إن الشباب والصحة وحب المغامرة سمات يسعى الجميع للتحلي بها والمحافظة عليها أطول فترة ممكنة من حياتهم، إلا أن الإنسان بطبيعته يمر بمراحل مختلفة خلال مسيرة حياته. فمن الطفولة للمراهقة ثم إلى الشباب وينتهي بالشيخوخة. تلك هي سنة الحياة، لكن هناك أشخاصاً من كلا الجنسين يعودون لتلك الفترة بعد تقدمهم في العمر، ألا وهي المراهقة بكل دقائقها وتفاصيلها من اضطرابات نفسية وفشل في اتخاذ القرارات الصحيحة وغيرها من صفات المراهقين.
هذه الحالة يطلق عليها في علم النفس اسم المراهقة المتأخرة، مع العلم أن الكل قد يمر بهذه المرحلة لكن بدرجات متفاوتة. ولحسن الحظ أن نسبة قليلة جدا من الناس لا تتجاوز %5 هي التي تظهر عليها هذه الحالة. ولأخذ فكرة أوسع عن المراهقة المتأخرة كان ل«الصحة أولا» هذا التحقيق:
مشكلات أسرية
كانت تلك الحالة التي مررت بها سببا في تدمير حياتي، هكذا استهل علي الشيخ 54عاما كلامه عن إصابته بما يسمى بالمراهقة المتأخرة وتابع: لا أعرف السبب فقد أصبحت أكره فكرة أني كبرت وبت أختنق من كل القيود التي فرضها علي عمري وأني شخص متزوج وعندي أبناء في سن المراهقة، حتى أنه كان لأبنائي دور كبير بتحريك مشاعر الشباب والطيش بداخلي من جديد فبت أشعر بنوع من الغيرة كلما رأيتهم يهتمون بملابسهم وشكلهم وكنت ألاحظ دائما نظرات الفتيات إليهم خلال مرافقتهم خارج المنزل،
فبت أعيش صراعا داخليا استمر معي قرابة الشهر، وما هي إلا أيام حتى خلعت ثوب الوقار الذي كبلني به الزمن، فقمت بصبغ شعري وشراء الملابس العصرية وبدأت أتابع التلفاز واستمع للأغاني . كانت عائلتي تتابع ما أمر به دون تعليق فأنا رب البيت وكنت ذا سلطة ونفوذ، ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد فقد انجذبت لأحدى زميلاتي في المؤسسة وهي أصغر مني بسنين عدة، ولشدة وطأة ما كنت أعانيه من تلك الحالة لم أتوان عن خطبتها وإخبار أهل بيتي بذلك دون مقدمات، فكان تصرف زوجتي الطبيعي طلب الانفصال بعد أكثر من 30 سنة زواج. لم يكن ذلك ما توقعته مني،
لكني في وقتها لم أكن أفكر إلا في إشباع غرائزي كأنني في سن العشرين، وتم الزواج وحاول أبنائي التدخل لكنني صددتهم بقولي لقد أعطيتكم ثلثي حياتي، فدعوني أستمتع بالنصف الباقي، ولكن أي متعة كانت، فقد انهار هذا الزواج و لم يستمر أكثر من شهرين، مرحلة عذاب لن أنساها، كنت مغفلا حينما ارتديت ثوب الشباب الذي تلاشى بعد مضي أقل من شهر على الزواج،
وبدأت الحقيقة تتجلى من جديد، فلا قدرة لي على السهر واللهو، كما يقوم به الشباب، بالإضافة إلى أن علاقتي مع زوجتي الشابة لم تكن متوازنة، فبدأت أولا التذمر حتى طلبت هي الانفصال، حاولت استرجاع زوجتي، لكن دون جدوى ولكني في الوقت نفسه لا ألوم نفسي أيضا فما مررت به كان خارجا عن إرادتي لأنها حالة نفسية عاصفة لم أستطع الوقوف في وجهها.
تحليل نفسي
وعن الحالة النفسية التي يمر بها الشخص خلال مرحلة المراهقة المتأخرة وأمور أخرى حدثنا د.محفوظ الجومرد استشاري الأمراض النفسية في مجمع سماء الطبي في دبي قائلا:
إن فترة المراهقة تعتبر محطة مهمة من حياة الإنسان الطبيعي، وهي مرحلة معقدة وأساسية في النمو النفسي والعقلي والعاطفي والجسدي، وفترة المراهقة تمتد من عمر13 حتى 20سنة، حيث يكتمل النضج، وتنقسم المراهقة لثلاث مراحل مترادفة من 13إلى 15ومن 15إلى 17ومن 17إلى 20عاما، وتصاحبها تغيرات نفسية وسلوكية و جسدية لكي يصل الإنسان لمرحلة النضج،
وهذا النضج سيكون من أهم وظائف الجهاز العصبي المركزي أي الدماغ وهي «الفعاليات العقلية العليا» التي ينفرد بها الإنسان دون الكائنات الحية الأخرى وهي عملية معقدة ومتطورة جداً لا يضاهيها كائن آخر، والمقصود بالفعاليات العقلية العليا، الغرائز والعواطف والاستجابات الحسية والتذكر المعقد والنسيان البسيط وقابلية التعلم بشكل كبير وتخزين المعلومات والذكاء والشخصية والتعامل الاجتماعي المتطور وتوجيه الغرائز بالشكل السليم وكذلك العواطف(التعبيرية والشعورية )
وتوجيهها إلى أهدافها المنطقية السليمة وتقدير الأمور والمواقف والسلوك الاجتماعي المعقد في الحياة، وتعلم المفيد والتصرف به بشكل ذكي، وتوفير عوامل الشخصية القادرة على العمل بمسؤولية وإنتاجية كاملة بعد العام العشرين من العمر للتصرف باستقلالية عالية في الحياة. وكون هذه المرحلة من النمو النفسي والعضوي من المراحل المهمة والمعقدة من تطور وتكامل الإنسان، فمن الممكن أيضا أن يصاب بتباطؤ أو تلكؤ أو قصور في النمو أو الانحراف عن مساره الطبيعي ومن الممكن جدا الرجوع إلى هذه الحالة في الكبر وما يسمى بالمراهقة المتأخرة، وبشكل عام يمكن توضيح ذلك بثلاثة أشكال رئيسية:
1- توقف هذا النمو العقلي والعاطفي والسلوكي في أية مرحلة من مراحل المراهقة مما يؤدي إلى تصرفات سلوكية وجدانية وعقلية واجتماعية وشخصية قاصرة بدرجات متفاوتة في الفترة المتبقية من عمر الإنسان (أي ما يسمى بالمراهق الكبير)،ويتصرف الشخص كالمراهق تماما، وفي بعض الأحيان يتأخر هذا النضج لما بعد العشرين وربما لما بعد الثلاثين أو حتى الأربعين عاما من العمر.
انحراف بعض صفات هذا النمو المعقد وخاصة الجنسية والعوامل الشخصية. فقسم من المراهقين والمراهقات يمرون بفترة ميل إلى جنس الشخص نفسه، وهذه عادة تستمر لفترة تمتد من أشهر لسنة وتختفي وتستبدل بالنضوج الجنسي العاطفي وهي الميل للجنس الآخر، ولكن في بعض الحالات يبقى المراهق حتى ما بعد العشرين وطوال حياته يميل بدرجات متفاوتة إلى جنسه ولا يميل إلى الجنس الآخر. والمراهقون في أدوار المراهقة قد يلجأون إلى الثورة والعنف ضد آبائهم، وتختفي هذه الأعراض عند بلوغ العشرين عاما من العمر.
2- الانتقال أو الرجوع إلى صفات فترة المراهقة، كما أسلفنا قد تمتد لعقود، وهذه قد تحدث في أعمار مختلفة من حياته.
وتختلف الإناث عن الذكور في المحطات العمرية المتقدمة وتحت مؤثرات الحياة المختلفة، مثل الإصابة بالأمراض واختلاف الهرمونات وتقدم السن وتدهور الجهاز العصبي المركزي نتيجة العمر والمرض.
وفي الإناث تكون رغبة العودة إلى المراهقة في فترة ما يسمى بسن اليأس شديدة، حيث تنخفض نسبة الهرمون الأنثوي وتنقطع الدورة الشهرية، حيث تشعر الأنثى بأن فترة الحيوية قد ولت وهي غير قادرة على الإنجاب وفي الوقت نفسه شعورها بأن صفاتها الجمالية والحيوية قد فترت، ما يعتبر ضربة قاصمة للحياة الطبيعية،
وهي الإنجاب والتكاثر ما يستدعي العقل اللاواعي الذي يحفز العقل الواعي لتصرفات تصحيحية لا تتلاءم وسن المرأة في الخمسين أو أكثر أو أقل (لأن العقل اللاواعي هو عقل بدائي كما نراه في الأحلام تارة وهو عقل طفولي ويصل إلى شبه المراهقة)، فتقوم المرأة بعملية التبرج غير المناسب وارتداء ملابس لا تتناسب وسنها، ومخالطة الشباب الأقل عمرا منها أو عمل علاقات غير طبيعية اجتماعيا، وتقليد بعض تصرفات المراهقات الأخرى، وتتحفز جنسيا بصورة غير متكافئة مع عمرها. وتحدث هذه الظواهر في أي عمر من أعمار الأنثى وخاصة في الخمسينات وقد تحدث في الأربعينات.
أما عند الرجال فإن حالة العودة إلى المراهقة أيضا قد تكون في أي عمر ولكنها عادة تكون في أعمار متأخرة عن المرأة كالعقد السادس من العمر وذلك يعتمد على عوامل صحية وهرمونية واجتماعية وطبيعة العمل وخصوصا من يعملون مع نساء أخريات في أماكن خاصة مثل الفنانين ومن يعملون بمجال الإعلام، حيث يحاول الذكر الحفاظ على حيويته بهذه الطريقة التي قد تكون صبيانية أو الرجوع للصبا، ظنا منه أنه سيحافظ على علاقاته المهنية في عمله من ناحية ومن ناحية أخرى أنه يحافظ على شبابه وهذا تصرف لا واعي من قبله.
وبما أن الشباب الدائم هدف كل إنسان، فعلينا جميعا معرفة أن الشباب لا يكون بالشعر الأسود والوجه الخالي من التجاعيد والجسم الرياضي الرشيق الممشوق، بل أن الشباب هو صفاء الروح والعقل واستغلال كل مرحلة من مراحل الحياة والتحلي بصفات راقية ومتزنة، وليس بالطيش والتهور بل بالتروي والتمهل وحب الحياة.
