لكل منا مشكلاته ومعاناته الخاصة به والتي يحاول بطبيعته حلها، إما بالتعايش معها أو بالبحث عن أسبابها وعلاجها، ولعل أصعب المشكلات التي قد تؤثر على مسيرة الإنسان هي التي تتعلق بشخصه ورضاه عن نفسه وعن نظرة الناس إليه.
و قد يكون الشكل الخارجي للإنسان هو أول ما يتواصل به مع الآخرين فإما يتقبلوه أو ينفروا منه، وبناء على ذلك فإن أي اختلاف في شكل أو بدن الشخص عن الآخرين سيعرضه لمشكلات ومواقف يكون لها أثر سلبي على نفسيته وشخصيته.
مصطفى إسماعيل شخصية لطيفة ومحببة لكن وزنه الزائد الذي يفوق الـ 150 كيلو غراماً جعل حياته بائسة، فلم يتوان عندما أتيحت له الفرصة لتفريغ ما يحمله من هموم ومواقف هزت ثقته بنفسه وجعلته انطوائياً عن الحديث لـ «الصحة أولا» فباشر سرد قصته مع السمنة قائلا:
لم أكن أشعر بحجم المشكلة عندما كنت طفلا، فوالدتي كانت تحاول دائماً تبيين مواطن الجمال التي لدي وإقناعي بأنها تخفي مشكلتي مع الوزن الزائد، كنت أشعر بالثقة في حضورها ولكن بمجرد غيابها عني تبدأ المعاناة. «أيها السمين» عبارة أصبحت أذني تألفها أكثر من اسمي، في البيت والشارع والمدرسة والجامعة، في كل مكان أقصده أصبح وزني الزائد عقبة تمنعني من القيام بالكثير من الأشياء، بل وتضعني في مواقف لا أتمنى لأحد أن يتعرض لها.
البيت
التركيز والحذر يلازمان تحركاتي في البيت هكذا بدأ مصطفى الحديث عن مشكلاته مع الوزن الزائد، وتابع أحاول دائما أن لا أزعج من حولي لكن دون جدوى، الكل يتذمر من تنقلاتي التي تعد نادرة، فهم يصفونني بالبطيء تارة والسمين المزعج تارة أخرى، ودائما يذكرونني أن حجمي الكبير قد يؤدي إلى اصطدامي بمقتنيات البيت وتدميرها، حتى في غرفة نومي أنا مختلف، فسريري هو الأكبر بين أسرة البيت، أحذيتي، ملابسي، الضخامة سمة مصاحبة لكل ما له علاقة بي، عند تناول الطعام حصتي هي الأكبر، لست محظوظاً. إن تميزي جعلني منبوذاً حتى من إخوتي بل انني أشعر أني بت الجزء المحرج في حياة عائلتي.
الشارع
نظرات وابتسامات صفراء وضحكات ساخرة وعبارات جارحة أسمعها بمجرد خروجي من البيت، قالها مصطفى بحرقة وألم، معبراً عن معاناته مع وزنه الزائد خلال مسيره في الشارع وأردف كنت أتحاشى الخروج لكن إلى متى، فلا يمكن أن أقضي حياتي في البيت، في بعض الأوقات كنت أعذر من يراني عندما يضحك أو يحاول إخفاء ضحكته. فعند نظري للمرآة ألاحظ أن شكلي مختلف وحجمي كبير ومضحك، بالنسبة لي أنا اعتدت ذلك لكن ما يجرحني ويبكيني في الوقت نفسه، هو تحاشي إخوتي وأقاربي الخروج معي لشعورهم بالحرج من مظهري.
المدرسة
يعد اليوم الأول في المدرسة لأي طفل يوماً مليئاً بالتجارب الجديدة والتي قد تسبب بعض الإرباك للطفل، فكيف الحال عندما يكون الطفل سميناً ومختلفاً، عن هذه التجربة قال مصطفى لا أحب استعادة تلك الذكريات، كان يوماً أسود بالنسبة لي فقد كنت تحت ضغط الخوف من المكان الجديد والوجوه الجديدة وابتعادي عن المكان الوحيد الذي آلفه وأرتاح في ظله بجانب أمي، وإذا بي أواجه مالا يحتمل، تعليقات مباشرة تشير إلى مساوئ جسدي، ووصف لاذع ومضحك من قبل زملائي في الفصل وبمجرد خروج المعلم تزداد الأمور سوءاً. لم أكن أستطيع الرد، فأنا أشعر بالنقص وعدم الثقة بنفسي. كانت هذه البداية التي لم تنته، فقد صاحبتني طوال مسيرتي في المدرسة.
الجامعة
هأنذا أخوض غمار حياتي الجامعية مع مشكلاتي التي تفاقمت بتقدم العمر. هكذا باشر مصطفى حديثه عما واجهه ولا يزال من معاناة يومية بسبب وزنه الزائد وتابع. لقد بات الأمر أكثر سوءاً فأنا لم أعد طفلاً بل شاب لي شخصيتي وكياني، وقد كنت متفائلاً بأن الجامعة سيكون وضعي فيها أفضل وتعامل زملائي معي مختلفاً، فهم أكثر نضجاً، لكن صدمني ما واجهت.
فما زلت ذلك الذي غير المرغوب بصحبته، وكغيري من الشباب كنت أهتم بملابسي ومظهري الخارجي، لكن سمنتي كانت تحول بيني وبين لفت النظر الإيجابي، فالنظرات إلي ظلت كما هي سلبية انتقاديه لاذعة، فأنا الشاب السمين الذي خلق ليعاني وليكون مدعاة ضحك الجميع.
لم تقف معاناة مصطفى في هذه الأماكن فقط بل انه واجه عقبات كثيرة أخرى في الكثير من الأماكن العامة، كالمطاعم والسينمات والمتنزهات وهو واحد من الآلاف الذين يعانون من السمنة والبدانة. فهل كتب على هذه الفئة الرزوح تحت وطأة أوزانهم الزائدة التي لا يد للكثير منهم فيها.
إن الله سبحانه وتعالى خلق كل شخص بحجم ووزن وشكل مختلف. فلماذا لا يتقبل بعضنا الآخر بغض النظر عن شكله وحجمه؟ فالإنسان بشخصه وليس بشكله فقد تجد في داخل هذا البدن السمين إنساناً يمتلك من الصفات أفضلها ويستحق أن يكون صديقاً أو أخاً أو رفيق حياة.
كرم أحمد
