تقوم العلاقة الزوجية المتكافئة على مبدأ التفاهم، فقد سمي كل من قطبي الأسرة وهم الأب والأم برب وربة المنزل، وعلى هذا الأساس فإن إدارة شؤون البيت والأولاد مسؤولية مشتركة بينهما، وكذلك فإن اتخاذ القرارات يجب أن يتم برضا واقتناع الطرفين.
لكن الحياة بطبيعتها لا تسير كما نريد في كل الأوقات، فقد يمر الزوجان بفترات يصطدمان خلالها ويختلفان حول كيفية تسيير حياتهما، وقد تكون الإجراءات المتخذة في تربية الأطفال من المواضيع الحساسة والتي كثيرا ما يتصادم الزوجان حول كيفية إدارتها وهذه الخلافات ستنعكس بالتالي سلبا على الأطفال.
وللتعرف على المشكلات الأسرية وما يسببه التفرد بالسلطة والرأي داخل العش الأسري من منازعات ما ينعكس سلبا على الحياة الصحية والنفسية على جميع أفراد الأسرة كان لـ «الصحة أولا» هذا التحقيق:
تربية الأطفال
بطبيعتي كرجل أحب أن يكون القرار في البيت لي. هكذا بدأ مصطفى محمد كلامه عن كيفية إدارة شؤون البيت وتأثير المجادلات بينه وبين زوجته على صحته وصحة أفراد أسرته وتابع: لكني لست رجلا متزمتا ومتسلطا وعلى الرغم من ذلك تمر علي مواقف أرى أنني أنا من يجب عليه اتخاذ القرار فيها وخصوصا ما يتعلق بتربية الأطفال، فالسلوك الخاطئ إذا لم يصحح مباشرة سيصبح عادة سيئة تنعكس على الطفل.
ولعل الكثير من الخلافات والمجادلات بيني وبين زوجتي كانت بسبب الأطفال وتربيتهم، إلا أن هذه المجادلات لم تكن تحمل لنا سوى اضطراب أجواء البيت والضغط النفسي علي وعلى زوجتي ما ينعكس على الأطفال الذين يسمعون جدالنا المحموم. حتى ان أحد أطفالي أصبح يعاني من نوبات هلع فهو بمجرد أن يحتد النقاش بيني وبين أمه حتى يبدأ بالبكاء والصراخ الهستيري والذي لا يتوقف عنه لساعات حتى يخلد للنوم.
الإنفاق المنزلي
المصاريف الزائدة هي سبب الخلافات بيني وبين زوجتي بهذه الكلمات بدأ علي الجوهر كلامه عن المجادلات الزوجية. وتابع: من الطبيعي أن تحدث هذه الخلافات حول المصاريف وكيفية برمجة الحياة في البيت، لكن في بعض الأوقات لا تقدر زوجتي الضغط النفسي الذي أعيشه في أجواء العمل المشحونة بالمجادلات والضغوطات الأخرى بالإضافة للإرهاق الجسدي الذي بسببه أصل البيت غير قادر على الوقوف، فعدم اختيار الوقت المناسب للتحدث في مشكلات البيت والمصاريف واحتياجات الأولاد التي لا تنتهي.
كل هذه الأمور والتوقيت السيئ لعرضها يدفعني للانفجار في وجهها ويبدأ الصراخ وندخل في موجة الجدل العقيم وتبادل الاتهامات وان كلا منا يضحي ويبذل والثاني لا يقدر الآخر ويتعاون، وما يحزنني في كل ذلك هو أطفالي الذين أراهم ينظرون إلينا والخوف يملأ وجوههم آملين أن تنتهي هذه المعركة بسلام، وكم كنت أتألم عندما يأتي أحد أطفالي باكيا مترجيا أن نتوقف عن الصراخ.
مسؤولية مشتركة
«يلقون اللوم علينا وكأن الزوجة ليس لديها مهام ولا تواجه عقبات»، بهذه الكلمات بدأت هبة محمد ربة بيت حديثها عن الخلافات الزوجية وتابعت: إن الزوجة تتحمل ثلثي هموم البيت إذا لم يكن أكثر، فهي قد لا تخرج من البيت وتتابع كل متطلبات البيت والأولاد ما يثقل كاهلها وهي بحاجة لطاقة جسدية ونفسية، بالإضافة إلى ذلك فإن متطلبات الزوج تعد حملا آخر يضاف إلى أحمالها،
ورغم كل ذلك يأتي الزوج في نهاية اليوم حاملا معه هموما يظن أن لا أحد غيره يحمل مثلها، غير آبه لما تتطلبه الأسرة من جهد وتعب، فلا أكاد أفتح حوارا مع زوجي حول ما نواجهه من مشكلات في البيت، حتى يثور وينفر ويقول إنه لا طاقة له على تحمل كل تلك الضغوط وان ما فيه يكفيه وكأن البيت ومسؤولياته قد أصبحا مهمة الزوجة وحدها، ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل إن طرأت مشكلة مع أحد الأولاد يلقي اللوم علي مباشرة كأم مع أن تربية الأولاد كما يؤمن هو عملية مشتركة بين الزوجين لكن هذه الشراكة لا تظهر إلى عندما يريد هو.
حيرة
«أشعر بالخوف عند دخوله البيت»، هكذا وصف الطفل علي المغربي «11» عاما واصفا شعوره عند عودة والده من العمل وبدء تلاسنه مع والدته. وتابع: أنا لا أحب مثل هذه المواقف فكلاهما مهمان في حياتي ما يجعلني على حيرة من أمري.أما موضوع المصاريف فهي أصبحت من المشكلات التي يتنازعان بسببها يوميا، بت أتمنى أن يمر عليهما يوم دون خصام، حتى انني بت أستغرب عند زيارتي لأصدقائي في بيوتهم كيف أن أهلهم يجلسون ويتسامرون بجو عائلي حميم وكم أتمنى لو أن هذا الجو هو جو بيتنا.
رأي مختص
وحول الخلافات والنزاعات الزوجية وتأثيرها على الزوجين والأطفال حدثتنا معصومة أحمد رئيسة الخدمات الاجتماعية في الرعاية الصحية الأولية بدائرة الصحة والخدمات الطبية ـ دبي، قائلة: إن الخلافات الزوجية سببها الرئيسي هو عدم الانسجام بين الزوجين في الأصل، بحيث يشكلان قطبين متنافرين.
ومن الطبيعي أن اجتماع هذين الشخصين غير المنسجمين سيولد صراعات مستمرة تؤدي لخلق ضغوطات نفسية على كل أفراد الأسرة، وكل ما ينتج عن هذه المنازعات والمجادلات سينعكس بشكل سلبي على الأطفال الذين يصابون جراء تعرضهم لهذه الأجواء المشحونة للكثير من الاضطرابات النفسية، منها الأرق والتبول اللاإرادي ورؤية الأحلام المزعجة التي تعكر صفو نومهم وما تخلفه من مشكلات صحية،
بالإضافة للخوف الشديد واضطرابهم عند سماعهم أصواتا عالية، وهذا بدوره سيؤثر على تحصيلهم الدراسي، وكذلك فإن العدوانية أو الانطوائية تصبحان سمتين بارزتين عند الأطفال الذين يعيشون أجواء أسرية مشحونة بالعنف، لذلك فإن على الأهل الذين أنجبوا الأطفال أن يتحملوا مسؤولية ذلك وألا يعرضوهم لمثل هذه الظروف التي من شأنها أن تدمر نفسياتهم وقد تكون سببا بخلق أشخاص مضطربين نفسيا وصحيا ما ينعكس سلبا على المجتمع. فعلى الوالدين محاولة تجنيب الأطفال التعرض للمواقف المشحونة بينهما وعليهما وضع خطة متوازنة لحياتهم الأسرية، وعليهما أن يكونا قدوة طيبة للأبناء ليرفدوا المجتمع بآباء وأمهات مؤهلين لإقامة أسر مترابطة ومثالية.
