناً، ومثل هذه المشاعر تتفاوت حدتها من شخص إلى آخر.

هذه المشاعر تتسلل إلى دواخلنا بين الحين والآخر، وقد تبقى لزمن طويل، وهنا تكمن المشكلة رغم كل شيء. يشق القطار طريقه بين السهوب والوديان دون تعب أو ضجر أو نوم. وفي مقصورة القطار المجاورة هناك مسافرون يقفون خلف النوافذ المغلق بعضها، والآخر المفتوح، يرقبون، ويحلمون. وفي الجانب الآخر أشخاص متعبون.

ليس مهماً مهما كانت الرحلة طويلة، فهناك من يترك القطار في إحدى المحطات، وهناك من يصعد إليه في المحطة ذاتها. هكذا هي الحياة. البعض يغادرنا، والبعض الآخر يلتحق بنا، وما بين هؤلاء وأولئك مسافة من الذكريات والنسيان.

كلما تقدم القطار مسافة، ازداد تعلقه بالماضي، بذكريات قد لا تعود. القطار يتجه نحو الأمام قاطعاً المسافات التي تباعد ما بين الأحلام والواقع. ليس بالإمكان إيقاف القطار في غير محطاته. ولكن يمكننا أن نصغي إلى دواخلنا، ما بين هذه المحطة أو تلك. وبينما كان تائهاً ما بين الآلام والأحلام، تذكر مقطعاً من أغنية جميلة «لم أدر ما طيب العناق على الهوا.. حتى ترفق ساعدي فطواك». إنها الموسيقى الهادئة والأغاني الدافئة التي تطلق الحنين باتجاه شيء عذب مفقود. امرأة، أو وطن، أو بيت مهجور.

bassam@albayan.ae