مع تقدم الحضارة والتطور التقني، تطورت الأمراض وتعددت الأوجاع وبالمقابل تعددت طرق الوقاية والعلاج، إلا أن فشل الطب التقليدي في معالجة العديد من الأمراض المستعصية أو منع حدوثها جعل الكثيرين يبحثون عن بدائل علاجية غير تقليدية، تحقق لهم الشفاء الملموس، وكان نظام المايكروبيوتيك من أساليب الطب البديل الذي ظهر كفكرة في الشرق الآسيوي حتى أصبح له دعاة ومؤيدون في جميع أنحاء العالم.
كان تمسك الناس بهذا النظام كتمسك الغريق بالقشة، فكلاهما يبحث عن النجاة غير أن هذا النظام البديل لم يخل من العديد من الثغرات التي جعلته لا يصنف من ضمن الأنظمة الغذائية الصحية المتكاملة التي توفر للإنسان جميع أنواع المغذيات الأساسية من جهة، ولصعوبة تطبيقه في جميع أنحاء العالم من جهة أخرى.
حول هذا الموضوع تقول منيرة مهدي العنزي اختصاصية تغذية علاجية: بوجه عام، يقترب نظام المايكروبيوتيك من نظام النباتيين حيث إنه يمنع تناول أغلب المنتجات الحيوانية ويدعو إلى تناول الأطعمة وفق نظرية الين واليانج التي تصنف الأطعمة من حيث شكلها ولونها وقوامها وفصولها ودرجة حرارتها، في حين يستند أي نظام غذائي متوازن إلى ركيزتين أساسيتين هما:
1- التنوع الغذائي: بمعنى أن تحتوي الوجبة الواحدة قدر الإمكان على جميع العناصر الغذائية الأساسية والموجودة في المجموعات الغذائية الخمس (مجموعة الحليب ومشتقاته، مجموعة الحليب وبدائله، مجموعة النشويات والسكريات، مجموعة الخضروات ومجموعة الفواكه).
2- التوازن الغذائي: بمعنى أن يتناول الشخص وجباته الغذائية بالكميات التي يحتاج إليها جسمه بلا زيادة ولا نقصان، ويتم تقدير ذلك وفق الطول والوزن والعمر والمجهود المتمثل في الطاقة المبذولة والحالة الصحية وغير ذلك من العوامل المعتبرة. وأعتقد أن تسليط الضوء على بعض الثغرات التي وقع فيها نظام المايكروبيوتيك كفيل لإثبات عدم جدوى اتباعه، بل إنه قد يمثل خطرا على الصحة في حالة التزمت وطبقت جميع بنوده وشروطه التعجيزية وغير العلمية، ومن هذه الثغرات:
صمم القائمون على أسلوب المايكروبيوتيك نظاما غذائيا قياسيا يمثل الخريطة الغذائية التي يسير عليها المؤيدون له، حيث يتكون من %50 إلى %60 حبوبا كاملة ومنتجاتها، إلى %30 من الخضروات المزروعة محليا، %5 إلى %10 من البقوليات والنباتات البحرية، %5 إلى %10 من أنواع الحساء الخاصة بهذا النظام، %5 مشهيات وأطعمة تكميلية غير رئيسية تشمل (المشروبات والأسماك والفواكه والحلويات)، في حين أن الأنظمة الغذائية الصحية تتكون من %50 إلى %60 نشويات، % إلى %30 دهوناً، و%15 إلى بروتينات،
ويختلف هذا التوزيع تبعا للحالة الصحية للمريض، فمثلاً يحتاج بعض مرضى القلب والمعرضون لانسداد الشرايين إلى كميات قليلة من الدهون لاسيما المشبعة منها وهكذا. في حين يحارب نظام المايكروبيوتيك الدهون بجميع أشكالها وأنواعها، ويخصص لها فقط %10 إلى %15 من إجمالي السعرات الحرارية، في حين أن %12 من السعرات الحرارية تكون قادمة من البروتينات، وتستأثر الكربوهيدرات بنصيب الأسد بنسبة %73 من إجمالي السعرات الحرارية وهذه نسبة كبيرة جدًا وفائضة عن حاجة الإنسان، ما يجعل الجسم يخزنها على شكل دهون،
ويحرم بذلك الجسم من فرصة الاستفادة من الدهون والزيوت التي خلقها الله عز وجل، للقيام بالعديد من الوظائف الحيوية والمهمة ولا يشفع وجود أمراض متعلقة بالدهون إلى الإقلال من كمية الدهون والزيوت إلى هذا المقدار الضئيل جدا الذي لن يوفر الطاقة المطلوبة، وبالتالي سيكون هذا المقدار الضئيل ضارا كما هي الزيادة.
حصص أقل
يفتقر نظام المايكروبيوتيك إلى وجود اللحوم الحمراء والبيضاء بذريعة احتوائها على الدهون والكوليسترول، مع العلم أنه من الممكن تناول هذه اللحوم بكميات صغيرة قد لا تتجاوز 70جم إلى 100جم في اليوم الواحد للحصول على البروتينات والحديد، وفي الوقت نفسه يحتوي على دسامة أقل عما مضى، فمثلاً لا تحتوي قطعة البفتيك أو صدر الدجاج على أكثر من %2 دهون وهذه نسبة قليلة لا تسبب أي ضرر.
ويفتقر نظام المايكروبيوتيك إلى وجود اللبن والحليب ومنتجاتهما، بل إنه يشجع على تقليل كمية الحليب المقدم للأطفال بعد سن ستة أشهر، وبمجرد أن يكمل الطفل العامين فإنه يفطم تماما من الحليب ولا يجدون أي سبب يدعو إلى شربه بعد ذلك. وذلك بالرغم مما للحليب ومنتجاته من فوائد جمة وعظيمة أثبتها العلم الحديث، أما ظهور منتجات الألبان منزوعة الدسم وقليلة الدسم فقد أحرج رواد المايكروبيوتيك الذين طالما حاربوها بذريعة احتوائها على الدهون.
نقص عناصر غذائية
أثبتت الدراسات العديدة أن المصادر الحيوانية التي تحتوي على بروتينات وكالسيوم وفيتامينات ومعادن تتميز بأفضليتها غذائيا مقارنة بالمصادر النباتية التي تقدم هذه المغذيات نفسها من وجوه عدة منها:
* ان الكالسيوم الموجود في المصادر النباتية صعب الامتصاص نظرا لوجود مواد خاصة تسمى الأوكسالات تقلل أو تمنع امتصاص الكالسيوم وبالتالي الاستفادة منه.
* تسمى البروتينات الموجودة في المصادر الحيوانية ب(البروتينات عالية القيمة الغذائية) لأنها تحوي جميع الأحماض الأمينية الأساسية التسعة التي لا يستطيع الجسم تصنيعها بكميات تفي باحتياجات النمو والتطور وتجديد الأنسجة التالفة وإصلاحها، في حين تفتقر المصادر النباتية إلى واحد أو أكثر من هذه الأحماض الأمينية الأساسية وهو ما يجعلها غير كافية لتأمين الاحتياج الضروري منها، لذلك أطلق عليها اسم (بروتينات منخفضة القيمة الغذائية).
وحتى يستطيع الواحد أن يحصل على جميع هذه الأحماض الأساسية من المصادر النباتية فلا بد أن تكون لديه دراسة وعلم كافيان بمحتوى كل نبات من هذه الأحماض حتى يقوم بالجمع بينها للحصول عليها كاملة، ولا يتطلب الأمر كل هذه المشقة عند تناول شيء يسير من المصادر الحيوانية كتناول البيض الذي يصنف من أفضل البروتينات جودة ويأتي بعده الحليب ثم اللحوم.
* يحتاج الجسم إلى وجود الحديد للقيام بوظائفه الحيوية العديدة والمهمة جدا، ولعل أهم هذه الوظائف على الإطلاق دخول الحديد في تركيب الهيموجلوبين المكون الأساسي لخلايا الدم الحمراء، ويوجد في المصادر الحيوانية (الكبد، الكلاوي، اللحوم الحمراء والبيضاء والبيض) على هيئة حديد هيمي Heme iron بنسبة %40 وحديد غير هيمي Non heme iron بنسبة %60 وهذا التركيب جعل الحديد يحظى بمعدل امتصاص عال يصل إلى %30 في حين لا تتجاوز نسبة امتصاص الجسم للحديد من الحبوب ومنتجاتها 0.5 ـ %6.5 فقط.
فقر دم خبيث
* تفتقر جميع العناصر النباتية بلا استثناء إلى وجود فيتامين ب؟؟ الذي يمنع حدوث فقر الدم الخبيث (أنيميا أديسون)، وذلك من خلال دوره في تصنيع خلايا الدم الحمراء في نخاع العظم وأيضا كريات الدم البيضاء، بالإضافة إلى أهميته في مساعدة الإنزيمات للقيام بوظائفها الحيوية، وكذلك أهميته للجهاز العصبي وغير ذلك الكثير. ويوجد هذا الفيتامين في الكبد والكلاوي واللحوم الحمراء والبيضاء والبيض والحليب ومشتقاته.
والعجيب في الأمر أن المؤيدين لنظام المايكروبيوتيك لا ينكرون حقيقة افتقار أغذيتهم المايكروبيوتيكية إلى هذا الفيتامين، ولكنهم في المقابل ينصحون بكل بساطة بالحصول عليه من خلال تناول أقراص المكملات الصيدلانية أو تناول بكتيريا فطر العفن فوق قشر الفواكه والخضروات المزروعة بطريقة عضوية! أو الحصول عليه من خلال تناول الخضروات البحرية والمحار والسمك وأطعمة الصويا، ولكن الحقيقة أن أعشاب البحر لا تحظى بطعم اللحم المستساغ ولا بأهمية اللبن الذي هو لذة للشاربين،
وكذلك الحال بالنسبة للبيض والدواجن. أما المحار الذي يعتبرونه بديلاً مناسبا فيحوي نسبة عالية جدا من الكوليسترول، وهو العامل الذي من أجله يحاربون استهلاك اللحوم والألبان. ويظل لدينا فول الصويا الذي يعتبر فردا من عائلة الصويا التي حققت شهرة واسعة في السنوات الأخيرة إلا أنه لم يحقق بعد الانتشار الذي يؤهله لأن يعم أركان العالم.
غير مقنعة
* لا يحبذ نظام المايكروبيوتيك تناول المشروبات كالشاي والقهوة والحليب والعصائر، ولا يقدم أسبابا علمية مقنعة تؤيد صحة هذا الاتجاه، وكلنا يعلم أنه كما لها أضرار في حالة الإسراف في تناولها، فإن لها فوائد جمة في حالة تناولها باعتدال. فمشروب الشاي يحتوي على مضادات الأكسدة والفلافونيدات التي تقلل خطر الإصابة بالسرطان وأمراض القلب، كما يحتوي الشاي الأخضر على نسبة عالية من فيتامين (ك)، بالإضافة إلى أن مادة التانين تقي من تسوس الأسنان، أما أهمية العصائر والحليب فلا تخفى على أحد.
* تصنف الفواكه الطازجة والمجففة من ضمن أطعمة المايكروبيوتيك التكميلية غير الرئيسية، بل إنهم يصنفون الفواكه إلى فاكهة ذات المناخ المعتدل وفاكهة المناخ الاستوائي، والأخيرة ينصحون بتجنبها من قبل الأشخاص الذين يعيشون في المناطق المعتدلة، ويسمحون بتناولها من قبل الأشخاص الذين يعيشون في المناطق الاستوائية ولكن بكميات قليلة جدا. وتشمل فاكهة المناخ الاستوائي الأفوكادو، والموز، وجوز الهند، والبلح، والتين، والجريب فروت، والجوافة، والليمون، والكيوي، والمانجو، والبرتقال، والأناناس. ولا توجد هناك أدلة أو أبحاث أو دراسات تثبت هذه النظرية التي تحرم الناس من العديد من الفواكه الضرورية جدا من جهة أو شيوعها وانتشارها بين الناس من جهة أخرى.
* ليست الخضروات بأوفر نصيب من الفواكه في نظام المايكروبيوتيك، بل إنهم يدعون إلى تجنب العديد من الخضروات المهمة جداً والمتوفرة بين الناس دون الاستناد إلى أدلة علمية صحيحة. وقد يستغرب القارئ حين يجد أن خضراواته المفضلة كالسبانخ والبطاطس والطماطم والقرع والباذنجان والفلفل الأخضر والأحمر والبنجر، تقع ضمن القائمة الممنوعة، في حين أن أعشاب البحر وطحالبه (خضروات البحر) وعش الغراب والكابوتشي والخس الروماني والبازلاء والجليدية وكوسة صيفي وقسل الماء والبنجر السويسري تتصدر قائمة الخضروات الواجب تناولها.
الوقاية
ليس نظام المايكروبيوتيك الوحيد الذي يعالج جميع المشكلات الصحية المتعلقة بالغذاء، بل إن جميع الأنظمة الغذائية الصحية تحقق معادلة الشفاء والوقاية دون المرور على ثغرات نظام المايكروبيوتيك ومن ذلك:
* ارتباط أمراض القلب والشرايين بالدهون ولاسيما المشبعة منها.
* ظهور زيادة الوزن والسمنة نتيجة الاستهلاك الزائد للسعرات الحرارية والدهون والكربوهيدرات وخاصة المكررة.
* مشكلة فقدان العناصر الغذائية في عمليات المعالجة واستعمال المواد المضافة.
* تشجيع الرضاعة الطبيعية وجعلها بديلاً لحليب الأبقار.
* استهلاك الأطعمة التي تنمو في البيئة نفسها التي يعيش فيها الشخص، وكذلك في الفصل نفسه الذي تنمو فيه.
وكما قلت سابقا فإن أي نظام صحي ومتوازن يستطيع تحقيق ما حققه نظام المايكروبيوتيك، فليس هناك أسهل من تجنب الدهون وتقليل كمية الدهون، واستهلاك منتجات الألبان قليلة الدسم أو المنزوعة، كما أن مشكلة زيادة الوزن والسمنة تحل باتباع نظام غذائي متوازن، وممارسة الرياضة بانتظام وتغيير نظام الحياة الخاطئ.
أما مشكلة فقدان العناصر الغذائية فينصح بتجنب الأطعمة المكررة التي تخضع لعمليات المعالجة والابتعاد عن المواد المضافة قدر الإمكان، وتناول الحبوب الكاملة والإكثار من تناول الفاكهة بقشورها والخضروات الطازجة والمطبوخة. أما الرضاعة الطبيعية فهي حقيقة فطرية تدعو إليها الفطرة السليمة وتدعمها الأبحاث والدراسات والنشرات العلمية كافة. كما أن الإسلام حبب أن تمتد فترة الإرضاع حتى العامين لمن أراد، في حين لا يشجع نظام المايكروبيوتيك على استهلاك الحليب ومشتقاته بعد العامين، ولا ينصح بتناوله من قبل الكبار.
الهوية الغذائية
يقول ميشيو كوشي في كتابه أسلوب المايكروبيوتيك «تفرض كل منطقة من مناطق العالم، من خلال طبيعتها الجغرافية ومناخها، متطلبات معينة وضغوطا ما على السكان الذين يقطنونها، وتناول الأطعمة التي تنمو في الظروف نفسها و في الأحوال التي نعيش فيها يمكننا التأقلم بصورة أكثر نجاحاً مع التغييرات التي تحدث من حولنا«.
إلى هنا يبدو كلام المؤلف الذي هو من أشهر رواد المايكروبيوتيك مقنعاً وعلمياً، إلا أنه يناقض نفسه عندما يدعو العالم قاطبة إلى اتباع أطعمة المايكروبيوتيك مثل حساء الميزو، شاي البانشا، خيار سوشي، تمبيه، التوفو، كعك موشي، قهوة الحبوب، أعشاب البحر، الكاشا، جوماشيو، الدايكون، الأماساكي والآجار آجار، وغير ذلك من الأطعمة الغريبة التي لا تقبلها النفس البشرية التي اعتادت هويتها الغذائية التي تطبع بها الأجداد والآباء.
فبيئة منغلقة كالبدوية مثلاً اعتادت الاستفادة من لحوم أغنامها وإبلها، وشرب ألبانها وتناول التمور وبعض الأكلات الشعبية، في حين تفتقر هذه البيئة لوجود الفواكه والخضروات والأسماك، ورغم ذلك لا يعاني أفرادها من أعراض نقص العناصر الغذائية الموجودة فيها، لأن الله سبحانه وتعالى كفل لهم التوازن الغذائي من خلال ما يتوفر في بيئتهم، وقس على ذلك أطعمة سكان البيئة الجبلية والساحلية والريفية والحضرية.
ولا يخفى على أحد أن اختلاط شعوب العالم وانتشار حياة الرفاهية وقلة الحركة والنشاط وأيضا التلوث البيئي والغذائي وظهور الأغذية المصنعة والمضافة والمكررة كلها عوامل ساهمت في تعددية الأمراض الغذائية وانتشارها. ولن ينفع بالتأكيد استحداث نظام غذائي عالمي موحد لحل هذه المشكلة، لأن العوامل المسببة متداخلة ومعقدة وتضرب بجذورها في أعماق التربة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لكل شعب من شعوب العالم.
وبعد... فإن ظهور نظام المايكروبيوتيك كبديل للطب التقليدي لم يكن ناجحا، وإن كان قد حقق شيئا من النجاح لفئة من الناس فإن هذا لم يكتب له النجاح الشامل، ويظل النظام الغذائي المتوازن وتغيير نمط الحياة الخاطئ هما الحل الجذري لجميع المشكلات الغذائية»

