لكل واحد منا قصة، وكل واحدة تختلف عن الأخرى، ورغم توقنا منذ الصغر لحكايا الأم التي كانت تجلب السكينة لنفوسنا والنوم لعيوننا، إلا أن قصصنا اليوم باتت تسرق النوم من عيوننا رغم حاجتنا الماسة لساعات قليلة من النوم الهادئ والمريح، الذي يمنح الجسم الحيوية كل صباح.

والحياة كما تقول هيلين كيلر ما هي إلا سلسلة من الدروس يجب أن نعيشها حتى نفهمها، والحياة ليست بمثابة طريق مليء بالورود تفوح منه أعطر الروائح المنعشة للنفس، بل هو معبد بالأشواك، ومليء بالمصاعب التي تدفع بعضنا لمواصلة السير رغم التعب حتى يتحقق الهدف المنشود والمتمثل في النجاح.

بينما يقف البعض الآخر، وهم كثر، من دون مواصلة الطريق، بانتظار من يزيل تلك الأشواك من أمام أقدامهم حتى وإن سالت الدماء من أيدي أولئك الذين غالباً ما يعرف الواحد منهم بالجندي المجهول. إن الحياة مليئة بالمتناقضات، فهي تجمع ما بين الآلام والآمال، وما بين هذه وتلك تتحطم الكثير من التصورات على صخرة الواقع.

ولأن رحلة الحياة مستمرة، نقول إن الوقت يمضي، ولهذا الوقت أهمية كبرى لا تقدر بثمن، فبينما يتحدث البعض، ويتكلم البعض الآخر، تتغير الأشياء من قبل أشخاص يعملون بصمت، لأن مثل هؤلاء الأشخاص لا ينظرون إلى تجاربهم السابقة للغوص في مستنقعها الموحل، بل لتقييمها بشكل دقيق، والاستفادة منها، والحياة كما قلنا سابقاً هي بمثابة دروس ينبغي علينا الاستفادة منها،

إذ من المعروف بأنه لابد من إجراء اختبار بعد كل درس أو تجربة، وإن تقييم كل واحد منا لتجربته في الحياة يعتمد على كيفية نظرته إلى ذاته، فإذا كان الشخص لا يقدر ذاته التقدير الكافي، لاشك أنه لن يستفيد من تجاربه، ولن يجتاز الاختبار بسهولة، أما إذا كان لدى هذا الشخص القدرة على تجاهل الصعوبات والظروف التي كانت تحكم تجربته السابقة،

وتمكن من تحليل أسبابها بدقة، فإن ذلك سيدعم نضج التجربة لديه إن تكرر الموقف ثانية، فالمهم أولاً وأخرا، عدم الغرق في مستنقع الماضي بخيباته أو أمجاده ولنتذكر جميعاً أنه لا توجد أخطاء بل تجارب يمكن الاستفادة منها، وان كل واحد منّا قد يخطئ، ولكن الأهم من ذلك الاستفادة من أخطائه، من أجل تحقيق الهدف المنشود المتمثل في التميز عن الآخرين من جميع النواحي العملية والمادية والاجتماعية،

مع ضرورة المحافظة على التوازن الجسدي والنفسي، كيلا يقع ضحية الغطرسة أو الفشل. والمسألة ببساطة تتطلب ثقة بقدراته الذاتية والتوغل داخل نفسه، واستكشاف نقاط الضعف قبل نقاط القوة، فنقاط القوة ندركها جميعاً، بينما نقاط الضعف قد نتجاهلها رغم وضوحها وضوح الشمس، لهذا يجب الاعتماد على الأشخاص المقربين جداً من عالمنا الداخلي، وعدم المكابرة،

لأن مثل هؤلاء الأشخاص الصادقين يساعدونك على اجتياز المسافة التي تفصل بين ضفتي النهر بأمان، وتذكر دائما انه في بعض الحالات قد يمر الإنسان بأوقات عصيبة، حيث تصبح الرؤية فيها مبهمة، حينها تبدو الحياة قاسية، ويصاب باكتئات واضطرابات نفسية،

ولكن إذا ما وقف الشخص وقفة جريئة أمام مرآة ذاته، سيكتشف قدراته الكامنة، وسيتمكن من إنجاز أعماله التي تتوج بالنجاح، ومثل هذه الأعمال لها قيمة كبيرة مهما كانت الأعمال صغيرة، ابتداء من إصلاح كرسي مهزوز، وانتهاء بتشييد امبراطورية تجارية.

أخيراً..

علينا جميعاً أن نتقن فن الانصات للآخرين، ولأنفسنا، مع التركيز بدقة على الرسائل الذاتية ذات الصوت الخفيض التي تقول لك:

لا تكابر، ولا تتردد في القيام بكل ما يمكنك القيام به، وتعلم فن المغامرة التي تنقلك إلى عالم الإبداع والتميز، وتضفي عليك توهجاً يفتقده الآخرون.

وللأسف نقول:

إن روح المغامرة رغم أنها ترافق الإنسان منذ مراحل الطفولة الأولى، إلا أن هناك من يكبحها أو يلجمها. لهذا عليك حشد طاقاتك الخارجية واستدعاء قدراتك الداخلية الاحتياطية حتى تحقق أهدافك المحدودة، القابلة للتطبيق، والواقعية والمناسبة ضمن الوقت المحدد لها، حتى لا تشعر بخيبة أمل تحطم قواك الداخلية وتصدع جدران النفس. ينبغي أن نضع نصب أعيننا أن النجاح لا يقف عند محطة معينة في الحياة، بل يستمر طالما يسير القطار من محطة إلى أخرى.

ويمكننا أن نجعل من حياتنا هذه رحلة مليئة باللحظات الممتعة والتجارب المفيدة رغم قسوتها.

bassam@albayan.ae