يسعى الإنسان دائما ليبدو بمظهر لائق وجذاب ويمتلك جسما متناسقا وجميلاً، فالكل يرنو لذلك الجسم المتكامل الذي يمنح صاحبه ثقة بنفسه وشكله بالإضافة إلى الشعور بالرشاقة والحرية وسرعة الحركة والنشاط الدائم. ومن هنا بات الوصول لجسم رشيق هما يقض مضاجع الكثير من الناس الذين ما فتئوا يبحثون عن كافة الطرق التي من شأنها إنقاص أوزانهم ومنحهم الكمال الجسماني،
إلا أن البعض منهم قد تخطى حدود المعقول وبات يمارس انحرافات غذائية، حتى أن بعضهم قاطع الغذاء ومنهم مارس الركض بشكل عنيف يفوق قدرته، ومن هنا ظهر ما يعرف بوسواس النحافة أي السعي لإنقاص الوزن بأي طريقة دون الاكتراث لعواقب ومضار ما يقوم به. وللفت الانتباه وتسليط الضوء على هذه الظاهرة المرضية التي باتت شائعة في عصرنا الحالي كان لـ «الصحة أولاً» هذا التحقيق:
حمية قاتلة
كدت أقتل نفسي لأخسر بعض الكيلوغرامات من وزني، هذا ما بدأت إلهام محمد به كلامها عن معاناتها من هذا الوسواس الذي بات يسيطر على تفكيرها، وتابعت : أصبح موضوع النحافة شغلي الشاغل حتى أني بت أحلم بأني خسرت من وزني الكثير مع العلم بأني لست بدينة بل أكاد اعتبر نحيفة،
إلا أنني أشعر بهاجس داخلي يخبرني بأن وزني في ازدياد وإن لم أتخذ الحيطة والحذر سأصبح سمينة، هذا ما دفعني لمقاطعة الغذاء بشكل شبه كامل فقد انقطعت عن الأكل لمدة ثلاثة أيام ظنا مني أني بذلك لن أدع مجالا للسمنة لتحتل جسدي، وإذا بي قد فقدت القدرة على الحركة، وأصبت بالإغماء ولم أستيقظ إلا وأنا في المستشفى والطبيب يقول لي كدت تقتلين نفسك لا شيء يدعو لذلك ظنا منه أنني قد حاولت الانتحار.
أنا والمرآة
لقد أصبح جسدي هو شغلي الشاغل عندما سيطر وسواس النحافة علي، هكذا تحدثت إيمان علي. وتابعت: أصبحت أقضي معظم وقتي في البيت أتابع التحولات التي تطرأ على جسدي أمام المرآة، حتى أني بت أقف أمامها بعد كل وجبة طعام مهما كانت بسيطة ظنا مني أني سألاحظ أي زيادة أو بروز بسبب السمنة، حقا إنه وسواس سيطر على تفكيري، فرحت أقف أمام المرآة طوال الوقت أراقب أدق التفاصيل في جسدي، فقد أصبحت جزءا من حياتي لا أستطيع مغادرة البيت قبل الوقوف أمامها مهما حاولت إقناع نفسي أن وزني طبيعي، تبقى فكرة السمنة تقلقني وتشعرني بعدم الثقة. هذا ما يدفعني لمتابعة مظهري لحظة بلحظة.
فقدان الثقة
أشعر دائما بأن العيون ترمقني وتلاحظ ازدياد وزني. هذا ما قالته أمل إبراهيم عن سبب إصابتها بوسواس النحافة وتابعت: أجل فأنا دائما أشعر أن في جسمي شيئا خاطئا، مع أن من حولي من الأهل والأصدقاء يصفون جسمي بالرشيق، إلا أنني لا أؤمن بذلك، بل أحس دائما بأني سمينة ما يدفعني لاتباع الحمية وحرمان نفسي من أكل الطعام الذي أحبه
بالإضافة لقلقي الدائم وتفكيري المستمر في أن وزني لو ازداد فإن حياتي ستدمر، وبأنني لن أستطيع الخروج من البيت خجلا. كل تلك الأفكار أفقدتني ثقتي بنفسي، فبت أحاول قدر الإمكان الامتناع عن النظر الدائم إلى جسدي والتدقيق فيه لكن دون جدوى ففكرة السمنة تطاردني في كل وقت ومكان.
تفسير طبي
يشير الأطباء النفسيون إلى أن وسواس النحافة هو احدى حالات الإصابة بمرض الوسواس القهري، فالمريض يصبح كثير الشك بأمور عدة في حياته، وفي حالة وسواس النحافة يصبح المريض أسير الخوف من السمنة مع أن الكثير من الذين يعانون من هذا المرض أصحاب أجساد رشيقة لكن خوفهم من فقدان الرشاقة يدفعهم لأخذ إجراءات عدة، كعمل حمية شديدة وممارسة الرياضة بشكل مكثف، حتى أن بعضهم قد يصاب بالكآبة والقلق الدائمين بسبب زيادة بسيطة في الوزن تكاد لا تذكر،
ويتم التعامل مع هذه الحالات وعلاجها بالجلوس مع المريض وفهم الأسباب التي تدفعه لإنقاص وزنه ومن ثم محاولة تبسيط الأمور التي يعاني منها من خلال لفت نظره لجماليات جسده وتعزيز ثقته بنفسه، بالإضافة لوصف بعض العقاقير المضادة للكآبة، ويجب على المحيطين بالمريض سواء من أهله أو أصدقائه محاولة التخفيف عنه وذلك بإبعاد شبح السمنة عنه بإخباره أن جسمه متكامل وأن أي زيادة طفيفة على وزنه لن تؤثر عليه، بل قد تزيد من جماليات جسمه.
كرم أحمد
